Party
أعلنت الأمم المتحدة وفاة محمد إبراهيم الشامي أحد موظفيها بسجون الحوثيين في صنعاء المدعومين من إيران، وهذا بالنسبة لأسر الآلاف المختطفين خبر مرعب، يعيد التذكير بمأساة اليمنيين ومنهجية التعذيب والتصفية الجسدية في سجون الجماعة الإرهابية.
ولم تنتهِ معاناة كثير من المختطفين عند أبواب سجون الحوثيين فبعضهم فارق الحياة داخل أماكن الاحتجاز، وآخرون خرجوا منها في حالات صحية بالغة السوء، قبل أن توافيهم المنية بعد أيام أو أسابيع أو أشهر.
بالإضافة إلى أن كثير ممن خرجوا من السجون حملوا معهم إعاقات دائمة وآثاراً جسدية ونفسية جراء التعذيب وسوء ظروف الاحتجاز، وتكشف الحالات الموثقة نمط من الانتهاكات شمل التعذيب أثناء التحقيق، والحرمان من الرعاية الطبية، وسوء التغذية، والاحتجاز في أماكن تفتقر إلى أبسط مقومات الصحة والسلامة.
وأفادت شهادات حقوقية لـ"لصحوة نت" عن صعوبات كبيرة تواجه أسر الضحايا والمنظمات الحقوقية في معرفة أسباب الوفاة والحصول على السجلات الطبية وتقارير التشريح، وتزداد خطورة هذه الانتهاكات مع استمرار الغموض بشأن مصير عدد من المحتجزين.
ومن بين المخفيين قسراً السياسي القيادي في حزب الإصلاح محمد قحطان، الذي ظلت مليشيا الحوثي تتكتم على مصيره منذ اختطافه في أبريل 2015، في واحدة من أبرز القضايا التي تعكس حجم المعاناة التي تعيشها أسر المختطفين.
وفيات داخل السجون
وأعلن وفاة محمد إبراهيم الشامي، داخل سجون الحوثيين في صنعاء، وهو موظف في مكتب مفوضية الأمم المتحدة السامية لحقوق الإنسان، في أحدث جريمة للجماعة الإرهابية في سجونها التي يوجد فيها الآلاف من اليمنيين.
وأختطف الشامي في 6 يونيو 2024 ضمن حملة شملت العشرات من موظفي المنظمات في صنعاء ومناطق سيطرة الحوثيين، وأُبلغت أسرته بوفاته في 10 أكتوبر 2026، قبل أن تعلن الأمم المتحدة في 31 أكتوبر وفاته أثناء الاحتجاز.
وتعيد هذه الواقعة تسليط الضوء على مصير مختطفين آخرين داخل سجون ومراكز احتجاز تابعة لمليشيا الحوثي، بعضهم توفي بعد أيام قليلة من اعتقالهم، وآخرون بعد أشهر من الاحتجاز، وغالبيتهم تعرضوا للتعذيب أو سوء المعاملة والحرمان من الرعاية الصحية، وآخرين لم تعرف سبب وفاتهم.
ومن الحالات التي وثقتها تقارير حقوقية اطلعت عليها "الصحوة نت" وفاة محمد محمود مسعد العماد، الذي اعتُقل في 20 أبريل 2018 وأودع سجن الأمن السياسي بمحافظة حجة، قبل أن تُبلغ أسرته بوفاته في 27 من الشهر نفسه، وسط إفادات عن وجود آثار كسر وتعذيب على جثمانه.
توفي علي محمد عبده جميل بعد أيام من اعتقاله في حجة 31 أغسطس 2018، إذ أُبلغت أسرته بوفاته في الرابع من سبتمبر، وأظهرت نتائج تقرير الطب الشرعي، وجود كدمات وخدوش وآثار صعق كهربائي وإصابة في الرأس ونزيف دماغي، كما توفي يحيى حسين مغضب في 11 مارس 2018، بعد اعتقاله في التاسع من فبراير، وظهرت آثار حروق وكدمات على جسده.
كما توفي عبد الغني عايض جهلان الدعاعي في أكتوبر 2017، بعد اعتقاله في محافظة عمران في يوليو من العام نفسه، ووجدت آثار تعذيب على جثمانة، وفي صنعاء، توفي وليد علي قاسم الإبي في 15 نوفمبر 2016، بعد ثلاثة أيام من اعتقاله، وأفادت نتائج الطب الشرعي بوجود آثار تعذيب وعنف شديد على جسده.
