الجزائر: مليون خريج
Arab
1 hour ago
share
ظنّ أحد المسافرين الذين تتوقف طائراتهم في الجزائر لليلة واحدة قبل متابعة رحلتها أن ما يراه في الشارع بمثابة نهاية يوم دراسي في عدة مدارس متوسطة وثانوية وجامعية قريبة. كان الشارع، وهو رئيسي، يعاني من طوفان شبابي. وعندما استفسر عن ذلك من النادل في المقهى أجابه أن الوضع عادي وروتيني ويومي. والمعروف أن الجزائر تعرف أكبر معدل أعمار شبابية بين الدول المتوسطية. وتشهد الجزائر معادلة قوامها ارتفاع أعداد أصحاب الشهادات يقابلها توسع في دائرة البطالة. وتعتمد البلاد مجانية التعليم الحكومي، وهو ما فتح أبواب الدراسة والتخصص أمام فئات في المدن والأرياف لم تكن أوضاعها تسمح لها بمثل هذا الامتياز قبلاً.  مع ذلك، فتضاعف أعداد الخريجين العاطلين عن العمل بات بمثابة كابح للدراسة والتخرج والحصول على شهادة جامعية. هنا تتداخل عناصر متعددة تبدأ من نوعية التعليم والملاءمة مع حاجات سوق العمل، وقدرة اقتصاد البلاد على ابتكار مجالات عمل تمتص العمالة الوافدة. وفي الجزائر كسواها كان التركيز يتم على القطاع الحكومي مصباً للخريجين والتوظيف فيه، بالنظر إلى الضمانات التي يقدمها للعاملين. لكن هذا الإقبال سرعان ما تراجع مع إشباع المؤسسات الرسمية بالكوادر التي تحتاجها، ما دفع إلى التوجه نحو التعليم المهني، وخصوصاً منه الذي يجري دورات سريعة ومكثفة تكسب خريجها مهنة ضمن وقت قصير، بدل تمضية سنوات في دراسة نظامية يخرج بعدها الطالب بشهادة معتمدة. بالطبع لا يمكن أن يكون ذلك حلاً مثالياً. فمثل هذه الدورات لا علاقة لها بالدراسات الأكاديمية المعمقة التي تفرضها التكنولوجيا المتطورة باستمرار. قبل ذلك عمدت الحكومة وكذلك بعض مؤسسات القطاع الخاص إلى توقيع عقود تشغيل مؤقتة لاستيعاب الخريجين الجدد، وهي عقود تجريبية ولفترة، لكن وكما يحدث دوماً تتغلب الاعتبارات السياسية والاجتماعية على مبدأ الحاجة والكفاءة، فيصبح المؤقت دائماً، ويتم الدمج رغم عدم توافر المستند القانوني الذي يعبر عن نفسه بعقد بين الطرفين المعنيين. وبذلك يصبح الخريج جزءاً من منظومة متكاملة من الخلل لا يتمكن أحد من القيام بإصلاح أعطابها المتصاعدة. وعندما تنتهي مدة العقود من دون الدمج، تبرز مشكلة اجتماعية، إذ يتعرض خلالها المشتغل إلى الخروج من دائرة أو مرفق أمضى فيه سنوات. وهو الآن مواجه بالانضمام إلى مئات ألوف العاطلين عن العمل الذين يمضغون الوقت في المقاهي أو يتسكعون في زوايا الشوارع، معرضين أنفسهم والمارة إلى مشكلات تعبيراً عن عدم استقرارهم النفسي والمعيشي والاجتماعي. تدفع الجامعات والمعاهد العليا بـ 400 ألف خريج جامعي سنوياً، منهم قسم رئيسي تمثله الشابات اللواتي بتن جزءاً من قوة العمل. يضاف إلى هؤلاء الشبان، الذين لم يكملوا دراستهم التكميلية والثانوية، ما يقود حكماً إلى فيضان عمالة لا يمكن للوظائف المستحدثة استيعاب تدفقه.  ويشير بعض الأرقام المتداولة في الأوساط الأكاديمية إلى أن عدد المتخرجين العاطلين من العمل في الأعوام الـ 10 الأخيرة تجاوز المليون. ارتفاع وتيرة هذه الأعداد كان بمثابة جرس إنذار لقطاع التعليم العالي من جهة، ولوزارات ومؤسسات الدولة المعنية من جهة ثانية. ويعترف وزير التعليم العالي والبحث العلمي عبد الباقي بن زيان بأن الحل يكمن في تطوير البحث العلمي والتكنولوجي، باعتبار أن مصدر المشكلة ينبع من عدم التوازن بين أنواع التعليم والحاجات الاقتصادية، وعدم التنسيق بين التخطيط التعليمي والتخطيط الاقتصادي، بحيث أصبح النمو السنوي للخريجين أكثر من نمو الوظائف المتاحة. (باحث وأكاديمي)

Related News

( Yemeni Windows) محرك بحث إخباري لا يتحمل أي مسؤولية قانونية عن المواد المنشورة فيه لأنها لا تعبر عن رأي الموقع..

All rights reserved 2026 © Yemeni Windows