Arab
على وقع احتجاجات جماهيرية وموجات عنف حضري خلال العامين الماضيين، تتجه بريطانيا إلى إعادة هيكلة جهاز الشرطة من خلال إنشاء "خدمة شرطة وطنية" تتولى مكافحة الجريمة العابرة للحدود والإرهاب، فيما تُركّز القوى المحلية على الجرائم اليومية في الأحياء. هذا ما أوضحته وزيرة الداخلية شابانا محمود خلال ظهورها في برنامج "صباح الأحد مع تريفور فيليبس" عبر قناة "سكاي نيوز"، اليوم الأحد، مؤكدة أن الهدف من الإصلاح هو "تكامل العمل الوطني والمحلي" بدل استبدال أحدهما بالآخر.
وردّاً على المخاوف من تهميش دور الشرطة المحلية، شدّدت محمود على أن إعادة توزيع الأدوار ستسمح للقوى الإقليمية بالتركيز على الجرائم التي تمسّ المواطنين مباشرة. واستشهدت ببيانات رسمية تظهر ارتفاع سرقة المتاجر بنسبة 72% وسرقة الشارع بنحو 60% منذ 2010، معتبرة أن هذه الأرقام تعكس فجوة بين توقعات الجمهور والواقع الميداني، في ظل انطباع عام بأن الشرطة تبذل جهوداً أكبر على "السلوك الإلكتروني القانوني" بدلاً من مواجهة السرقات اليومية وجرائم الهواتف.
تحوّل في بيئة الأمن
يتعامل هذا الإصلاح مع بيئة أمنية لم تعد تقتصر على الجرائم اليومية، بل تمتد إلى ملفات معقدة مرتبطة بالجريمة المنظمة العابرة للحدود. فمنذ عام 2020، ارتفعت قيمة الجرائم المالية الدولية والاحتيال الرقمي لتتجاوز ملياري جنيه إسترليني سنوياً (وفق بيانات "الجمعية البريطانية للمصارف" في مايو/أيار 2024)، فيما أظهرت تقارير "الوكالة الوطنية للجريمة" (NCA) خلال عامَي 2023 و2024 توسع شبكات تهريب البشر عبر أوروبا باتجاه بريطانيا. هذه التطورات أعادت صياغة مفهوم "الأمن المحلي" بعدما بات جزء كبير من الجريمة يحمل امتداداً دولياً أو رقمياً لا تستوعبه البنية التقليدية للقوى الإقليمية الصغيرة.
في الوقت نفسه، يشهد الفضاء العام البريطاني ارتفاعاً ملحوظاً في الاحتجاجات المرتبطة بقضايا خارجية، أبرزها غزة وفلسطين، إلى جانب تظاهرات المناخ والاعتراضات على سياسات اللجوء. هذا التداخل بين الداخلي والخارجي جعل الفصل بين الأمن الوطني والتحولات الدولية أكثر صعوبة. وتقرأ وزارة الداخلية هذا الواقع باعتباره انتقالاً من "حدث احتجاجات عابرة" إلى "مشهد سياسي دائم" يحتاج إلى قيادة مركزية موحدة واستجابة أمنية منسّقة على مستوى الدولة.
آليات الإصلاح: توحيد القيادة
تستند الخطة الحكومية إلى إعادة توزيع الأدوار بين المستويين الوطني والمحلي عبر إنشاء "خدمة شرطة وطنية" (National Police Service) تتولى الملفات المعقدة مثل الإرهاب والجريمة المالية وتهريب البشر والجريمة المنظمة، بينما تُركّز القوى المحلية على الجرائم اليومية. هذا ما تناولته صحيفة "الغارديان" البريطانية، أمس السبت، خلال تغطيتها الإعلان عن الجهاز الجديد، واصفة إياه بأنه "أقرب إلى مكتب التحقيقات الفيدرالي (FBI) في الولايات المتحدة".
وبحسب ما أوردته وكالة "رويترز" في اليوم نفسه، ستضم الخدمة الجديدة "الوكالة الوطنية للجريمة" (NCA) ووحدات مكافحة الإرهاب التابعة لشرطة العاصمة تحت قيادة وطنية واحدة، بهدف توحيد المعلومات الاستخبارية والقدرات السيبرانية وقواعد البيانات الجنائية، وتقليل الحاجة إلى التنسيق بين عشرات القوى الصغيرة كما ظهر في أزمات سابقة.
