فولوديمير زيلينسكي... الواقع أقسى من الدراما
Arab
1 week ago
share
أظهرت نحو سبع سنوات من حكم الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي أن الوصول إلى النهاية السعيدة أصعب بكثير في مسرح الواقع، مقارنة بالمسلسلات والأفلام، بغض النظر عن مدى القدرة على تقمّص شخصيات مختلفة، وطرح خطاب متناسب مع كل مرحلة. وبعد أربع سنوات من الحرب على بلاده، ما زال ينظر إلى زيلينسكي في أوروبا وأجزاء من العالم، على أنه بطل رفض الاستسلام، ويقود بلاده للصمود في وجه الجيش الروسي، ثاني أقوى جيش في العالم. وفي بلاده، ورغم انتخابه في صورة "خادم الشعب" بأغلبية ساحقة، مقارنة بمن سبقوه في حكم البلاد، فإن أداءه لم يرق إلى آمال كثير من الأوكرانيين في السنوات الأولى، بل تراجعت شعبيته قبل شهر من الحرب التي اندلعت في 24 فبراير/شباط 2022، إلى نحو 37%، حيث صوّت له 73% في الجولة الثانية من رئاسيات 2019، في ظل حاجتهم إلى رؤية رئيس من خارج الطبقة السياسية التقليدية الغارقة بالفساد منذ استقلال البلاد عن الاتحاد السوفييتي في عام 1991، وبناء وطن من دون انقسامات على أساس إثني ومناطقي. والأرجح أن الناخبين الأوكرانيين أرادوا رؤية مدرس التاريخ في مسلسل "خادم الشعب" وهو يبني بلداً جديداً يليق بالأوكرانيين، ويتناسب مع ثروات بلادهم البشرية والطبيعية. زيلينسكي ورفض مغادرة أوكرانيا وفي حين اختارت روسيا لحظة مناسبة لغزو أوكرانيا، مع خيبة أمل فريق واسع من الأوكرانيين من امكانية التغيير مع فشل فولوديمير زيلينسكي في اجتثاث الفساد، وتحسين الأوضاع الاقتصادية، وحل قضية الانفصاليين المدعومين من روسيا في دونيتسك ولوغانسك، فإن صمود زيلينسكي ورفضه عروضاً لمغادرة كييف، رفعا شعبيته إلى أكثر من 90% مع بدء الحرب. وقبيل الهجوم الروسي، وفي جهود ربع الساعة الأخيرة، قال فولوديمير زيلينسكي في تسجيل باللغتين الروسية والأوكرانية إنه حاول الاتصال بنظيره الروسي فلاديمير بوتين لتجنب الحرب، من دون رد. ومع تأكيده أن البلدين ليسا بحاجة إلى حرب، شدّد زيلينسكي على أنه إذا تعرض الأوكرانيون للهجوم فسيدافعون عن أنفسهم، وقال: "حين تهاجموننا سترون وجوهنا، ليس ظهورنا، بل وجوهنا". تحولت عبارة "المجد لأوكرانيا" إلى المصطلح الأشهر في الغرب وتحولت خطابات زيلينسكي الليلية المصورة إلى مصدر أمل وثقة لملايين الاوكرانيين. وهجر زيلينسكي البزات الرسمية منذ بداية الحرب، وظهر في خطابه الأول بعد الهجمات الروسية مرتدياً زياً عسكرياً. وبالاستفادة من خبرته الدرامية، خاطب فولوديمير زيلينسكي في اليوم الأول من الحرب في 24 فبراير 2022، مواطنيه والروس والعالم، بتسجيل من هاتفه الجوال قال فيه: "نحن هنا، نحن في كييف. نحن نحمي أوكرانيا". وأشاد بالقوات المسلحة لبلاده "لدفاعها الباسل عن الوطن"، وختم بالقول: "الآن لحظة مهمة. مصير بلدنا يُحسم الآن". وفي ذلك المساء ألقى خطاباً آخر، محذراً القادة الغربيين من أنه إذا لم يقدموا المساعدة، فإنّ "الحرب ستطرق أبوابكم غداً". وفي مقطع فيديو نُشر بعد يومين من الحرب خرج زيلينسكي من أمام القصر في كييف لتكذيب هروبه بعنوان: "لا تصدقوا الأخبار المزيفة". وقال "أنا هنا. لن نلقي السلاح. سندافع عن بلدنا، لأن سلاحنا هو الحقيقة، وحقيقتنا هي أن هذه أرضنا، وبلدنا، وأطفالنا، وسندافع عن كل هذا"، وفي هذا الخطاب أطلق عبارة تحولت إلى لازمة على لسان المسؤوليين الغربيين في الأشهر اللاحقة "المجد لأوكرانيا" (سلافا أوكرايني). وفي اليوم التالي كشفت السفارة الأوكرانية في لندن أن زيلينسكي رفض عرضاً أميركياً لإجلائه من كييف، وحسب تغريدة للسفارة على منصة إكس، رد زيلينسكي