Arab
ليس اصطفاف دول عديدة إلى جانب الدنمارك وغرينلاند دفاعاً عن السيادة وحق تقرير المصير تزكيةً لسجل كوبنهاغن، أو لارتهانها لحروب أميركا، كغزو العراق عام 2003 بذريعة "أسلحة الدمار الشامل" المفبركة، ولا لتناقض سياستها مع المبادئ في فلسطين، وعلاقتها التاريخية الفوقية مع الغرينلانديين التي وُصفت بأنها ذات سمات استعمارية. هذا الاصطفاف تمليه غريزة البقاء السياسي أكثر مما تحكمه المبادئ.
فالقضية ليست غرينلاند بحد ذاتها، بل ما تبقى من شكل النظام الدولي. الاتحاد الأوروبي وحلف شمال الأطلسي (ناتو) لا يدافعان عن جزيرة في القطب الشمالي، بل عن نفسيهما، وعن بقايا شرعية قانون دولي يتعرض للدهس العلني على يد رئيس أميركي حوّل "أميركا أولاً" إلى رخصة ابتزاز، ومشروع هيمنة سافرة تُقاس فيه السيادة بميزان القوة لا بالقانون.
دونالد ترامب ليس استثناءً عابراً، بل ذروة انحدار إمبراطوري. لم يعد مجرد محرّك للفوضى، بل صانعها ومسوّقها، يفاوض على الجغرافية كما لو كانت صفقة عقارية، ويعاقب غرينلاند لأن أوسلو لم تمنحه جائزة نوبل للسلام، ويبتز دولاً بضمّها إلى ما يسميه عبثاً "مجلس السلام العالمي" في سياق حرب إبادة على غزة، وينشر مراسلات خاصة مع رؤساء ويفبرك صوراً، في سحق متعمّد للأعراف الدبلوماسية، وتحويل السياسة الدولية إلى مسرح بلطجة مكشوف.
والأخطر أن هذا السلوك ليس زلّة، بل عقيدة حكم؛ فوضى مُدارة، تهديد بلا سقف، وكسر ممنهج لأي قاعدة لا تخدم القوة. هكذا تتصرف الإمبراطوريات في طريق أفولها. أما الحلفاء الأوروبيون الذين طمأنوا أنفسهم طويلاً بأن الترامبية شأن أميركي داخلي، فقد استيقظوا على صدمة أشد: مشروع يعيد هندسة قارتهم أمنياً وسياسياً وعرقياً من موقع الإملاء لا الشراكة. أوروبا، كما يُدرك كثيرون في شوارعها قبل مؤسساتها، مطالبة اليوم بمراجعة جذرية لأولوياتها، وبكسر إرث الاستعلاء والاستعمار المقنّع في تعاملها مع الجوار، جنوباً وشرقاً، والانتقال إلى علاقات تقوم على المصالح المتبادلة لا الوصاية.
فقد كشفت الأزمة خطيئة أعمق: وهم الاعتماد على مسلمات "التحالف الاستراتيجي الدائم" مع الولايات المتحدة الذي تخلخل عند أول اختبار حقيقي.
وفي المقابل، يتفجر غضب شعبي بين الاسكندنافيتين والغرينلانديين، وتتوسع دعوات المقاطعة، وتنحدر صورة أميركا إلى قاع غير مسبوق، مع مقارنة واعية بين مأساة الفلسطينيين وجرائم بنيامين نتنياهو والدعم الأميركي المفتوح لها. تلك خلاصة أزمة غرينلاند: إمبراطورية تتعرّى. سواء حصل ترامب على تسوية "انتصار" أم لا، فإن الخسارة تطاول صورة أميركا نفسها، وربما تفتح لحظة نادرة لإعادة تعريف المصالح بمنطق مختلف، لا بالقوة العارية.

Related News
زلزال الذهب والفضة يغير أنماط الشراء في مصر
alaraby ALjadeed
20 minutes ago
زلزال الذهب والفضة يغير أنماط الشراء في مصر
alaraby ALjadeed
20 minutes ago
المخابرات الأميركية تشكك في تعاون رئيسة فنزويلا المؤقتة
aawsat
35 minutes ago
رجل يعطل فعالية للنائبة الأميركية إلهان عمر ويرشها بسائل
aawsat
48 minutes ago