وكالة إنفاذ الهجرة... قوة تقتل أميركيين بـ"مباركة" ترامب
Arab
14 hours ago
share
تكشف الانتهاكات الأخيرة بحق المهاجرين بمدينة مينيابوليس الأميركية، أن ترامب يدير البلاد بإثارة الخوف والترويع، وسط تقاعس الديمقراطيين وحكام الولايات عن استخدام سلطتهم وصلاحياتهم الدستورية. عقب أحداث 11 سبتمبر/أيلول 2001، أعادت وزارة الأمن الداخلي الأميركية تنظيم هيئاتها لإعادة تشكيل الأمن القومي، فدمجت مصلحة الجمارك في دائرة الهجرة والتجنيس، لتؤسس ما يُطلق عليه حالياً وكالة إنفاذ قوانين الهجرة والجمارك (ICE)، وكلّفت الوكالة بهدف رئيسي، وهو منع الأنشطة الإرهابية، عبر استهداف الأشخاص والأموال والمواد التي قد تدعم المنظمات الإرهابية. كما أُسست إدارة الجمارك وحماية الحدود الأميركية (CBP) للتركيز على الحدود والمنافذ الرسمية، غير أنه بعد ربع قرن تورّط الجهازان علناً في يناير/كانون الثاني الجاري أمام الكاميرات في قتل مواطنَين أميركيين من ذوي البشرة البيضاء، وهما رينيه غود وأليكس بريتي، بدلاً من تطبيق القوانين لحمايتهما، والسبب كما بات معروفاً هو مبادرة إدارة الرئيس دونالد ترامب إلى إطلاق يد وكالة إنفاذ قوانين الهجرة والجمارك في الشوارع. تاريخياً، تورّطت الشرطة الأميركية في جرائم اعتداء أو قتل مواطنين أميركيين، لكنّهم في معظم الحالات كانوا من ذوي البشرة السوداء، بما يتناغم مع تاريخ أميركي معقد لم يتخلص من إرث العنصرية الثقيل. ففي تسعينيات القرن الماضي، اعتدى أربعة عناصر من شرطة لوس أنجليس بولاية كاليفورنيا، على المواطن الأسود رودني كينغ، بسبع ركلات وأربع صعقات بمسدس الصعق الكهربائي و56 ضربة بهراوات الشرطة. ولولا أن شخصاً التقط فيديو للواقعة، لما كانت محل انتباه الرأي العام مثل عشرات الحالات، غير أن المحكمة برّأت المتّهمين كما يحدث في معظم حالات اعتداءات الشرطة على المواطنين، ما أدى حينها لاندلاع أحداث شغب وإحراق ممتلكات كلّفت المدينة أكثر من مليار دولار، وفق الأسعار التي كانت سائدة في عام 1992. آخر هذه الحوادث وقعت عام 2020 إذ جرى الاعتداء على المواطن الأسود جورج فلويد. ولم يُدن ترامب حينها (كان رئيساً في ولايته الأولى) عملية قتله التي وصفها بـ"القتل الهمجي" إلا بعد أيام، لكنه رفض ما سمّاه "الإرهاب المحلي" والعنف والشغب، وحمّل اليسار وحركة "أنتيفا" المسؤولية. لم تتورط دائرة الهجرة والتجنيس (1933 حتى 2003) ولا امتداداتها (وكالة الهجرة، وحماية الحدود) في قتل مواطنين أميركيين علناً في الشوارع بذريعة تطبيق القانون، وذلك طبقاً لمهمتها الأولى المتعلقة بتطبيق قوانين الهجرة داخل البلاد وخارجها من أجل حماية الأميركيين والتحقيق في أنشطة العصابات والمنظمات الإجرامية العابرة للحدود، والعناصر الإرهابية وإصدار قضايا جنائية ضدهم، إضافة إلى ترحيل الأشخاص الذين صدرت بحقهم أحكام جنائية. ومع بدء موجات الهجرة عبر الحدود من دون أوراق ثبوتية في ستينيات القرن الماضي، لم يكن حضور دائرة الهجرة في الشوارع كبيراً، بل اقتصر عملها طيلة ستّة عقود على مهماتٍ محدودة للقبض على أشخاص محددين صدرت ضدهم أحكام جنائية، علماً أنها كانت تمارس مهامها عبر مساحة حدود شاسعة يتوافد منها سنوياً مئات الآلاف، بل الملايين أحياناً، أي إن إدارة الهجرة، تقنياً، لم تكن تمارس مهام الشرطة على المواطنين الأميركيين، إنّما ضد المخالفين المقيمين من دون أوراق ثبوتية. وبحسب تقديرات الحكومة الأميركية، يقيم في الولايات المتحدة ما بين 11 و12 مليون شخص من دون أوراق ثبوتية، حيث يعملون في مطابخ المطاعم، وأعمال