على العرض بالقول: "المعركة هنا. أنا بحاجة إلى ذخيرة، لا إلى وسيلة نقل". وإضافة إلى افشال خطة روسيا بالسيطرة على كييف في عدة أيام، نجح فولوديمير زيلينسكي في إحباط سيناريو آخر دعا إليه الرئيس الروسي فلاديمير بوتين بعد أيام من الغزو، عبر حضه الأوكرانيين على الانتفاضة. وفي خطابه قال بوتين للشعب الأوكراني: "خذوا زمام الأمور بأيديكم. يبدو أنه سيكون من الأسهل علينا التوصل إلى اتفاق (معكم) من التوصل إلى اتفاق مع هذه العصابة من مدمني المخدرات والنازيين الجدد، الذين استقروا في كييف واحتجزوا الشعب الأوكراني بأكمله رهينة". لكنّ دعوات بوتين لم تجد آذاناً صاغية، بعدما وحّدت الحرب الأوكرانيين وجعلتهم أكثر التفافاً حول زيلينسكي، ما شكّل أو خيبة للكرملين الذي زيّن له بعض المستشارين أن كييف ستستقبله استقبال الفاتحين. ومنذ الأيام الأولى للحرب، برع فولوديمير زيلينسكي في استخدام الخطاب المناسب للغرب، مؤكداً أن بلده الصغير جزء من العالم "المتحضر" في مواجهة روسيا "الشمولية". واستطاع الحصول على مساعدات عسكرية واقتصادية، تحولت على مر الأشهر من الخوذ الواقية لرؤوس الجنود، وملايين الدولارات لدعم اللاجئين والنازحين، إلى صواريخ بعيدة المدى ودبابات وطائرات. ودغدغ مشاعر الأمم بخطابات استخدم فيها إسقاطات تاريخية، ففي كلمة مسجلة أمام مجلس العموم البريطاني، في الثامن من مارس/ آذار 2022، استخدم  زيلينسكي عبارة الكاتب البريطاني وليام شكسبير بالقول: "السؤال الآن هو أن نكون أو لا نكون... والجواب هو: نعم سنكون". وفي استحضار لكلمات رئيس الوزراء البريطاني وينستون تشرشل، الذي قاد بريطانيا للصمود أمام ألمانيا النازية في الحرب العالمية الثانية (1939 ـ 1945)، أكد زيلينسكي أن "شعبه سيواصل المقاومة". وأضاف: "لن نرضخ ولن نستسلم، وسنقاتل حتى آخر رجل في البر والبحر والجو. سنقاتل في الغابات والشوارع... ونسعى للحصول على مساعدة الدول المتحضرة". وردد أمام الكونغرس الأميركي، في إبريل/ نيسان 2022، عبارة أبرز زعماء حركة الحقوق المدنية الأميركية مارتن لوثر كينغ خلال مسيرة الحرية في واشنطن عام 1963: "لدي حلم" في محاولة عاطفية لكسب دعم الأميركيين في معركة صورها على أنها طلب للحرية، بقيادته كما كان لوثر كينغ. العجز عن محاربة الفساد من أبرز سلبيات حكم زيلينسكي ولم يتردد زيلينسكي في توجيه انتقادات حادة للأمم المتحدة، والدول المتقاعسة عن دعم بلاده في أكثر من مناسبة، بلسان سليط، وحجة حاضرة بأنه يقود بلاده للدفاع عن أوروبا والعالم. وبعد أشهر من التحركات على الجبهات المشتعلة، وقيادة ميدانية في كييف، بدأت جولات فولوديمير زيلينسكي الخارجية واستهلها بواشنطن في ديسمبر/كانون الأول 2022، في مسعى لتكرار خطوات تشرشل، في الحصول على دعم من خلف المحيط. وبعد خطاب عاطفي في الكونغرس، ولقاء مع الرئيس السابق جو بايدن، انهالت المساعدات العسكرية والاقتصادية الأميركية على بلاده ولم تنقطع "الحنفية" إلا بعد عودة دونالد ترامب إلى البيت الأبيض في 20 يناير/كانون الثاني 2025. وكان زيلينسكي في 28 فبراير 2025، على موعد مع أداء أصعب دور في حياته السياسية، وربما المهنية السابقة كممثل. وفي لقاء المكتب البيضاوي انهالت عليه الانتقادات من ترامب، ونائبه جي دي فانس، حول مظهره، وعدم امتنانه للدعم الأميركي، وحاجج كثيراً في امتلاكه أوراقاً كثيرة، من دون إقناع سيد البيت الأبيض الجديد. بعدها عاد زيلينسكي إلى العمل بقوة أكثر مع البيت الأوروبي لتخفيف الضغوط والحصول على دعم يعوض انقطاع الدعم الأميركي، ويساعده في صد الهجمات الروسية، والأهم التخفيف من ضغوط ترامب الذي تبنّى عملياً