Arab
تشير عبارة "الزمن الجميل" إلى حنين غامض غير مفهوم لدى العرب، أصادف العبارة في الحياة الشفوية، وفي كثير من الكتابات. وأحاول في كل مرة أن أتقصى، أو أبحث عن ذلك الزمن الماضي الذي يمدحونه، ويشتاقون إليه. ثمة من يرى أن أحلامنا الموؤودة هي التي تمثل زمننا الجميل، لهذا يظل الحنين إلى مثل ذلك الزمن حياً في نفوسنا.
ويبدو الزمن الجميل مثقلاً بالذكريات الذاتية، أو الشخصية، لا العامة، فهو زمن جميل لأن القائل كان جميلاً في تلك السنوات، وجماله ناجم عن التزاماته الأخلاقية والمبدئية، أو انتماءاته السياسية. ثمة من يشير أيضاً إلى زمن بطولي، بصرف النظر عن أشكال البطولات، أو مداها، أو مآلات البطولة، ونتائج أفعالها، ولهذا لم يكن الزمن الجميل زمناً جماعياً، بل زمنٌ فرديٌّ يشير إلى وقوف الأفراد بشخصياتهم الكاريزمية في وجه الجلاد والمستبد، أو دفاعاً عن القيم الجميلة: العدالة والحرية والكرامة الإنسانية والمجتمع الفاضل، أو إنجاز أعمال عادت بالنفع العام، وبهذا المعنى فإن الزمن الجميل زمن سياسي، أو حزبي أحياناً، يحن فيه أصحابه إلى شكل من الوجود الخاص، المتميز، مع أن عدداً من بينهم كان يتعرض للسجن والاعتقال، بل إن السجن، والاعتقال الذي تعرض له بعض هؤلاء، يمكن الحنين إليه بوصفه زمناً جميلاً يجسد النضال، والكفاح من أجل المستقبل. والراجح أن المئات من هذا الجيل الذي يحن إلى زمنه الجميل، حتى لو تعرض في ذلك الزمن، لا يزال يعتز بزمنه، ذلك لأنه كان مخلصاً لمبادئه، وأهدافه وحلمه بالمستقبل. والتذكر اليوم، يجسد نوعاً من الشعور العميق بالخسارة، أو اليقين من أن هزيمة شاملة قد حاقت بالحلم الجميل الذي كان بدوره يقيناً في ذلك الزمن الجميل.
أفضل ما فيه أنه ليس حنيناً، بل حسرة، وأسى على ما لم يتحقق.
مفارقة صعبة، لا يملك كثيرون من الجيل الكهل الذي فشل في تحقيق أي هدف، إلا رثاء السنوات التي ضاعت منهم في الماضي من دون نتائج يمكن البناء عليها، من دون أن يتقدم كثيرون من بينهم لنقد أنفسهم في تلك الأيام ونقد ممارساتهم، ولهذا يمكنهم هجاء الحاضر بالقول إنه: زمن الحطام، واللاجدوى، واليأس، والحسرة، وزمن القحط. وأن مسألة البحث عنه هي أمر بلا جدوى، إذ تظهر معظم النضالات التي خاضوها من أجل تغيير حياتهم للأفضل هباء. غير أن هذه المراثي تأتي غالباً من أولئك الذين لا يرغمهم الواقع على البحث عن لقمة العيش، رثاء الزمن الجميل يفكر في هزائم المشاريع الكبرى، لقيام الأوطان، ولهذا ينسى، أو يتناسى هواجس الناس اليومية.
ثمة من حسموا أمر ذلك الماضي، وانضموا إلى مكاسب الحاضر، وهم يعلنون الندم والضجر من كل ماضيهم الذي يعتبرونه مشيناً، وسيكون لديهم، ولدى جيل يتعلم على أيديهم سلسلة طويلة من تقبيح الأمل والعدالة وحقوق الإنسان والحرية والديمقراطية، بالقول إنها مجرد أقوال تافهة لا قيمة لها.
* روائي سوري

Related News
هل يقود ترامب أميركا نحو حرب أهلية؟
alaraby ALjadeed
34 minutes ago
الشعبوية أداة للهيمنة
alaraby ALjadeed
34 minutes ago