Arab
تتزامن الذكرى السنوية الرابعة والأربعون لاجتياح حماة وارتكاب واحدة من أكبر مجازر القرن العشرين مع وفاة رفعت الأسد، المسؤول المباشر عن المجزرة بعد تعيينه من قبل أخيه الأكبر حافظ الأسد لإخماد تمرد حماة بطريقة تهيئ الأرضية المناسبة لسحق أي دعوات مستقبلية مناهضة لسلطة العائلة.
ومنذ المجزرة وحتى الثاني من فبراير/شباط القادم، ستكون أول ذكرى تأتي على المدينة من دون حافظ ورفعت معًا، وكأن ما جرى كان "كابوسًا" طويلًا مر على المدينة طيلة أكثر من أربعين عامًا.
وبالعودة إلى القصة من البداية، ففي صباح الثاني من فبراير/شباط 1982، اجتاحت قوات "سرايا الدفاع" (القوات الخاصة لرفعت الأسد) وقوات من الجيش السوري حماة من أربعة محاور، وفرضت حصارًا مطبقًا على المدينة معلنةً حماة منطقة عسكرية مغلقة مع قطع وسائل الحياة كافة عن المدينة (كهرباء، ماء، هواتف أرضية، بالإضافة إلى حظر تجول شامل).
انتهت الحملة العسكرية بعد 27 يومًا مخلفةً عشرات آلاف الشهداء والمعتقلين وانتهاكات يندى لها الجبين، بالإضافة إلى مسح أحياء سكنية وقيود عائلية بأكملها.
بعدها، تركت المدينة وحيدة أمام التهميش الحكومي المنظم، بينما غادر رفعت سورية بعد خلاف مع أخيه حافظ انتهى بتفريغ البنك المركزي بشكل كامل مقابل تخلي رفعت عن حلم الوصول للحكم.
شكلت هذه المجزرة ركيزة أساسية في تطور المشهد السوري السياسي لاحقًا، وأدرك الشعب السوري أن أي شكل من أشكال معارضة النظام ستدفع السلطة الحاكمة إلى تكرار ما فعلته من انتهاكات في حماة، ولم يثنها شيء عن فعل ذلك مجددًا مع أي معارض أو حركة ثورية.
غادر الكثير من المعارضين سورية إلى المنافي، بينما زُجَّ بقسم منهم في السجون سيئة الصيت كتدمر وصيدنايا وفرع فلسطين، أما القسم الثالث، ففضّل التخلي عن النشاط المجتمعي أو السياسي نهائيًا حفاظًا على حياة أبنائه وعائلته.
دخلت سورية في حقبة الديكتاتورية المطلقة وغرقت البلاد في الفساد والجهل الممنهج، فلا أنشطة سياسية أو ندوات علمية أو حراك مجتمعياً إلا تلك التي تدور في فلك القائد الواحد.
وبالعودة إلى مجزرة حماة، فقد شكلت لاحقًا أهم ركيزة في بداية حراك مارس/آذار 2011 وما بات يعرف بـ"الثورة السورية"، حتى إن الناشطين أعلنوا تاريخ أول دعوات للتظاهر في 2 فبراير/شباط بالتزامن مع ذكرى المجزرة، ومع الحضور المكثف لقوات الأمن التي يرعبها هذا التاريخ، جرى تأجيل الموعد إلى مارس/آذار.
تحولت "مجزرة حماة" إلى أيقونة ثورية تنير درب الحرية والخلاص للسوريين، وهتف المتظاهرون في عموم سورية خلال التظاهرات "يا حماة سامحينا".
فكانت تلك العبارة مواساة لجرح قديم لم يندمل، كما كانت رسالة موجهة إلى بشار وعمه رفعت أن المجازر لا تسقط مع الزمن بل تتحول إلى موجات ثورية هائلة، كل موجة تحيي التي قبلها وتكمل طريق النضال.
وبالرغم من سجله الإجرامي الكبير ومسؤوليته المباشرة عن مجزرة حماة وغيرها من الانتهاكات في المدن والبلدات السورية، فقد استقبلت أوروبا رفعت الأسد وحقائب أمواله التي أخذها من البنك المركزي السوري مقابل مقايضة عائلية بينه وبين أخيه، ومارس حياته الاجتماعية وحصل على "شهادات فخرية" وأسس جمعيات ونوادي "ثقافية" وقناة تلفزيونية.
