“لقمة جدتي”:مشروع نسائي صغير في مواجهة الفقر
Reports and Analysis
7 hours ago
share

في أحد أرياف محافظة إب وسط اليمن، حيث يختلط عبق الطين برائحة الحطب، تقف الأم صابرين في مطبخ متواضع وهي تصنع من معجناتها التقليدية حكاية صبر لا تروى بالكلمات، حيث تحول صعوبات الحياة إلى أرغفة دافئة بنكهات تعيد للذاكرة مذاق الزمن الجميل.

تعيل صابرين أسرة مكوّنة من 11 فردا، (ست خوات يتيمات الأب، وزوجها وأمها وثلاثة من أطفالها)وتخوض يوميا رحلة كفاح صامتة لتوفير لقمة العيش لأطفالها، مثبتة أن القوة قد تسكن قلب امرأة تقف وحدها في مواجهة مشاق الحياة، لتمنح أسرتها ما استطاعت من أمل وخبز ودفء.

في زاوية مطبخها بمنطقة القاعدة، تعمل صابرين بعزيمة لا تخطئها العين ضمن مشروعها الصغير الذي أطلقت عليه اسم «لقمة جدتي»، تعجن الفطائر بنكهة زمان، وتستعيد وصفات الجدات لتطعم بها حاضر أبنائها وتصنع لهم مستقبلا أكثر أمانا.


مواضيع مقترحة


نافذة أمل

تقول صابرين إن مشروعها لم يكن مجرد مصدر رزق، بل نافذة أمل فُتحت في وجه ظروف قاسية، لتصوغ من بين يديها قصة كفاح امرأة تصنع قوت يوم أطفالها بيد مغموسة بالصبر، وأخرى تمسح تعب السنين.

تضيف لـ”ريف اليمن”، أن لم الطريق لم يكن سهلا غير أن الإصرار كان كفيلا بتغيير الواقع، وتحويل المحنة إلى قصة نجاح، وبعد أن كانت الطلبيات تقتصر على مدينة إب، توسع مشروعها ليصل إلى صنعاء وعدن وتعز والضالع، في مؤشر على نجاح الفكرة وثقة الناس بجودة المنتج.

تعد صابرين في مطبخها أصنافا متنوعة من المخبوزات والأكلات الشعبية، من بينها كعك زمان، وكعك مخصص لمرضى السكري والدايت، واللباء، وبنت الصحن، وخبز الشعير والقمح البلدي، وفطائر الذرة والدخن، إلى جانب الطبخات الشعبية وتجهيز الوجبات للحفلات والأعراس، مستندة إلى وصفات تقليدية تعكس هوية المطبخ اليمني الأصيل.

تواصل حديثها وتقول:” وسط الأزمة التي نعيشها منذ عشر سنوات، بسبب الصراع وتوقف الأعمال وانقطاع الرواتب، لم يكن أمامي خيار سوى الاعتماد على نفسي، خطرت لي فكرة البدء بمشروع بسيط أستطيع من خلاله إعالة أسرتي ومواجهة صعوبات الحياة”.

توضح أن فكرة مشروع “لقمة جدتي” بدأت من مطبخ صغير، عندما كانت تعد الفطائر لأطفالها على طريقة جدّتها، ولاحظت أن كثيرين يشتاقون لنكهة زمان، للطعم البسيط والأصيل الذي كبروا عليه.

“مع الظروف الصعبة، قررت ألا أستسلم، بدأت من أبسط ما أملك، مهارتي في إعداد الفطائر، وحولت الوصفة التراثية إلى مشروع يضمن لي دخلا يعينني على تربية أطفالي بكرامة، اليوم كل فطيرة أعدها هي خطوة جديدة نحو مستقبل أفضل لهم”، تتابع حديثها.

صعوبات وإصرار

تشير صابرين إلى أن من أبرز التحديات التي واجهتها كانت الانتقادات المحبطة، سواء من بعض الأقارب أو الصديقات، تحت مسمى الأعراف والتقاليد، أو التشكيك في جدوى المشروع، باعتبار أن النساء يصنعن هذه الأكلات في بيوتهن ولا يمكن أن تباع مقابل المال.

