Arab
وُلد دون كيخوتة في إسبانيا العصر الذهبي، وهاملت في إنكلترا الإليزابيثية، وفاوست في ألمانيا الرومانسية، وإيما بوفاري وآنا كارينينا في فرنسا وروسيا القرن التاسع عشر... لكنّهم تجاوزوا شروطَهم الزمنية، ووجودَهم كائناتٍ ورقيةً، ليتحوّلوا إلى مرايا دائمة الحضور لحيواتنا، ونماذج نطالع من خلالها رغباتنا وأخطاءنا، خضوعنا وتمرّدنا. لقد نجا أولئك الأبطال من زوال عوالمهم الأصلية، لأن الأدب منحهم قدرةَ تجسيد صراعاتٍ لا يمحوها الزمن. فثمة ما يجمع بين دون كيخوتة، فارس لا مانتشا المنهك، وإيما بوفاري، البرجوازية الريفية الأسيرة في زواجها. وقد عاشا على مسافة قرون وفي أقصى نقيض أحدهما الآخر، تجمعهما نواةٌ مأساويةٌُ واحدةٌ تشكّلها تلك الفجوة الهائلة، القاتلة، بين خيالٍ مشبع بالقصص والخيالات، وواقع مغرق في عاديّته ورماديته. الأول تشبّع بروايات الفروسية، والثانية غرقت في الروايات الرومانسية، والاثنان سقطا وهما يحاولان لصق الخيال في وجه الواقع علّه يتبدّل.
أما آنا كارينينا، الأخت المأساوية لإيما، فقد صعّدت هذا الصراع بين الرغبة والنظام الاجتماعي، جاعلةً من الجسد الأنثوي موضع التقاء الحبّ والخطيئة، الخير والشر معاً. آنا، المتزوجة والمندمجة في المجتمع الأرستقراطي الروسي، تختار الشغف رغم ثمنه الباهظ: إقصاءً وعاراً وتدميراً. حتى إن الرواية تكشف عنفاً أعمقَ من خلال إظهارها الطريقة التي يسحق بها مجتمعٌ برجوازي وأرستقراطي تطلّعات النساء المأسورات في دور واحد. وما دامت آلياتُ ضبط الرغبة (الزوجية والدينية والاقتصادية) قائمةً، فسوف تبقى آنا وإيمّا حيّتين في الذاكرة لأنهما تجسّدان تجربة من تريد أن تعيش على غير ما قرّره لها العالم.
مع هاملت وفاوست، ينتقل الصراع إلى مناطق المعرفة والوعي والسلطة. هاملت، الأمير الكئيب، يعرف أكثر ممّا ينبغي، يحلّل ويفكّك ويشكّك، حتى يُشلّ بفعل بصيرته تلك. بطؤه ليس جبناً، إنه فائض وعي؛ ذاتٌ ترى في كل مسألة أوجهاً عدة، بحيث لا يبدو أيُّ فعل محقّاً أو مشروعاً تماماً. لا تزال صورته تغذّي المسرح والسينما والفلسفة وحتى الطبّ النفسي، لأنها تضع كلمات على محنة من يتأخّر عن إيقاع العالم بفعل فائض التفكير. وعلى النقيض منه، يرتمي فاوست في الفعل، غير مكتفٍ بالمعرفة، يبيع روحه لقاء تجربة كلية للعالم، وقوة تكسر الحدود المألوفة للإنساني. هو أيضاً، من جهته، صار الاسم العلم لـ"عقد فاوستي" يرد ذكرُه كلّما حدث تنازلٌ مريب أمام السلطة أو العلم أو المال، على حساب الكرامة أو الضمير.
لكن، لماذا يبدو لنا أبطال الأمس أقرب من بعض شخصيات اليوم؟ ربما لأن الأسئلة التي طرحوها نجت من سياقاتها الآنية: التباعد بين رغباتنا والأدوار المفروضة علينا، عنف المؤسّسات، دوّار حرية لا تعرف ماذا تفعل بنفسها، وإغراء بيع الروح من أجل السلطة. في كل عصر، تُشحَن هذه الشخصيات بدلالات جديدة، فتُقرأ إيما وآنا عبر الدراسات النسوية، وجان فالجان الذي سُجن لسرقته رغيف خبز يسدّ جوعه عبر نقد الأنظمة العقابية، وفاوست عبر أسئلة العلم – التقنيات، وهاملت عبر تحليلات أزمة الفعل.
ثم إنها شخصيات بالغة المرونة، تحتمل قراءات متناقضة من دون أن تفقد مصداقيتها، بدليل استمرارية حضورها بفعل إعادة الكتابة والاقتباس. فكل استعادة هي فرصة جديدة لتحديثها، لإسكانها ديكورات جديدة وأزمنة أخرى، وإدخالها أنظمة صور مختلفة. لقد صارت تلك الشخصيات، بشكل ما، حوافز تفكير تتنقّل من عمل إلى آخر، ومن لغة إلى لغة. ليس مستغرباً، إذاً، أن يبدو هؤلاء الأبطال معاصرين على نحو غريب؛ هم الذين ما فتئوا يزوّدوننا بوجوه متنوّعة لتناقضاتنا الراهنة وصراعاتنا الأزلية.
دون كيخوتة وبوفاري وشهرزاد وهاملت وفاوست وآنا وجان فالجان، وسواهم من أبطال لا يموتون، يُظهرون لنا، في أزياء قديمة، ما نواصل أن نكون عليه: كائناتٍ تبحث عن الخلاص. وطالما شكّلت هذه الصراعات حياتنا، فستبقى أطيافهم تظهر في المرايا التي يواجهنا الأدب بها.

Related News
إيران تعدم شخصاً بتهمة التخابر لصالح إسرائيل
aawsat
7 minutes ago
من أسرة واحدة.. مصرع 4 أطفال في حريق مأساوي بالعراق
al-ain
15 minutes ago