البناء والصيانة، والطرق، وورش السيارات، وتوصيل الطعام، وهي أعمال لا ترتبط بشكل كبير بالمواطن الأبيض. وكان من النادر رؤية وكالة إنفاذ قوانين الهجرة والجمارك في هذه الأماكن أو خارجها، إلا على فترات بعيدة للقبض على مجرمين صدرت بحقهم أوامر ترحيل. وخلال ولايته الرئاسية الأولى (2017 -2021)، رفع ترامب شعار "القانون والنظام"، وخفّض تمويل إدارة الهجرة باعتبار أنها يجب أن تكون مصدراً وليس عبئاً على الميزانية العامة. وفي ولايته الثانية، انتُخب ترامب بناءً على أجندة تعتبر المقيمين من دون أوراق ثبوتية عبئاً، وتسعى لطردهم خارج البلاد. ومنذ يناير الماضي، شَيطن ترامب لاتينيين وأفارقة وعرباً، ووصفهم بالمجرمين والقتلة وتجار المخدرات والعصابات، ورفع شعار مواجهة "الإرهاب المحلي" عالياً، وذكر أن البلاد تعاني من "حرب في الداخل"، وأن الجيش سيشارك فيها. وصوّر ترامب الهجرة في حد ذاتها "جريمة"، مشيراً إلى أن المهاجرين من دول عدة "يأكلون القطط والكلاب"، قاصداً بذلك مهاجري هايتي، ووصف بعضهم الآخر بأنهم أفراد عصابات وقتلة ومجرمون، قاصداً بذلك المهاجرين من أفريقيا وأميركا اللاتينية. ومنذ الأيام الأولى لشهر فبراير/شباط 2025، اعتاد الأميركيون رؤية قوات إنفاذ قوانين الهجرة وعناصر الحرس في الأحياء الفقيرة والملوّنة، وفي المطاعم والمستشفيات وأماكن التسوق والجامعات، وما يُطلق عليه "الملاذات الآمنة" للمهاجرين، وهي مدن ديمقراطية في الغالب، لا تسمح قوانينها بتعاون الشرطة مع قوات إنفاذ قوانين الهجرة، غير أنّ ترامب سلّح الأخيرة بأوامره التنفيذية، إلى جانب القوات الفيدرالية، ومكتب التحقيقات الفيدرالي، والحرس الوطني، وقوات الجيش في بعض الحالات، وكان الهدف وفق قوله "تطهير المدن من المهاجرين المجرمين"، لكنّ الحملة امتدت لتشمل مقيمين داخل البلاد بأوراق ثبوتية، ومقيمين غير متورطين في أي جرائم تحت ضغط الإدارة للوصول إلى هدف ترحيل مليون شخص سنوياً. أما المحكمة العليا بتشكيلتها المحافظة التي عيّن ترامب ثلاثة من أصل تسعة من قضاتها، فقد سمحت بإيقاف الأشخاص بناءً على لونهم وهويتهم وعرقهم ولغتهم. وزادت حدّة الاستقطاب والانقسام المجتمعي مع وجود رئيس يدعو إلى طرد مواطنين يحملون الجنسية، ويعلن خططاً لتجريدهم من مواطنتهم ولإلغاء بطاقة الإقامة الدائمة، مع تأييد جمهوري في الكونغرس لهذه الإجراءات، وعدم قدرة على اتخاذ قرارات لمواجهة استيلاء السلطة التنفيذية على السلطات التشريعية. وفيات داخل مراكز الاحتجاز وعلى مدى عام كامل، لم تكن الظروف الإنسانية مواتية في مراكز الاحتجاز، فقد أشارت المنظمة الحقوقية "مكتب واشنطن لشؤون أميركا اللاتينية" إلى أن مراكز الاحتجاز شهدت وفاة نحو 30 شخصاً عام 2025، وستّة آخرين حتى الآن في عام 2026، لافتة إلى وجود نقص في الغذاء وتراجع كبير في الرقابة وفي الخدمة الطبية المقدمة، ما يؤدي إلى وفيات بسبب الإهمال الطبي والتجاهل. وأشار تقرير لصحيفة واشنطن بوست إلى أن التشريح الطبي لوفاة أحد المحتجزين أظهر أنه تعرض للقتل داخل أحد مراكز الاحتجاز، وأن سبب الوفاة "الاختناق نتيجة ضغط على الرقبة والجذع"، وذلك بعدما كانت إدارة الهجرة أعلنت أنه "انتحر". لكن ما يدور أمام الكاميرات، ليس كما يدور خلف الأسوار، ففي يناير الجاري، تسبّبت الصلاحيات الممنوحة بلا قيود لقوات إنفاذ قوانين الهجرة في إقدام ضباط فيدراليين على قتل المواطنَين الأميركيين رينيه غود وأليكس بريتي، على مرأى من الناس وفي الشوارع، وهم يرفعون كاميراتهم في مدينة مينيابوليس التي يستهدفها ترامب، في إطار استهدافه