Arab
يُجمع أهالي مدينة طرابلس اللبنانية على أن التقصير والحرمان المزمن وغياب الدولة عوامل تقف خلف مأساة انهيار المباني، وتنذر بعواقب وخيمة وسط انعدام الحلول الجذرية لملف المباني القديمة.
"كما الجنوب مدمّر بسبب العدوان الإسرائيلي، كذلك طرابلس مدمّرة نتيجة الإهمال"، بهذه الكلمات يختصر أحد سكان عاصمة شمال لبنان، المشهد في المدينة، عقب انهيار مبنى الرضوان في منطقة القبّة، فجر السبت الماضي، محذّراً من كوارث إضافية فيما لو لم يتحرّك المسؤولون سريعاً لإيجاد حلّ لأزمة المباني القديمة الآيلة للسقوط والتي تحتاج الدعم، وعددها بالمئات.
وكانت طرابلس يوم السبت الماضي على موعد مع كارثة جديدة، ليست الأولى في يناير/كانون الثاني الجاري، وقد لا تكون الأخيرة، في ظلّ الإنذارات الصادرة بالإخلاء لأكثر من 100 مبنى، إذ سُجِّلت أكثر من خمسة حوادث، منها انهيارات كلية أو جزئية، الأمر الذي دفع بعض العائلات إلى ترك منازلها، بينما يخاطر الكثيرون بحياتهم، ويبقون، بسبب عدم قدرتهم على إيجاد مسكن آخر، أو دفع تكاليف الترميم والتدعيم.
"التقصير والإهمال والتسويف وغياب الدولة"، جملة يُجمع عليها أهالي القبة، الذين يئنّون وحيدين نتيجة الحرمان المزمن، وانعدام أبسط الخدمات الأساسية. ولو أنهم يختلفون بعض الشيء بوجهات النظر حيال ملف المباني القديمة، فمنهم من يعتبر أن الدولة مسؤولة بالكامل، بينما يرى آخرون أن على صاحب المُلك صيانة مبناه وترميمه بنفسه، خصوصاً أن السلطات والجهات الرسمية غائبة بشكل كامل.
وجالت "العربي الجديد" يوم الثلاثاء على المبنى المنهار في القبة، حيث كان المواطنون وسكان المبنى، لا يزالون يطّلعون على أعمال فرق الإنقاذ، وينتظرون أي خبر عن الممرضة الشابة أليسار المير، التي عثرت فرق الدفاع المدني اللبناني على جثتها تحت الأنقاض قبل منتصف ليل الثلاثاء - الأربعاء، والتي كان قد توفي والدها، فيما نجا باقي أفراد عائلتها.
وفي الوقت نفسه، كان أهالي المنطقة ينظرون بقلقٍ إلى وضع مبانٍ أخرى تعاني بدورها من خطر السقوط، ويخشون أن يلقوا المصير ذاته، ويصبحوا بدورهم في الشارع أو متروكين بلا أي دعم. وأمام المبنى مباشرة، كان ينام الشاب أحمد فخر الدين، حيث يملك كشكاً صغيراً يبيع فيه العصائر والمياه والنرجيلة، وذلك بعدما كان يسكن مع عائلته في المبنى المنهار، وأخلوه قبل ساعات قليلة على سقوطه. حتى اللحظة لم يتمكن هذا الشاب من نسيان لحظات الانهيار، التي رآها بعينيه.
يُخبر أحمد "العربي الجديد"، أن "الجهات المعنية كشفت على المبنى وأخذت أرقام هواتفنا وصور هوياتنا، وقالت إنها ستبقى على تواصل معنا، وعند السابعة والنصف مساءً، وردنا اتصال يدعونا إلى الإخلاء الفوري، فغادرنا سريعاً من دون أن نتمكن من إخراج أي قطعة ملابس أو غرض"، ويقول: "لا نعرف ما هو مصيرنا، وكيف نتصرّف أو نعيش، أصبحنا مشرّدين، ضائعين، نحن خمسة أشخاص في المنزل، أنا وزوجتي وبيت عمّي، وأنام في الشارع حالياً".
ويروي أحمد لحظات سقوط المبنى، حيث كان أمام الدار، فجراً، وسمع بعض الأصوات. للوهلة الأولى، اعتقد أن هناك قططاً في المكان، لكن ارتفع الصوت، وبدأ يشاهد أجزاءً تنهار، من الداخل ثم الخارج، ويقول: "لم يكن من المفترض أن يسقط في النهار ذاته، المنظر (المشهد) لا يمكن وصفه، شاهدت الأجزاء تنهار، ركضت إلى الخارج، فقدت أعصابي، أنا لم أعد أنا، هكذا أخبرني الجيران والناس، كنت شخصاً ثانياً كلياً".
