الشيخوخة في المغرب واقع ديمغرافي ضاغط
Arab
1 hour ago
share
في وقت يُلقي فيه زحف الشيخوخة بظلاله على المجتمع المغربي، تزداد المطالب بتحديد الآثار الاجتماعية والاقتصادية لهذا الواقع وأساليب التعامل معه، في ظل التحديات الكبيرة التي يخلقها. وأخيراً طالبت الكتلة النيابية لحزب العدالة والتنمية، في رسالة وجهتها إلى رئاسة مجلس النواب، بأن يقيّم المجلس الاقتصادي والاجتماعي والبيئي، وهو هيئة حكومية، وضع الشيخوخة في المغرب وآثارها الاقتصادية والاجتماعية وانعكاساتها على ورش الحماية الاجتماعية، خاصة في ما يتعلق بالتغطية الصحية والمعاشات. وأوردت الرسالة التي وجهت استناداً إلى الفصل 152 من الدستور والمواد 366 و370 من النظام الداخلي لمجلس النواب: "يواجه المغرب تحديات كبيرة ترتبط بالشيخوخة، وتتمثل في الرعاية الصحية والحماية الاجتماعية والبنى التحتية وانعكاساتها الاقتصادية". تابعت: "تعتبر الشيخوخة واحدة من أبرز التحوّلات الاجتماعية في القرن الـ21، وتؤثر في كل قطاعات المجتمع. هناك زيادة في أهمية دعم مساهمة كبار السن في التنمية عبر إدماج قدراتهم في العمل كي يستطيعوا النهوض بأنفسهم ومجتمعاتهم، وذلك عبر تطبيق سياسات وبرامج في مجالات عدة". وكان إحصاء عام أجري عام 2024 قد كشف نتائج مقلقة دقت ناقوس الخطر، وأطلقت تحذيرات من حال البنى المجتمعية المغربية على مستويي البطالة أو الخصوبة أو البنى الديموغرافية التي بدأت تتجه نحو الشيخوخة، والتي تجاوزت نسبتها 13% من عدد السكان، وبالتالي من التأثيرات التي سيحدثها هذا التغيير وانعكاساته على التغطية الاجتماعية والسياسات العمومية الخاصة بالرعاية التي ستضاف على كاهل الدولة. في لغة الأرقام، تجاوز عدد المسنين في المغرب 5 ملايين عام 2024، وزاد في شكل ملحوظ خلال الأعوام الـ10 السابقة، بمعدل أعلى بكثير من إجمالي نمو السكان. وتتوقع مؤسسة المندوبية السامية للتخطيط في المغرب أن يصل عدد كبار السن إلى 6 ملايين نسمة بحلول عام 2030، ويتجاوز 7.5 ملايين بحلول عام 2040، وصولاً إلى 10 ملايين عام 2050، ما يجعلهم يشكلون ربع السكان، ويغيرون التوازنات الديموغرافية، ويخلقون تحديات كبيرة للسياسات العمومية. يقول نائب الكاتب العام للمنظمة الديمقراطية للشغل، محمد النحيلي، لـ"العربي الجديد": أصبحت شيخوخة السكان في المغرب واقعاً ديموغرافياً لا يمكن تجاهله أو الاستمرار في تأجيل نتائجه، بعدما سجلت السنوات الأخيرة ارتفاعاً ملحوظاً في عدد المسنين مقابل تراجع مقلق في معدلات الخصوبة. وليست خطورة هذا التحوّل في الأرقام فقط، بل في عجز السياسات العمومية عن مواكبته بالجدية المطلوبة، ما يجعل كبار سن كثيرين عالقين بين الهشاشة والتهميش وغياب الحماية". يتابع: "يظهر القصور بالدرجة الأولى في التكفل الصحي بأمراض الشيخوخة التي تكون مزمنة ومتعددة غالباً، وتتطلب رعاية مستمرة وطويلة المدى. ورغم أن الحاجة واضحة لا يزال طب الشيخوخة هامشياً داخل المنظومة الصحية، كما