المقاربات الروسية، منقلباً على سياسات سلفه بايدن بالمطلق فيما يخص أوكرانيا. وربما، قضى زيلينسكي في الطائرة متنقلاً في أنحاء العالم أكثر مما قطعه جميع الرؤساء الأوكرانيين السابقين بمرات. وفي مقابل النجاحات الخارجية، لاحقت الخيبات زيلينسكي في سياساته الداخلية في بلد غارق بفساد مؤسساتي، وطاولت فضائح الفساد المقربين منه، وشركاءه التجاريين السابقين. وارتكب خطأ فادحاً حين حاول حل هيئات الفساد المستقلة، ما تسبب في احتجاجات نادرة ضده، وبعد فضيحة حماية منشآت الطاقة، اضطر إلى إقالة رئيس مكتبه، رجل أوكرانيا القوي، أندريه يرماك. ولم تكن علاقته مع العسكريين على أفضل وجه، ولكنه استغل الحرب وعدم قدرة الجيش على رفض الأوامر خوفاً من انهيارات، لإقالة قائد الجيش السابق، الجنرال الحديدي فاليري زالوجني، وإبعاده كجائزة ترضية سفيراً في لندن. واضطر زيلينسكي أكثر من مرة إلى إجراء تعديلات حكومية لإدارة الأزمات لا حلها. وشهد حزبه "خادم الشعب" انشقاقات كثيرة. ساهم غزو روسيا وإهانة ترامب في رفع شعبية زيلينسكي مستقبل فولوديمير زيلينسكي اليوم، وبعد أربع سنوات على الحرب، لم ينجح زيلينسكي مع استقرار ملايين الأوكرانيين في أوروبا وتوزعهم في أصقاع العالم. كما لم يكرر خاتمة مسلسل "خادم الشعب" في توحيد البلاد والانتقال بها إلى مصاف الدول المتقدمة. ونتيجة الحرب، خرج عن سيطرة أوكرانيا مزيد من الأراضي، وصل إلى 20% من جنوب وشرق أوكرانيا. ورغم تشبيه وزير الدفاع البريطاني جون هيلي، في فبراير 2025 زيلينسكي بتشرشل، ودفاعه عن الرئيس الأوكراني في وجه اتهامات له بأنه ديكتاتور لرفضه تنظيم انتخابات، وقوله "إنه الزعيم المنتخب لأوكرانيا وفعل ما فعله ونستون تشرشل في بريطانيا خلال الحرب العالمية الثانية، علق الانتخابات بينما كنا في حرب" فإن الوقائع تشير إلى أنه لن يكسب الحرب، ولن يكون له المكان نفسه الذي حظي به تشرشل في مفاوضات بناء العالم بعد الحرب العالمية الثانية. وفي حين وصف الرئيس الأميركي الأسبق جورج بوش الابن في مايو/ أيار 2022 زيلينسكي بأنه "وينستون تشرشل هذا الزمان" وشكره على "قيادته، والنموذج (الذي وضعه)، والتزامه بالحرية" فإنّ حاكم البيت الأبيض الحالي لا يقاسم الرئيس الجمهوري الأسبق نفس التقييم. بالاطلاع على الصحافة العالمية، لا تجد أي مقارنات بين أبرز رموز الثورات ضد المحتلين من العالم الثالث وزيلينسكي، وربما بات الحديث عن تشي غيفارا، وياسر عرفات، وهو شي منه، وغيرهم، خارج الموضة، أو نظراً لأن زيلينسكي طرح نفسه جزءاً من عالم احتل ونهب الشعوب. داخلياً، ساعد بوتين عن غير قصد في رفع شعبية فولوديمير زيلينسكي بداية الحرب، والأمر ذاته ينطبق على ترامب حين رفض زيلينسكي الإهانة في البيت الأبيض، لكن تبعات الحرب، والعجز عن محاربة الفساد، خفضت شعبية زيلينسكي كثيراً. وفي استطلاع نظمه معهد كييف الدولي لعلم الاجتماع في نهاية ديسمبر الماضي، أعرب 61% من الأوكرانيين عن ثقتهم بزيلينسكي، مقابل 32% لا يثقون به. وفيما منحت الحرب زيلينسكي فرصة للحكم بصلاحيات واسعة، فإن نهايتها، أياً كانت النتيجة تفرض عليه تحديات كبيرة لإعادة ترميم شعبيته والفوز في أي انتخابات جديدة، لتنفيذ رؤية "خادم الشعب" على 80% من الأراضي الأوكرانية فقط، في ظل سياسة أميركية تجنح إلى تقاسم مناطق النفوذ مع روسيا، الجار الذي لا يمكن أن يكون إمبراطورية، حسب المنظرين الأميركيين، إلا مع أوكرانيا تابعة أو حليفة.

Related News

( Yemeni Windows) محرك بحث إخباري لا يتحمل أي مسؤولية قانونية عن المواد المنشورة فيه لأنها لا تعبر عن رأي الموقع..

All rights reserved 2026 © Yemeni Windows