من جهته، يشير خالد رضوان، أحد سكان المبنى المنهار، إلى أنه غادر وعائلته المنزل بعدما طُلب منهم الاخلاء، علماً أن المبنى كان متضرراً قليلاً ولم تكن التوقعات تشير إلى انهياره. لذلك، لم يأخذوا معهم أي غرض، لا ثياب ولا طعام ولا أي شيء، ويقول: "نتفرج على الأنقاض ونتحسّر، كل شيء بات على الأرض، لكن الله يعوض، والمهم أننا بخير، ونحن نعيش حالياً عند عائلتي"، لافتاً إلى أن "فريق الصليب الأحمر اللبناني تواصل معهم، لكن الجهات الأخرى اكتفت حتى الساعة بأخذ أرقامهم وهوياتهم".
محمد الجمل، ابن المدينة، يتوقف بدوره عند التقصير والإهمال، فلا طرقات ولا خدمات أساسية مؤمّنة للمواطن، والبلدية لا تقوم بدورها كما يجب، لكنه يرى في المقابل، أن الناس تتحمّل المسؤولية بدورها، فهي لا تدفع الرسوم للبلدية، بالإضافة إلى الاكتظاظ الشعبي، ونواب المنطقة غائبون تماماً، وفق تعبيره.
ويعتبر عمر عجم أن الأهالي يجب أن يرمّموا ويساعدوا بعضهم بعضاً لإجراء هذه الأعمال، لا أن ينتظروا زعيماً أو رئيس بلدية أو نائباً. ويتحدث عن الإهمال الطويل للمدينة التي تعبت كثيراً، وعانت من مهالك وقصفٍ وضربٍ ومن النظام السوري السابق. من جهته، يقول محمد عبد الرحمن سعيد إنّه ترك المنطقة نتيجة الخوف من سقوط المبنى، حيث يعيش، آسفاً لغياب أي أحد يعوّض على الأهالي أو يقف إلى جانبهم، إنما تجدهم يتفرجون على الناس وهي تموت تحت الردم. أما عدنان عبد الله (بلبل الثورة) فيقول: "كما الجنوب مدمّر بفعل العدوان، هذه المدينة مدمّرة بفعل الإهمال"، مشيراً إلى أن الناس هنا تموت إما داخل بيوتها أو على أبواب المستشفيات، وتنعدم أبسط الخدمات، من ماء وكهرباء وطرقات وغيره"، مشدداً على أن الوجع كبير، والسلطة تتحمّل مسؤولية ما يحصل منذ خمسين عاماً وحتى اليوم.
وأعادت هذه الكارثة إلى الواجهة قضية المباني الآيلة للسقوط، علماً أنها لا تغيب كثيراً عن المشهد في ظلّ تكرار الحوادث، وسط وعود من المسؤولين بإيجاد حلول لها وترجمتها ميدانياً، أي فعلاً وليس قولاً فقط. وفي متابعة لهذا الموضوع، يقول رئيس بلدية طرابلس عبد الحميد كريمة لـ"العربي الجديد"، إنّه بناءً على مسح قديم، هناك 105 مبان آيلة للسقوط، وبأي لحظة، وهذه المباني تحتاج إلى تدخل مباشر، وقد صدرت إنذارات بإخلائها، لكن عدد المباني التي أُخليت حتى الساعة لم يتجاوز الستّة في منطقتي القبة وضهر المغر، هذا إلى جانب 600 مبنى بحاجة إلى تدخل من حيث الصيانة والترميم، ومعدل المبنى يسكن فيه تقريباً بين ست إلى عشر عائلات، لافتاً إلى أن غالبية هذه المباني هي في مناطق طرابلس القديمة، أي القبة، باب التبانة، ضهر المغر والزاهرية، مشيراً إلى أننا "بصدد إنشاء وحدة طوارئ في البلدية من أجل متابعة الملف بكل جدية ومسؤولية".
ويشير كريمة إلى أن المبنى الذي سقط كان تعيش فيه 11 عائلة، وجرى إخلاؤه، بعدما تبلغنا بضرورة حصول ذلك قبل 24 ساعة، لكن هناك عائلة بقيت رغم طلبنا، وكنا بالتالي في صراع مع الزمن. ويوضح أن "الأزمة عمرها خمسون عاماً، وهذا المبنى ليس الأول الذي ينهار، ودائماً ما كانت تُوضع خطط من دون متابعتها عملياً وزمنياً. واليوم وحّدنا الداتا (البيانات) مع الجيش اللبناني، بينما تُجري فرق الصليب الأحمر كشفاً ميدانياً للمنطقة". ويتابع كريمة: "بالحديث عن الواقع الإنشائي والاجتماعي، فقد جرى تكليف مهندسين من قبل النقابة لإعداد دراسة كاملة للملف. وتبعاً لذلك، سيجري إخلاء كل مبنى ينبغي إخلاؤه، على أن تُنقل العائلات إما إلى المعهد الفندقي في منطقة المينا، أو إلى بيوت جاهزة تعمل الهيئة العليا للإغاثة على تحضيرها، بينما تبدأ الهيئة في أعمال الدعم، بناءً على الأموال التي وعد بتحويلها رئيس الحكومة نواف سلام، لتعود الناس بعد ذلك إلى منازلها، هذا هو الحل الأنسب والأسرع وسط هذه الظروف".