ارتفع صوت المعارضة السورية تدريجيًا ضد وجود رفعت الأسد في أوروبا وخصوصًا بعد الألفية الجديدة، وتحولت هذه الأصوات مع بداية الثورة السورية إلى خطوات عملية ملموسة توجت بصدور مذكرة توقيف متأخرة بحقه عام 2023 وأحيل إلى المحكمة، لكنه نجح في عقد صفقة أخرى مع ابن أخيه "بشار"، فنجحت تلك الصفقة بإعادته إلى سورية على وجه السرعة ليفوت فرصة انتظرها الشعب السوري طويلًا، لا سيما الحمويون.
الجدير بالذكر أن أوروبا نجحت كعادتها في قضية الحجز على بعض أمواله، ففي عام 2019، تم الحجز على أمواله في إسبانيا والتي تقدر بـ800 مليون دولار، ما يطرح الكثير من علامات الاستفهام عن إمكانية حجز أمواله بينما كان هو حرًا طليقًا يجوب العواصم الأوروبية ويلتقي الشخصيات النافذة وينسج معها العلاقات العامة والخاصة علنًا.
في العام الماضي ومع سقوط نظام الأسد، أحيت حماة لأول مرة وبشكل علني ذكرى مجزرة 1982 في وسط المدينة "ساحة العاصي" بحضور شعبي ورسمي واسع من مختلف المدن السورية، وقد رفع ذوو الضحايا الصوت الذي كان مكتومًا لعقود وتحدثوا عن شهدائهم ومفقوديهم وقصصهم المدفونة في صدورهم، وطالبوا بمحاكمة السفاح رفعت وكل من شارك في المجزرة وأوغل في دماء السوريين، والإسراع في ملف العدالة الانتقالية.
لكن ما طالب به ذوو الضحايا في العام الماضي أصبح شبه مستحيل، فقد أعلن عن وفاة رفعت منذ أيام خارج سورية التي هرب منها كما فعل ابن أخيه "بشار" مع تقدم الثوار إلى دمشق، وبوفاته، ضاعت فرصة محاكمة المسؤول الأول والمباشر عن مجزرة حماة وغيرها من الانتهاكات في المدن السورية.
لم يحاسب رفعت، لكنه شهد ورأى بعينيه النظام الذي خدمه عقودًا يسقط، وعائلة الأسد تتشتت في بقاع الأرض كما فعلت مع آلاف العائلات منذ استلامها السلطة، كما رأى قبر أخيه يحرق وتماثيله تداس وصوره تمزق، وكل المشروع الاستبدادي والطائفي الذي أسسوا له بالقوة والنار يغدو من الماضي حقبة سوداء في التاريخ السوري بعد أن انتصرت إرادة السوريين الحرة، في هذه العبارات يواسي الشعب الحموي نفسه بعد أن خابت آماله في محاكمة السفاح.
طويت صفحة السفاح رفعت بمقولته الشهيرة (سأزرع حماة بطاطا) هاربًا من الشعب السوري الثائر ومن العدالة الدولية المتأخرة، وبموته ضاعت حقوق مئات آلاف السوريين الذين كانوا ضحايا مشروعه القمعي الدموي الذي مر عليه أكثر من أربعين عامًا، قضى معظمها في الدول الأوروبية حرًا طليقًا يعقد الصفقات المشبوهة من "غسيل أموال، وتجارة غير شرعية" على مرأى محكمة العدل الدولية وأهم مؤسسات القانون الأوروبية ومراكز الأبحاث الحقوقية، وبموته أكد لنا مرة أخرى ازدواجية المعايير الدولية في التعاطي مع حقوق الشعوب ومجرمي الحروب.
Related News
البطاطا جزء مهم من نظامك الغذائي الصحي
aawsat
13 minutes ago
رادوكانو تنفصل عن مدربها رويج
aawsat
14 minutes ago
مجدي مساعد «غوميز»: نقطة الاتحاد إيجابية للفتح
aawsat
14 minutes ago