Party
صحيفة الثوري – (رأي)
إسماعيل الصنوي
تخيل أن يولد طفل في صعدة، وآخر في تعز، وثالث في عدن، ثم يكبر هؤلاء الصغار في وطن لا يحتاج فيه أحدهم إلى السؤال عن نسب الآخر، أو مذهبه، أو جراحه الجغرافية؛ وطن يذهبون فيه إلى مدارسهم دون مناهج مثقلة بتلقينهم أن بعضهم خُلق سيداً وبعضهم وُلد تابعاً، ويقفون غداً أمام منصة قضاء لا تفرق بين أمير وصعلوك. في هذا الوطن، يستطيع كل واحد منهم أن يحلم بكرسي الرئاسة، لا لقرابة عائلية، ولا لغلبة بندقية، بل لأن الدستور يمنحه ذات الحق الذي يمنحه لسائر البشر. هذا المشهد الذي يبدو بديهياً في أي بقعة استقرت فيها فكرة الدولة، يكاد يكون في اليمن حلماً دونه الأنفس والأرواح، وما زال الناس ينتظرون اكتماله.
فالمأساة هنا لم تكن في عجزنا عن تعميد اسم الجمهورية — الذي نرفعه لافتة منذ أكثر من ستة عقود — وإنما في تلك الهوة السحيقة الفاصلة بين جمهورية الحبر والورق، والجمهورية الكامنة في وعي المجتمع وسلوك مؤسساته. ولم يكن اليمن بدعاً بين الأمم أمام الامتياز الموروث؛ ففي جنوب أفريقيا، لم يكن نظام الفصل العنصري (الأبارتايد) مجرد سلطة جائرة، بل بناء قانوني يقسم الآدميين على أساس اللون والمنبت. وحين طويت تلك الصفحة عام 1994، لم تكن عظمة نيلسون مانديلا في إخضاع خصومه، بل في صياغة دستور يحمي الجميع من غريزة الانتقام، وإن ظلت الفوارق بعد التحول السياسي. وفي نيبال، ألغت الجمعية التأسيسية عام 2008 ملكية متجذرة في التراتب الطبقي والديني، ورغم بقاء رواسب العهد القديم، إلا أن الدرس التاريخي ظل شاخصاً: الجمهورية قد تنتصر في الدساتير بينما يتلكأ المجتمع في مغادرة تلافيف ماضيه وثقافته القديمة. أما البوسنة والهرسك، فقد أوقف اتفاق دايتون عام 1995 حربها، لكنه ارتكب خطيئة تقاسم السلطة بين هويات إثنية مغلقة، ليثبت التاريخ أن التسويات التي تجعل العرق أو المذهب أساساً للمحاصصة وتوزيع الحقوق إنما تؤجل الصراع ولا تداوي جذوره.
الدولة الحديثة لا تقام بمجرد نصر عسكري لطرف على آخر، وإنما بإخراج الحقوق العامة من خانة المكارم والامتيازات، وإرساء نظام لا يحول الأصل، أو المعتقد، أو السلاح إلى صك سياسي متفوق؛ فالمشكلة لا تكمن في تعدد الهويات، بل في تحويل إحداها إلى معيار للسيادة. ولعل أنكى ما يوجع في حالتنا اليمنية أن النصوص لم تكن غائبة؛ فالدستور ومخرجات الحوار الوطني لعام 2014 بحوزتنا، لكن النخب تعاقبت دون بناء مؤسسات تحميها، بل سمحت المحسوبية، وتداخل السلطة مع الولاءات الحزبية والقبلية، وشخصنة الدولة، بنشوء مشاريع متنافسة تقتات على المظلومية. والمظلومية — مهما كانت حقيقية وتستوجب الإنصاف — لا تمنح أصحابها حقاً حصرياً في احتكار الفضاء العام، فالتنكيل بالضحية لا يمنحها عصمة من أن تتحول، بمرور الوقت، إلى جلاد جديد يسعى لتفويض دائم بالسلطة.
كما أن أي مشروع يجعل من النسب شرطاً للحكم، أو يزعم الاصطفاء الإلهي والهاشمية السياسية أساساً للشرعية، إنما يضرب فكرة المواطنة في مقتلها؛ لأنه يضع الناس أمام حق يدعي أنه سابق على إرادتهم الحرة. وكذلك المشروع الذي يتحدث باسم السماء ليحكم الأرض، يحيل الحاكم من بشر يخطئ ويُحاسب، إلى سلطة مقدسة فوق المساءلة وحصانة لا تستحقها. ولسنا هنا في خصومة مع الدين أو مع عائلات تعتز بأرومتها وتاريخها، فالانتساب العائلي هوية شخصية والاعتقاد الديني حق أصيل لا شأن للدولة بانتزاعهما، إنما المعضلة تكمن في فرض هذه الخصوصية كامتياز سياسي. ليس في الجمهورية ما يقصي رجلاً من بني هاشم من اعتلاء السلطة إن انتخبه الناس بحرية وفق الدستور، كما ليس فيها ما يمنحه صك القيادة لمجرد اسمه؛ فالذي يؤهله هو مواطنته، وصندوق الاقتراع، وثقة المجتمع؛ كونه مواطناً بين مواطنين، له ما لهم وعليه ما عليهم.