وتواصل تسجيل حالات وفاة داخل أماكن الاحتجاز خلال السنوات اللاحقة. ففي سبتمبر 2023 اعتُقل هشام عبد العزيز حمود الحكيمي، وتوفي بعد شهر في سجن الأمن والمخابرات بصنعاء، كما توفي صبري عبدالله الحكيمي في 25 مارس 2024، بعد نحو ستة أشهر من احتجازه.
أسباب متكررة للوفاة
يربط المحامي عبد الرحمن برمان، بين عدد من حالات الوفاة وممارسات التعذيب أثناء التحقيق، وسوء ظروف الاحتجاز، والتجويع والإهمال الطبي.
ويوضح في حديث لـ"الصحوة نت"، أن بعض المحتجزين يتعرضون للتعذيب منذ الأيام الأولى للاعتقال، وقد تنتهي حياتهم خلال ساعات أو أيام، فيما يتعرض آخرون لتدهور صحي تدريجي نتيجة الظروف القاسية داخل السجون.
وتقدم شهادة أحد المختطفين السابقين، الذي عرّف نفسه باسم «ح. عبدالمجيد»، صورة عن أساليب التعذيب التي يقول إنه تعرض لها داخل أحد مراكز الاحتجاز الحوثية.
وروى لـ"الصحوة نت" أن المحققين علقوه من معصميه المقيدين إلى السقف لنحو عشر ساعات، واعتدوا عليه بالعصي الكهربائية في أنحاء جسده حتى فقد الوعي، قبل رش المياه عليه لمواصلة تعذيبه.
وقال "إن خروجه من المعتقل لم ينهِ معاناته الصحية، إذ ظل يعاني أمراضاً في الكلى والسكري ومشكلات جلدية، إلى جانب آثار نفسية خلفتها فترة الاحتجاز والتعذيب".
ويستشهد المحامي برمان بحالة محمد التويتي، الذي قال إنه توفي بعد ثلاثة أيام من اعتقاله، مع وجود آثار تعذيب على جسده، مشيراً إلى أن القضية أثارت غضباً واسعاً، وأُعلن على إثرها عن تشكيل لجنة للتحقيق.
ويضيف أن ظروف الاحتجاز نفسها قد تتحول إلى عامل قاتل، بسبب انعدام التهوية والظلام والرطوبة وانتشار الحشرات والأمراض، وغياب النظافة والرعاية الصحية، فضلاً عن الاكتظاظ وحرمان المحتجزين من الغذاء الكافي.
ويشير برمان إلى أن "التجويع وسوء التغذية قد يفضيان إلى نتائج مميتة، مستشهداً بحالة الصحفي أنور الركن، الذي أُفرج عنه في وضع صحي بالغ التدهور، ونُقل إلى المستشفى، لكنه توفي بعد نحو 48 ساعة".
وتابع "كان جسده قد بلغ مرحلة من الضعف جعلت معدته عاجزة عن تقبل الطعام، كما لم يعد قادراً على الاستفادة من الأدوية والمغذيات التي قُدمت له".
وتقدر عدد حالات الوفاة بسجون تحت التعذيب بنحو240 حالة، مع احتمال وجود عشرات الحالات الأخرى -وفق برمان- الذي أشار بأن هذا الرصد لا يمثل حصيلة نهائية، نظراً إلى صعوبة الوصول إلى المعلومات وصعوبة التحقيق في حالات الوفاة.
الموت تحت التعذيب وبالمرض
ولا تقتصر الانتهاكات الصحية داخل السجون الحوثية على الحالات التي انتهت بالوفاة؛ فقد وثقت منظمة سام في تقريرها «الموت البطيء» الصادر في فبراير 2019، أوضاع 41 معتقلاً كانوا يعانون أمراضاً وآلاماً تستدعي تدخلاً طبياً عاجلاً كعينة من المختطفين.
ورصدت رابطة أمهات المختطفين 183 مختطفاً مصابين بأمراض مختلفة، كان 95% منهم داخل سجون وأماكن احتجاز تابعة للحوثيين، كما وثق التقرير إصابة 11 مختطفاً بالسل الرئوي في سجن كلية المجتمع بمحافظة ذمار، وإصابة آخرين بفيروس الكبد في السجن المركزي بصنعاء.