الجالية الصومالية المقيمة فيها، ووصفه لهم بالمجرمين والقتلة ودعوته لترحيلهم. ومنذ هذه الواقعة، تحولت مينيابوليس بولاية مينيسوتا إلى مدينة للشغب والعنف يتصاعد منها الدخان يومياً، في ظل تظاهرات ضخمة اندلعت في الولاية، وانتشرت في عدد كبير من الولايات الأخرى، للمطالبة بتحقيق عادل. من جانبه، يرى المحلل السياسي الأميركي، إيرك هام، أن السبب الأساسي للأزمة الراهنة في البلاد يرتبط بحكام الولايات الديمقراطيين الذين يخشون مواجهة ترامب، ما يعني أن الرئيس يدير البلاد بالخوف، وهم يستجيبون لهذا الخوف. ويقول في حديث خاص لـ"العربي الجديد": "إنّ ما تقوم به إدارة الهجرة مجرد تصعيد آخر في جهود ترامب لتحريف تطبيق القانون، حيث إن المواطنين الذين ادّعى الرئيس أنه يحميهم، صاروا الآن بحاجة إلى حمايتهم من ارتكابات الرئيس وجنوده. ونشهد بشكل متصاعد أن الدستور يُلقى جانباً، والقوانين تُنتهك بشكل صارخ". وإذ يوجّه إيرك انتقادات حادة لحاكم الولاية، تيم والز، والمسؤولين الديمقراطيين لعدم اتخاذهم موقفاً لمواجهة هذه الانتهاكات بحق المواطنين، يشير إلى أن "الولاية التي لديها إمكانية تطبيق القوانين لحماية مواطنيها تستمر في السماح بحدوث الانتهاكات". ويرى أنه لا يجب التعامل مع إدارة ترامب بطريقة "من فضلك لا تتجاهل القانون"، متسائلاً: "كيف يطلبون ذلك ممّن ينتهك القانون مراراً وتكراراً؟".  ويؤكد إيرك أن "الحكام والمدّعين العامين وعمداء المدن يبدو أنّهم غير مستعدين لمواجهة الرئيس"، ويوضح أن لدى المسؤولين المحليين في ولاية مينيسوتا أدوات لمواجهة الانتهاكات والأساليب غير القانونية التي يمارسها المسؤولون والضباط الفيدراليون، لكنّ حاكم الولاية تيم والز وعمدة مدينة مينيابوليس جاكوب فراي، يتخوّفان من استخدامها. ويضيف: "إما أن يُطبّقا هذه القوانين ويستعدّا لاعتقال عناصر الهجرة والجمارك لارتكابهم المخالفات، أو أنّهما عديما الفائدة مثل أدائهما اليومي أمام الكاميرات". ويتابع إيرك: "إنّهما يخشيان التصعيد والمواجهة، باعتبار أن نشر شرطة الولاية وضباط الشرطة المحليين ومواجهتهم الفوضى التي تتسبب بها إدارة الهجرة والجمارك، سيفاقم الأوضاع الأمنية"، مؤكداً أنه "في ظل سياسات إدارة الولاية والمدينة التي تخشى استخدام سلطتها الدستورية وصلاحياتها، فإنّ الوضع سيزداد سوءاً". ويقول إيرك: "طالما أن الرئيس يواصل الإملاء وإخبار الناس بما هو القانون، ويستمر في تهديد الشعب الأميركي بقوانين التمرد والجيش فهو يقرر ما هو القانون، بينما لا نجد أي حاكم ولاية يستخدم صلاحياته وسلطته المستقلة، إنما يُبقون جميعاً على الوضع الراهن، خوفاً من المواجهة والتصعيد ومن إرسال ترامب تعزيزات إضافية من عناصر الجيش". مع العلم أنّ كل حاكم وعمدة ومدّعٍ عام يسيطر على أجهزة رئيسية لإنفاذ القانون، وفي حال تطبيقها سنشهد اعتقال مسؤولي إدارة الهجرة الذين يكسرون القانون المحلي في المدن والولايات الأميركية. ويشدد المحلل السياسي الأميركي على أن "ترامب أظهر استعداده للقيام بمزيد من الانتهاكات الدستورية، ما يعني مزيداً من الوفيات بين صفوف المواطنين. وفي حال لم يبادر الحكام والمسؤولون إلى النضال من أجل الحفاظ على الدستور والنظام، فإنّ ترامب هو من سيُحدد ما النظام، كونه يملك القوة والسلاح". ويحذّر إيرك من أنّ "الوضع الراهن سيؤدي إلى حمل بعض المواطنين السلاح".

Related News

( Yemeni Windows) محرك بحث إخباري لا يتحمل أي مسؤولية قانونية عن المواد المنشورة فيه لأنها لا تعبر عن رأي الموقع..

All rights reserved 2026 © Yemeni Windows