دونالد ترامب والشعبويون في أوروبا: ابتعاد تفرضه تقلبات واشنطن
Arab
2 days ago
share
في 8 فبراير/شباط 2025، أي بعد حوالى ثلاثة أسابيع على عودة دونالد ترامب إلى البيت الأبيض في ولاية رئاسية ثانية، اجتمع زعماء وممثلون عن اليمين المتطرّف الأوروبي في العاصمة الإسبانية مدريد، تحت شعار "لنجعل أوروبا عظيمة مجدداً"، مستمدين زخمهم من عودة ترامب القوية إلى الرئاسة حاصداً مزيداً من الشعبية داخل الولايات المتحدة، وموسعاً تياره "ماغا" (لنجعل أميركا عظيمة مجدداً)، وكذلك من التقدم الذي حقّقه التيار اليميني الشعبوي في انتخابات الاتحاد الأوروبي عام 2024. لكن، بعد حوالى عام من ذلك، يبدو أن النفور والقلق والابتعاد الذي بات يطغى على العلاقة بين الحلفاء الأوروبيين التقليديين وواشنطن، على خلفية أزمات عدة، أصبح يسري على اليمين المتطرف الأوروبي الذي كان خصّه ترامب وفريقه بالدعم. فرغم تشارك الطرفين الكراهية للمهاجرين، إلّا أن إدارة ترامب للسياسة الخارجية الأميركية بمنطق ينتهك سيادة الدول ويهدّد حدودها، يرى فيها اليمين المتطرف تناقضاً مع الأيديولوجية التي تحكم توجهاته، ما أضحى يهدّد التواطؤ بين ترامب وبين النسخة الأوروبية من "ماغا"، ويجعل الرئيس الأميركي يفقد مزيداً من الأصدقاء، فيما أصبح هذا التيار يخشى على مستقبله مع تراجع شعبية ترامب في أوروبا. %51 من الأوروبيين يرون ترامب "عدواً لأوروبا" الاصطفاف الأيديولوجي ليس كافياً وأثارت أزمة غرينلاند شرخاً بين دونالد ترامب وحلفائه الأوروبيين، وقبلها أزمة فنزويلا، وقبل ذلك كان لتهديداته منذ عودته إلى البيت الأبيض بفرض رسوم جمركية عالية على دول الاتحاد الأوروبي، وقعٌ سيّئ في القارة العجوز، ما أشعل القلق لدى حلفاء واشنطن حول مصير العلاقات عبر الأطلسي، في وقت يلّف العالم العديد من الأزمات، وتعيش أوروبا على وقع الاستنفار العسكري بسبب الحرب الروسية على أوكرانيا، وموجة من تصاعد الاهتمام بإعادة تفعيل الإنتاج العسكري، ما يزيد من حدّة التضخم والأزمات الاقتصادية داخل بلدانها. وإذا كان اليمين المتطرف الأوروبي أكثر ميلاً للتصالح مع روسيا، ولا يعتبرها خطراً على القارة، إلّا أن الأزمات الأخرى التي أثارها ترامب، جعلت اليمين المتطرف الأوروبي في حالة إعادة تأمل في العلاقات الثنائية التي نسجها مع فريق الرئيس، في وقت كانت أيضاً "ماغا" الأميركية غير متوافقة مع ترامب حول الكثير من القضايا، ومن بينها الدعم غير المشروط لإسرائيل، وتركيزه على الملفات الخارجية، فيما يريد هؤلاء تكريس الانكفاء والالتفات إلى الأزمات الاقتصادية الداخلية وعدم افتعال مشاكل مع الخارج. ويبدو أن أزمة غرينلاند شكّلت حقل اختبار لمدى صلابة العلاقة بين دونالد ترامب وتياره من جهة، واليمين المتطرف الأوروبي الذي بمجمله تقريباً التزم الصمت من الأزمة، التي تنمّ عن مطامع أميركية واستهتار بالشراكات الدفاعية ومسألة السيادة للدول. وبحسب تقرير لوكالة أسوشييتد برس، نشر أمس الأحد، فإنّ هذا الابتعاد الذي خلّفته أزمة غرينلاند، يعني أن الاصطفاف الأيديولوجي قد لا يكون لوحده كافياً لتهدئة مخاوف القوميين الأوروبيين بشأن تدخلات ترامب في الخارج. وانتقد اليمين المتطرف في ألمانيا، وفرنسا، وإيطاليا، خطط ترامب لضمّ غرينلاند. وقالت الرئيسة المُشاركة لحزب "البديل من أجل ألمانيا" اليميني المتطرف، أليس فايدل، أخيراً، إن ترامب "انتهك وعداً انتخابياً جوهرياً قطعه، وهو عدم التدخل في شؤون الدول الأخرى". من جهته، اعتبر رئيس حزب التجمع الوطني اليميني المتطرف في فرنسا، جوردان بارديلا، قبل أيام، أن الولايات المتحدة "لم تترك لأوروبا سوى خيارين: إما القبول بالتبعية المغلفة بشعار الشراكة، أو التصرف كدول ذات سيادة قادرة على حماية مصالحها"، مضيفاً أنه "عندما يهدّد رئيس الولايات المتحدة أراضٍ أوروبية ويمارس الضغط عبر التعرِفات الجمركية، فهذا لا يسمى حواراً، إنه ترهيب، ومصداقيتنا على المحك"، واعتبر