وحرم غالبية المختطفين من العلاج وعدم اتخاذ الإجراءات الصحية اللازمة لمنع انتشار الأمراض، وأفادت التقرير "بأن ظروف الاحتجاز ساهمت في تدهور صحة المعتقلين، ومنها الاكتظاظ وانعدام التهوية والحرمان من التعرض للشمس، وانعدام التغذية السليمة والمياه والنظافة".
ومن الحالات التي أوردها التقرير خالد محمد محمود الحيث، الذي اعتُقل في فبراير 2016، وأصيب داخل السجن بالتهاب الكبد، ما استدعى إجراء عملية جراحية عاجلة في مستشفى المتوكل بصنعاء.
ورغم خضوعه للعملية، أعاد الحوثيين احتجازه اليوم التالي دون استكمال فترة النقاهة، فيما ذكرت وثيقة حقوقية لاحقة لمنظمة سام أنه توفي في 20 نوفمبر 2019 داخل معتقل الأمن السياسي.
وفي يونيو 2020، قالت منظمة سام إنها وثقت أكثر من ثلاثة آلاف حالة تعذيب خلال الفترة من 2014 حتى نهاية 2019، وأشارت إلى وفاة 26 شخصاً نتيجة التعذيب خلال عام 2019، بينهم 21 في سجون الحوثيين. كما أوردت حصيلة تراكمية بلغت 205 مدنيين توفوا تحت التعذيب خلال الفترة التي تناولها بيانها.
وفي فبراير 2024، وثقت المنظمة حالة جميل نعمان عرجال، البالغ من العمر 18 عاماً، الذي احتُجز سبعة أشهر في سجن سري تابع للحوثيين في منطقة الحوبان بمحافظة تعز، وتوفي في 15 يناير 2024.
وقالت المنظمة إنها اطلعت على شهادة الوفاة الصادرة عن مستشفى الثورة بتعز، ونقلت عن الطبيب الذي عاينه وصف آثار ضرب وحروق وصعق كهربائي وتلوث وسوء تغذية على جسده.
الوفاة بعد الخروج من السجن
وهناك صورة أخرى لجرائم ميلشيات الحوثي، عدد من الحالات الذين أفرج عنهم لم تكن مغادرة السجن نهاية للمعاناة، بل بداية المأساة وبعضهم توفي بعد أيام أو أسابيع، متأثرين بأوضاع صحية ارتبطت بفترة احتجازهم، وفق ما أوردته جهات حقوقية.
ومن هذه الحالات أحمد مبارك أحمد الفلك، الذي اعتُقل في صعدة يوم 5 يناير 2016، وتعرض للتعذيب تسبب استئصال إحدى كليتيه، وأُفرج عنه لتلقي العلاج، لكنه توفي على الفور، كما توفي ياسر أحمد عيسى النشيري في 17 أغسطس 2016، بعد شهر من الإفراج عنه حيث خرج من في سجن هبرة في صنعاء مشلولاً بعد عام من اختطافه.
وشملت الحالات أيضاً الطبيب الجراح منصور محمود الشبوطي، الذي اعتُقل في صنعاء يوم 12 يناير 2024 لنحو أسبوعين، وأُفرج عنه في وضع صحي متدهور، قبل أن يتوفى في نهاية الشهر ذاته.
كما توفي الأكاديمي بجامعة صنعاء عدنان عبد القادر الشرجي بعد الإفراج عنه في أكتوبر 2020، إذ ذكرت منظمة رايتس رادار أنه اعتُقل في 9 سبتمبر، وأُفرج عنه بعد شهر ثم توفي بعد نحو أسبوعين، متأثراً بتدهور حالته الصحية نتيجة التعذيب والحرمان من الأدوية.
وقال رئيس منظمة سام للحقوق توفيق الحميدي "إن منظمته رصدت حالات أُفرج فيها عن محتجزين وهم في أوضاع صحية متدهورة، ثم توفي بعضهم بعد الإفراج"، وأشار "أن ما رصدته منظمة سام، من حالات الاعتقال التعسفي منذ بداية الحرب يزيد على عشرة آلاف حالة".
وأضاف لـ"الصحوة نت"، أن المنظمة لا تمتلك عدداً ثابتاً ونهائياً للوفيات داخل السجون أو بعد الإفراج، بسبب صعوبة الوصول إلى المعلومات وتغير الحالات المرصودة، فضلاً عن أن كثيراً من الأسر لا تبلغ عن الاعتقالات، ووجود أماكن احتجاز غير قانونية لا تخضع لرقابة قضائية أو حقوقية كافية.