أن خدمات العلاج المنزلي والدعم النفسي شبه غائبة، وهكذا يُترك المسن لمواجهة أمراضه داخل منظومة لم تُعدَّ أصلاً للاستجابة لاحتياجاته الخاصة، ويتحوّل إلى عبء فردي بدلاً من اعتباره مسؤولية جماعية تمليها مبادئ العدالة الاجتماعية". ويشير إلى أن "الإشكال البنيوي الأعمق يتمثل في ضعف الحماية الاجتماعية للمسنين، فعدد كبير منهم لا يزالون خارج أي نظام تقاعدي أو تغطية صحية فعّالة بسبب مسارات مهنية هشة أو غير مهيكلة. والأسوأ أن آلاف المتقاعدين الذين يستفيدون من معاشات رسمية يجدون أنفسهم أمام مداخيل هزيلة لا تواكب كلفة العيش، ولا تضمن الحدّ الأدنى من الكرامة". ويسأل: "ما معنى وجود معاش تقاعدي لا يؤمّن شروط العيش الكريم، وكيف يُعقل أن يعيش مسن بمعاش أقل من الحدّ الأدنى للأجور، أو تستنزف الضريبة على الدخل جزءاً منه، رغم أن هذا المعاش ليس امتيازاً، بل أجر مؤجل؟ رفع المعاشات، وجعل حدها الأدنى يتلاءم مع الحد الأدنى للأجور، وإعفاء المعاشات من الضريبة على الدخل، ليست مطالب فئوية أو شعبوية، بل إجراءات اجتماعية عادلة تنسجم مع منطق الدولة الاجتماعية". ويؤكد أن "استمرار التعاطي مع هشاشة المسنين بمنطق الإحسان والمبادرات الموسمية، بدلاً من إصلاح منظومة المعاشات والحماية الاجتماعية، يكرّس الفقر في الشيخوخة، ويحوّل التقاعد إلى مرحلة عقاب اجتماعي، وحين يتحوّل الإحسان، إلى بديل عن السياسات العمومية يصبح أحد أشكال التطبيع مع الفشل، مهما كانت النيات الحسنة". ويلفت إلى أنه "لا يمكن الحديث عن سياسة ناجحة من دون دمج فعلي لفئة الشيوخ داخل المجتمع، ويكشف الواقع استمرار النظر إلى المسن باعتباره عبئاً غير منتج، في ظل غياب سياسات تشجع المشاركة الاجتماعية والعمل المرن ونقل الخبرات بين الأجيال، إضافة إلى ضعف الإدماج الرقمي الذي بات شرطاً أساسياً للوصول إلى الخدمات. ويوازي هذا الإقصاء الاجتماعي الفشل الواضح في تهيئة الفضاءات الحضرية، حيث لا تزال المدن بعيدة عن أن تكون صديقة للمسنين، سواء على صعيد خدمات النقل أو السكن أو الخدمات". ويعتقد النحيلي بأن "الانتقال من الإحسان إلى الحق، ومن الهامش إلى الاندماج، لن يتحقق من دون إرادة سياسية صريحة تسقط التدابير الترقيعية، وترتكز على تقييم رسمي وجريء لآثار شيخوخة السكان، مع وضع استراتيجية وطنية للحماية الاجتماعية ورعاية المسنين تشمل إجراء إصلاح عميق لمنظومة التقاعد والمعاشات، وإخضاع مختلف المعنيين لمساءلة. الشيخوخة ليست عبئاً اجتماعياً بل اختبار حقيقي لمدى نضج الدولة والمجتمع في احترام الكرامة الإنسانية، وبقدر ما نضمن للمسن دخلاً كريماً وعلاجاً منصفاً واندماجاً فعلياً بعيداً عن منطق الإحسان نؤسس لمجتمع أكثر عدالة وتماسكاً لا يُقصي أبناءه حين يتقدمون في العمر".

Related News

( Yemeni Windows) محرك بحث إخباري لا يتحمل أي مسؤولية قانونية عن المواد المنشورة فيه لأنها لا تعبر عن رأي الموقع..

All rights reserved 2026 © Yemeni Windows