أن "غرينلاند أصبحت تشكّل منعطفاً استراتيجياً في عالم يعود إلى المنطق الإمبريالي. الاستسلام اليوم سيكون سابقة خطيرة". وكان بارديلا انتقد بشدة التدخل العسكري الأميركي في فنزويلا واختطاف قوات خاصة الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو في 3 يناير/كانون الثاني الحالي. جوردان بارديلا: الاستسلام الأوروبي سيكون سابقة خطيرة ورغم عدم ذهابها بعيداً في انتقاد ترامب، واعتبارها أن هناك "سوء تفاهم وتواصل" بشأن غرينلاند، إلّا أن رئيسة الحكومة الإيطالية التي تمثّل اليمين المتطرف في بلادها أيضاً، جورجيا ميلوني، رأت أن التهديد بفرض رسوم جمركية على الحلفاء من ترامب أمرٌ "خطأ". ودان نايجل فاراج، الزعيم الشعبوي لحزب الإصلاح البريطاني، مطامع ترامب بشأن غرينلاند، واعتبرها "عملاً شديد العدائية"، فيما وجد مورتن ميسيرشميدت، زعيم حزب الشعب الدنماركي، الكاره للاجئين، والذي يمثل اليمين الشعبوي في البلاد، نفسه، ينأى بنفسه عن ترامب، وكتب الأسبوع الماضي على "فيسبوك": "تصويري بأنني شخص قد يخدم قضية غير الدنمارك، ويقبل بتعرض مملكتنا للتهديدات، هو أمرٌ سيّئ". وعلى نحوٍ مفاجئ يوم الثلاثاء الماضي، أبدى مشرعون عن اليمين المتطرف الأوروبي، موافقتهم، خلال جلسة للبرلمان الأوروبي في بروكسل، على تعليق اتفاقية التجارة التي جرى التوصل إليها بين الاتحاد والولايات المتحدة في يوليو/تموز 2025 بعد تهديدات التعرِفات الجمركية. نأي بالنفس عن دونالد ترامب وفي المجمل، فإنّ معظم الأحزاب اليمينية المتطرفة في أوروبا، التي تسعى إلى الوصول إلى الحكم، حاولت النأي بنفسها عن دونالد ترامب في الفترة الأخيرة، خصوصاً أن شعبية الرئيس الأميركي في أوروبا، في أدنى مستوياتها، إذ يعدّ غير محبوب. وكان استطلاع رأي لصالح منصة لو غراند كونتينينت نشرت نتائجه يوم الجمعة الماضي، وجد أن 51% من الأوروبيين، يرون ترامب "عدواً لأوروبا"، فيما اعتبره 8% "صديقاً" للقارة، ما يعكس تحولاً استراتيجياً في النظرة الأوروبية للولايات المتحدة بوصفها حليفاً. وحده فيكتور أوربان وحزبه "فيديس" في المجر، اعتبر أن مسألة غرينلاند شأن خاص بين الدنمارك والولايات المتحدة ولا تخصّ حلف شمال الأطلسي (ناتو)، وأن ترامب وحده "قادر على جلب السلام"، فيما يواجه أوربان، الذي ربط هويته السياسية كثيراً بترامب وأفكاره، انتخابات تشريعية صعبة في المجر، مقرّرة في إبريل/نيسان المقبل. وفي جمهورية التشيك، فضّل رئيس الوزراء الشعبوي أندريه بابيش، المعجب بترامب، الصمت، محذراً الاتحاد الأوروبي من مغبة إشعال صدام مع الرئيس الأميركي بسبب غرينلاند. وهناك الكثير من الوجوه الشعبوية في أوروبا، التي رأت مثل بابيش، أن دول الاتحاد لا تستطيع تحمل فاتورة المواجهة مع رئيس الولايات المتحدة، الذي لا يمكن التنبؤ بأفعاله، ولا يبالي بإثارة الخلافات مع الحلفاء، أما رئيس وزراء سلوفاكيا روبرت فيتسو، المعادي للمهاجرين والمعجب بترامب والرئيس الروسي فلاديمير بوتين، فقد التزم الصمت بقضية غرينلاند، إلّا أنه دان العدوان الأميركي على فنزويلا على اعتباره "آخر مغامرات أميركا للسيطرة على النفط". وبحسب مدير قسم وسط أوروبا في مؤسسة جيرمان مارشال فاند، دانيال هيغيدوس، كما قال لوكالة أسوشييتد برس، أمس، فإن العلاقات بين اليمين المتطرف الأوروبي و"ماغا" قد تواجه اضطرابات أو انقساماً، مذكّراً بأن اليمين المتطرف الأوروبي لم يتغيّر، وهو صوّت أخيراً ضد اتفاق التجارة بين الاتحاد وتجمع السوق المشتركة لأميركا اللاتينية (ميركوسور)، ورأى أنه "إذا أكمل ترامب على هذا النسق، مشكّلاً تهديداً لسيادة الدول الأوروبية، فإن ذلك سيقسّم اليمين المتطرف الأوروبي من دون شك". (العربي الجديد، رويترز، أسوشييتد برس)

Related News

( Yemeni Windows) محرك بحث إخباري لا يتحمل أي مسؤولية قانونية عن المواد المنشورة فيه لأنها لا تعبر عن رأي الموقع..

All rights reserved 2026 © Yemeni Windows