ويلفت كريمة إلى أن الوضع دقيق، فإذا حصلت هزة بقوة أربع درجات مثلاً، سيسقط عدد من المباني. ويضيف: "أما المشاكل فهي عديدة، منها مثلاً في ضهر المغر، على مستوى المباني القديمة والمتصدعة والمخالفات والبنى التحتية، حيث المياه تحت المباني، وقد طلبنا معالجة هذه المشكلة أيضاً، وتكليف مجلس الإنماء والإعمار بإجراء دراسة جديدة وتنفيذ شبكة جديدة للمنطقة من أجل صمود الأبنية الموجودة لوقت أطول".
العثور على جثة اليسار تحت الأنقاض في القبة – طرابلسhttps://t.co/tT2BF4CUZd pic.twitter.com/rDIzzkkP5C
— الدفاع المدني اللبناني (@CivilDefenseLB) January 27, 2026
وينبّه رئيس بلدية طرابلس إلى مشكلة في غاية الأهمية، لا يتحدث عنها أحد، وهي الملاجئ التي تملؤها المياه، ففي باب التبانة مثلاً هناك أكثر من 72 عقاراً، وكذلك في القبة وغيرها، ما يهدّد الأساسات ويستدعي التدخل لمعالجتها وشفط المياه. ويؤكد أن كلفة الترميم والتدعيم بحسب القانون على نفقة المالك، لكن غالبية المباني هي عبارة عن إيجارات قديمة، فمن ناحية المالك لا يقبض أموالاً كثيرة، وبالتالي لا يقوم بالترميم، في حين أن المستأجر بدوره يدفع مبلغاً قليلاً جداً، ولا يملك المال للترميم، هذا إضافة إلى الحروب التي شهدتها المنطقة، وغياب الدولة، والحجم الكبير من المخالفات.
ويوضح كريمة أن البلدية تتمتّع بصلاحية التدخل بحالة استثنائية، كون الملف مهملاً، وذلك في حال كانت تملك الأموال الكافية، لتدعم العقار وتضعه بمثابة "دَيْن ممتاز" على صاحب المُلك، لكن بسبب انهيار العملة اللبنانية تعجز البلدية عن القيام بذلك. ويتابع: "طلبنا عشرة ملايين دولار أميركي من الحكومة اللبنانية لصالح الهيئة العليا للإغاثة من أجل تدعيم العقار، ووضعه دَيناً ممتازاً على صاحبه، وبهذا نكون قد خطونا خطوة أولى في المعالجة، علماً أن المطلوب إقامة مشروع سكني كبير لطرابلس لأن هناك مباني تقع في مناطق غير مؤهلة للسكن".
من جهته، يقول رياض الأيوبي، وهو عامل ضمن فريق مرصد السكن لمتابعة بلاغات الإخلاء والمخاطر الإنشائية في طرابلس لـ"العربي الجديد": "إنّ المسؤولية بالأوضاع الطبيعية تقع على المالك من حيث الترميم، بينما على البلدية مهمة الإشراف والموافقة وإعطاء الرخص، لكن عندما لا تعود القضية مرتبطة بمالك أو مبنى معيّن، وتصبح حالة عامة مرتبطة بالسلامة العامة، وعندما يكون المالك عاجزاً عن تكبّد كلفة الترميم أو مُمتنعاً عنها خلال مدة أقلها 15 يوماً إلى شهرين، فمن صلاحية البلدية في هذه الحالة التحرّك لترميم المبنى، ووضع التكاليف على عاتق المالك، كنوع من الدَّين، لكن البلدية دائماً ما تتذرّع إما بمنطق المُلكية الخاصة أو بعدم وجود المال لديها".
ويشير إلى أن "هناك ثلاثة مسارات متشابكة للانهيارات التي تحصل؛ أولاً، ترك آلاف المباني القديمة خارج أي فحص دوري، ثانياً، الشروط التعجيزية التي تحيط بالترميم، والبديل لا يرد في أي بند، فيتحوّل السكن إلى إقامة على حافة الاحتمال، وثالثاً، سياسة التسويف والتأجيل، فكل شيء مؤجّل مثل المسح الشامل للأبنية المهددة، وإنجاز المراسيم التطبيقية، وتمويل صناديق الترميم، وغيرها".
ويلفت الأيوبي إلى أن المطلوب اليوم وضع خطة مسح شامل في طرابلس، على أن تكون قاعدة البيانات عامة لا محصورة فقط داخل الإدارة، وإرساء مسار عام ودائم للترميم والتدعيم، وإعادة تعريف السكن البديل، أي الانتقال من مبدأ تأمين غرفة مؤقتة أو بدل إيجار زهيد إلى الحق في سكن لائق ومستقر، مع ضمانات مكتوبة بحق العودة إلى مبانٍ مرمّمة فعلياً أو بدائل لا تقلّ عنها أماناً، مع ضرورة إجراء تعديل جدّي لمراسيم السلامة العامة وقوانين البناء.

Related News
جدول مباريات اليوم الخميس 29 يناير 2026 والقنوات الناقلة
al-ain
29 minutes ago