وتقاطع هذا الطرح مع ما نشرته صحيفة "ذا تايمز" البريطانية أمس السبت، التي أشارت إلى أن الحكومة تدرس أيضاً تقليص عدد القوى الإقليمية من 43 قوة إلى ما بين 10 و20 قوة أكبر حجماً، على أن تتولى كل منها التحقيقات الكبرى داخل مناطق نفوذ أوسع. وترى وزارة الداخلية أن هذا المسار سيعالج إحدى أبرز نقاط الضعف المتمثلة في بطء التنسيق الأمني خلال الأزمات ذات الطابع الوطني؛ كما حدث في تسمّم "سالزبوري" عام 2018 (حيث اضطرت شرطة ويلتشير لطلب دعم من أكثر من 40 قوة أخرى)، وكذلك في قضية "شاحنة إسكس" عام 2019 المرتبطة بشبكات تهريب البشر، والتي تجاوزت قدرة القوة المحلية على التعامل منفردة.
احتجاجات غزة في قلب المعادلة
لا يمكن فصل خطة إنشاء "خدمة شرطة وطنية" عن السياق الذي صنعته الاحتجاجات المؤيدة لفلسطين في بريطانيا منذ أكتوبر/تشرين الأول 2023. فقد شهدت لندن ومدن أخرى مسيرات حاشدة وصفتها لجنة برلمانية في تقرير حول "الاحتجاجات السياسية" (فبراير/شباط 2024) بأنها الأكبر منذ حرب العراق. وترافق ذلك مع تكاليف أمنية مرتفعة؛ إذ أكدت شرطة العاصمة لـ"سكاي نيوز"، في يناير/كانون الثاني 2024، أن تأمين المسيرات المؤيدة لفلسطين وإسرائيل كلّف 26.5 مليون جنيه إسترليني، قبل أن تتجاوز الكلفة 50 مليوناً أوائل 2025 وفق تقارير صحافية. هذا الواقع رسّخ قناعة حكومية بأن الاحتجاجات لم تعد حدثاً عابراً، بل حالة دائمة تتطلب تنظيماً وطنياً.
بالتوازي، تخشى منظمات حقوقية من توسّع صلاحيات الشرطة. فقد حذّرت منظمة "ليبرتي" من أن قانون النظام العام لعام 2023 منح الشرطة أدوات جديدة لتقييد الاحتجاجات، بما في ذلك أوامر "منع التعطيل الجسيم". وفي مايو/أيار 2024، نظرت المحاكم في طعن قدّمته المنظمة ضد وزارة الداخلية حول تعريف "التعطيل". كما أشارت صحيفة "الغارديان" في أكتوبر/تشرين الأول 2025 إلى انتقادات لخطط حكومية تمنح الشرطة سلطات أكبر في مواجهة الاحتجاجات، وسط نقاش حول حظر حركة "فلسطين أكشن". وفي تحليل قانوني نُشر في يناير/كانون الثاني 2026، رأى الباحث بول أوكونيل أن تجريم الحركة يعكس ما سمّاه "قمعاً استباقياً" للاحتجاجات المتصلة بفلسطين.
الجاليات العربية والمسلمة
بالنسبة للجاليات العربية والمسلمة في بريطانيا التي كانت جزءاً من الحشود المناصرة لغزة، يتزامن هذا النقاش مع تصاعد خطاب رسمي وإعلامي يربط بين المسيرات وقضايا "الأمن المجتمعي". ففي فبراير/شباط 2025، وثّق موقع "ليبرتي إنفستيغيتس" تعرض طلاب وموظفين جامعيين لإجراءات تأديبية بسبب نشاطهم التضامني مع فلسطين، ما يعكس تطويقاً متزايداً لفضاء التعبير داخل الشارع والجامعة معاً.
بهذا المعنى، يأتي إصلاح الشرطة في تقاطع ثلاث دوائر رئيسية: تصاعد الجريمة المنظمة العابرة للحدود؛ واحتجاجات متكررة ومكلفة (حول غزة والمناخ واللجوء)؛ وتوسّع تشريعي يمنح الشرطة أدوات أوسع لضبط الشارع. ولا تبدو هذه التطورات مسألة داخلية فحسب، بل جزءاً من مراجعة أوسع لأدوات الأمن في الديمقراطيات الغربية تحت ضغط الحروب والاحتجاجات وصراعات الهوية، حيث تظل فلسطين اختباراً لحدود حرية التعبير في الفضاء العام الأوروبي.

Related News
أكثر 10 مقاتلات نفاثة تصديراً في التاريخ
al-ain
17 minutes ago
صور حريق الفندق الفاخر في فرنسا.. مخاوف من «عدوى النيران»
al-ain
19 minutes ago