هذا الميزان الدقيق هو الذي ينصف القضايا المناطقية، وفي طليعتها القضية الجنوبية. فلا يجوز اختزال مطالب اللامركزية أو إعادة صياغة العلاقة بين المركز والأقاليم في فزاعة استهداف الجمهورية، فالأنظمة الجمهورية مرنة وتتسع لخريطة واسعة من الأشكال الدستورية. إن المشاريع الصغيرة ليست التي تنطلق من جغرافيا بعينها، بل تلك التي تضيق فيها فكرة الوطن لتصبح الدولة غنيمة لفئة وجماعة، سواء رفعت شعار الوحدة وهي تمارس الإقصاء، أو تدثرت برداء الدين وهي تصادر الضمائر وتمنح صكوك الولاء الباهتة وتجعل الحكم حكراً على من يزعمون احتكار تفسيره.
ولكي تخرج هذه الجمهورية من إطار البيانات الأخلاقية والمناسباتية، فإنها تحتاج إلى مؤسسات صلبة؛ تحتاج جيشاً وطني العقيدة لا يتبع عائلة أو تنظيماً، وقضاءً مستقلاً يحمي الضعيف وينصف المواطن في مواجهة أقوى مسؤول، وإدارة عامة لا تجعل الراتب والخدمة مكافآت للموالين، ومدارس يتعلم فيها الأطفال تاريخ بلادهم دون تقديس للحاكم أو كراهية للمختلف، وسلطة تدرك يقيناً أنها عابرة ومؤقتة وأن الدولة ليست ملكاً يمينها؛ قوية لحماية المجتمع من الجماعات المسلحة، ومقيدة بالقانون لمنع حكامها من التحول إلى قوة فوق المجتمع. كما لا يمكن بناء هذا المستقبل على أنقاض التشفي والانتقام الجماعي، فالعدالة الحقة لا تعاقب الأبناء بجرائم الآباء، بل تسأل المتهم عن جرمه والأدلة المحيطة به، لا عن قبيلته أو لقبه، ولا تمنح أحداً حصانة بسبب تضحيات جماعته لتتحول نهاية الحرب إلى بداية سلام يطمئن إليه الجميع.
وقد يبدو الحديث عن الدساتير والمؤسسات بعيداً عن حياة اليمني الذي ينتظر راتبه، أو يبحث عن دواء لطفله، أو يقضي ساعات عند حاجز عسكري ليعبر إلى مدينته. لكن هذه المعاناة هي الوجه اليومي لغياب الدولة؛ فحين يعمل القانون لا يحتاج الموظف إلى وسيط ليستلم حقه، وحين تستقل المؤسسات لا يصبح العلاج منحة من صاحب نفوذ، وحين تخضع القوى المسلحة لسلطة دستورية واحدة لا يدفع المدنيون ثمن خلافاتها بالحصار والنزوح. إن أبسط أحلام الناس هي، في حقيقتها، الغاية الكبرى من قيام الدولة: أن يعيش الإنسان آمناً في بيته، وأن يتعلم أبناؤه دون خوف، وأن يجد من ينصفه إذا ظُلم، وأن يستطيع الاعتراض على الحاكم دون أن يفقد حريته أو كرامته.
إن الوفاء لثورة السادس والعشرين من سبتمبر 1962 لا يكون بتمجيد الراحلين واجترار بطولات الماضي، بل بإنجاز ما بقي من وعدها التاريخي وإغلاق المنافذ الكامنة في عقولنا والتي يتسلل منها المستبدون والكهنة الجدد في كل مرة؛ فليس من الوفاء لسبتمبر أن نمنح حكامه حصانة من النقد، وإنما من الإنصاف مراجعة أخطائهم بالصرامة نفسها التي نواجه بها المشاريع المناقضة لمبادئها لمنع تكرار خطاياهم. إننا لا نحلم بيمن يستبدل فيه سيد سيداً آخر، أو ينتصر طرف ليصبح رباً فوق اليمنيين، بل بوطن لا يحتاج فيه المرء إلى صك نقاء في أصله ليثبت جدارته بالحياة والكرامة، ولا إلى حمل بندقية ليحمي صوته.
والسؤال الذي يجب أن تضعه كافة القوى أمام ضميرها هو: هل تقبل أن تحكمك ذات القواعد التي تريد فرضها على خصومك؟ وهل ترتضي لغيرك الحقوق التي تنتزعها لنفسك؟ إن كان الجواب نعم، فقد وضعنا المدماك الأول للدولة، وإن كان لا، فما الذي يفرق المشروع الجديد عن سلطة الامتياز التي يدعي أنه جاء لإنهائها؟
إن الجمهورية التي نحلم بها لا نريدها مشروعاً لإقصاء الذين اختلفنا معهم، ولا وسيلة لتبديل أصحاب الامتياز بأصحاب امتياز جدد، بل دولة ينتهي فيها الحق الموروث في الحكم، ويصبح فيها المواطن سيداً على قراره، والحاكم مسؤولاً أمام القانون. فالانتصار الحقيقي ليس أن تصل السلطة إلى من نؤيدهم، وإنما أن نفقد جميعاً القدرة على استخدامها لحرمان الآخرين من حقوقهم.
وعلى هذا العهد تمضي السنون وتتبدل القوى، ويبقى اليمن كبيراً كالتاريخ، عصياً على الارتهان والتجريف، بانتظار يومٍ تلبس فيه الجمهورية ثوبها الأبهى: قانوناً يحمي الضعيف، ومؤسسةً تقيد القوي.
The post الجمهورية التي يحلم بها اليمنيون first appeared on الثوري | آخر أخبار اليمن والأخبار العربية والدولية.