وتستدرك قائلة:”قاومت كل الانتقادات، وبدأت بصنع بنت الصحن كأول منتج، وعرضته على منصات التواصل الاجتماعي تحت اسم لقمة جدتي، توسعت بعدها، وأضفت أصنافا جديدة، خصوصا الفطائر التقليدية لأيام زمان، مثل فطائر الذرة الرفيعة والشامية والدخن، والكعك الصحي لمرضى السكري والدايت، والأكلات الشعبية التي تذكر الناس بزمن الجدّات، وقد لاقت إقبالا كبيرا”.

وتوضح أنها قبل فكرة المشروع عملت في عدة أعمال لإعالة أسرتها، لكنها لم تكن كافية لتغطية أبسط الاحتياجات، ما دفعها للتفكير بإنشاء مشروعها الخاص.

وبشأن وسائل إنجاح المشروع، تقول صابرين، الحاصلة على شهادة الثانوية العامة، إنها التحقت بدورات في إدارة الأعمال والمحاسبة، من أجل تطوير مشروعها وما الخطوات التي ينبغي أن تسلكها لإنجاح المشروع بطريقة صحيحة.

تؤكد أن الترويج عبر منصات التواصل الاجتماعي، والاستعانة بعدد من المؤثرين والمشاهير في اليمن، كان له دور بارز في انتشار مشروعها ودعمه، كما تشير إلى أن أول المشجعين لها كانت والدتها وصديقتيها الدكتورة ريم وأم خالد، مضيفة:”كانت أمي سندي الأول، شجعتني ورفعت معنوياتي في وجه كل المثبطين”.

وتضيف:”بدأت مشروعي من الصفر وبإمكانات بسيطة، ولا يزال قائما من داخل البيت، لا أملك مطعما ولا مخبزًا، أعمل وأكدّ، وما أحصل عليه من دخل أشتري به أدوات ومواد جديدة، والتغيير بات ملحوظًا والحمد لله”.

وعن خططها المستقبلية، تؤكد صابرين أن لديها طموحات لتطوير المشروع وتوسيعه، موجهة رسالة لكل امرأة قائلة:”أنصح كل امرأة تفكر بمشروع خاص بها ألا تستسلم أبدا، تتجاوز الانتقادات، ولا تعير السلبية اهتماما ما دامت مؤمنة بفكرتها، تمضي للأمام، تطور مشروعها، ولا تلتفت للخلف حتى تصل إلى القمة النجاح”.

مواجهة الفقر

في السياق ذاته، يقول الصحفي الاقتصادي وفيق صالح إن المبادرات الفردية التي تقودها النساء في اليمن باتت تمثل رافدًا مهمًا للاقتصاد المحلي، خصوصًا في ظل التحديات المعيشية التي تمر بها البلاد منذ نحو عشر سنوات.

ويؤكد صالح، في حديثه لـ “ريف اليمن”، أن المشاريع النسائية الصغيرة أصبحت وسيلة فعالة لتقليل الفقر، وتعزيز قدرة الأسر على الصمود أمام تدهور الدخل وارتفاع الأسعار.

ويرى أن الواقع الاقتصادي الصعب يفرض على النساء جملة من التحديات عند تأسيس مشاريعهن، أبرزها محدودية التمويل، وضعف الدعم المؤسسي، وارتفاع تكاليف المواد الأولية، ومع ذلك، اعتبر أن إصرار المرأة اليمنية وقدرتها على إدارة المشروع بموارد بسيطة يمثل عامل قوة يمكن البناء عليه.

وفي أحدث تقرير أممي أكد برنامج الأغذية العالمي أن الوضع في اليمن ما يزال شديد الهشاشة، موضحًا أن تراجع التمويل الإنساني خلال العامين الماضيين أدى إلى تقليص برامج الغذاء والتغذية، مما رفع مخاطر سوء التغذية ودفع مزيدًا من الأسر إلى مستويات الجوع الحاد.

وأوضح التقرير الصادر لعام 2025 أن اليمن لا يزال من بين الدول الأكثر تضررا من الجوع الحاد عالميا، نتيجة استمرار تأثيرات الصراع، وتدهور الاقتصاد، والصدمات المناخية التي أثرت على الأمن الغذائي، لافتا إلى أن أكثر من 80% من السكان، البالغ عددهم 35.6 مليون نسمة، يعتمدون على المساعدات الغذائية، في مشهد يعكس عمق الأزمة الإنسانية.

Related News

( Yemeni Windows) محرك بحث إخباري لا يتحمل أي مسؤولية قانونية عن المواد المنشورة فيه لأنها لا تعبر عن رأي الموقع..

All rights reserved 2026 © Yemeni Windows