أميركا وراء الواجهة... الصورة والواقع
Arab
1 hour ago
share
لطالما قدّمت الولايات المتحدة نفسها بوصفها نموذجاً للديمقراطية الليبرالية: دولة المؤسسات، وحامية الأقليات، وجاذبة للمهاجرين، وفضاء للتعددية وحرية التعبير. تلك كانت أميركا الصورة التي صُدّرت لعقود، وبُنيت عليها شرعية سياسية وأخلاقية واسعة. غير أن واقعها يبدو على مسافة متزايدة من هذه السردية، أقرب إلى مشهد تتقدّم فيه الكراهية، ويُطبَّع فيه التحريض، ويُستدعى العنف كأداة سياسية غير معلنة. في هذا الواقع، يُهدَّد نواب منتخبون بسبب أسمائهم، أصولهم، أو مواقفهم السياسية. إلهان عمر، وزهران ممداني، وغيرهما من أصوات الأقليات والتقدميين وحكام ولايات، وفنانون وصحافيون، لا يُستهدفون بوصفهم أفراداً، بل كرموز لهوية باتت موضع شيطنة منظمة. هنا لا يعود الخلاف الديمقراطي حقاً مكفولاً، بل يتحول إلى تهمة، ويغدو الموقف نفسه سبباً للتجريم والتهديد، في انقلاب خطير على أميركا الأخرى. ولا تقف الفجوة بين الصورة والواقع عند الداخل الأميركي، بل تنعكس مباشرة على السلوك الخارجي. فدولة عاجزة عن احتواء انقساماتها، ومجتمع مشدود إلى خطاب الخوف، يفرزان سياسة خارجية أكثر عدوانية، تُستدعى فيها التهديدات بالحروب وتحريك الأساطيل لا تعبيراً عن قوة، بل تعويضاً عن هشاشة داخلية متفاقمة. وحين تعجز السياسة عن تهدئة الداخل، تُقرَع طبول الحرب خارجياً، فتغدو القوة العسكرية قناعاً للتصدّع، ويصبح العالم، من الشرق الأوسط إلى القطب الشمالي، مساحة لإسقاط أزمات لم تجد حلولها في الداخل. ولو أن واشنطن قرأت بجدية ما يدور في مجتمعات حلفائها الغربيين، لأدركت حجم التآكل في صورتها. عشرات الآلاف من الأوروبيين ينضمون لحملات التضامن مع غرينلاند، وآلاف يتبادلون قوائم مقاطعة المنتجات الأميركية، وطلاب جامعيون يرفضون الدراسة هناك، لا خوفاً فحسب، بل احتجاجاً سياسياً وأخلاقياً متنامياً. قد لا يصل هذا الرفض إلى حرق العلم الأميركي كما في عالم الجنوب، لكنه أكثر دلالة وأطول أثراً، لأنه يُعبَّر عنه بالموقف لا بالنار. في هذا السياق، تتحول "عظمة أميركا" من قوة إقناع إلى شعار أجوف، ومشهد استعراضي تتآكل هيبته مع كل تهديد جديد، لتصبح خسارة فادحة لترامبيي أوروبا. ما يتآكل اليوم ليس فقط الواجهة، بل السردية الأميركية نفسها. فالدولة التي طالما ادّعت القيم والمبادئ تجد نفسها عاجزة عن الحماية من التحريض، وعن كبح خطاب يشرعن العنف ضد جماعات بعينها. وبين أميركا الصورة وأميركا الواقع، تتسع الهوة إلى حدّ لم يعد فيه السؤال كيف ترى الولايات المتحدة نفسها، بل إن كانت قادرة أصلاً على مواجهة ما أصبحت عليه، صورة وواقعاً.

Related News

( Yemeni Windows) محرك بحث إخباري لا يتحمل أي مسؤولية قانونية عن المواد المنشورة فيه لأنها لا تعبر عن رأي الموقع..

All rights reserved 2026 © Yemeni Windows