ولا تقتصر آثار الاحتجاز والتعذيب على من فقدوا حياتهم؛ فهناك ناجون خرجوا من السجون بإعاقات حركية أو شلل، ومن أبرز هذه الحالات جمال المعمري، الذي اختُطف في 13 مارس 2015، وظل محتجزاً نحو ثلاث سنوات وأفرج عنه وهو معاق ولا يستطيع الحركة إلى الآن.
صعوبات توثيق الجرائم
تتباين الأرقام التي تقدمها المنظمات الحقوقية بشأن الوفيات داخل السجون وبعد الإفراج، تبعاً للفترات الزمنية التي تغطيها، ومنهجيات التوثيق، وطبيعة الحالات التي تمكنت من الوصول إليها.
ورصدت منظمة رايتس رادار في تقريرها المعنون «قتلى تحت التعذيب» توثيق 271 حالة وفاة تحت التعذيب لدى أطراف الصراع منهم 205 حالات منها إلى الحوثيين، منهم 28 حالة وفاة نتيجة الإهمال الطبي، و35 حالة وفاة بعد الإفراج.
وتكشف إحصاءات الشبكة اليمنية للحقوق عن اتساع نطاق الانتهاكات في أماكن الاحتجاز التابعة لمليشيا الحوثي؛ ووثقت 1893 حالة تعذيب خلال الفترة من يناير 2018 حتى مطلع 2026.
ورصدت وفاة 394 حالة تحت التعذيب أو نتيجة الإهمال الطبي، و32 حالة تصفية جسدية، فضلاً عن إصابة 218 محتجزاً بإعاقات دائمة أو شلل أو فقدان للبصر والسمع. كما أحصت الشبكة 739 سجناً ومركز احتجاز، بينها 357 مركز احتجاز سرياً.
وقال المحامي عبد الرحمن برمان "أن الوصول إلى حصيلة دقيقة يصطدم بعوائق عدة، من بينها صعوبة الحصول على السجلات الطبية، ومنع بعض الأسر من الوصول إلى جثامين ذويها أو تصويرها".
وأضاف لـ"الصحوة نت"، إن ميلشيات الحوثي تشترط تسلم الجثمان ودفنه دون إجراء تشريح مستقل، فضلاً عن القيود المفروضة على عدد أفراد الأسرة المسموح لهم بالزيارة، وغياب التقارير الطبية التي تحدد أسباب الوفاة.
من جهته، يشير رئيس منظمة سام توفيق الحميدي إلى "محدودية وصول الأسر والمنظمات الحقوقية إلى المعلومات الطبية وتقارير التشريح، وعدم إتاحة البيانات الكافية في كثير من الحالات، وهو ما يعقّد التحقق المستقل من أسباب الوفاة والظروف التي سبقتها".
مسؤولية قانونية لا تنتهي بالإفراج
من الناحية القانونية، لا يؤدي الإفراج عن المحتجز إلى إسقاط المسؤولية عن الانتهاكات التي تعرض لها أثناء الاحتجاز. وقال برمان "أن المسؤولية قد تشمل الجهات التي أمرت بالاعتقال أو نفذته، ومسؤولي السجون والتحقيق والتعذيب، والجهات المسؤولة عن حماية المحتجزين وتوفير الغذاء والرعاية الطبية والظروف الإنسانية الملائمة".
وأضاف "أن وفاة شخص بعد اعتقاله وهو سليم، ثم تعرضه للتعذيب أو الإهمال الطبي داخل المعتقل، قد تشكل أساساً لمساءلة المسؤولين، حتى لو حدثت الوفاة بعد الإفراج عنه، متى أمكن إثبات الصلة بين الانتهاكات التي تعرض لها والوفاة".
ومن جانبه، قال توفيق الحميدي "أن وفاة أي محتجز تستوجب تحقيقاً مستقلاً ومحايداً، وأن ثبوت التعذيب أو الحرمان من العلاج أو التستر على أسباب الوفاة يوجب محاسبة المسؤولين وجبر ضرر الأسر".
وترى المحامية هدى سالم "أن الانتهاكات المرتكبة داخل أماكن الاحتجاز، بما فيها التعذيب والإخفاء القسري والحرمان من الرعاية الطبية، تستوجب تحقيقات مستقلة ومحاسبة المسؤولين عنها وفقاً للقانون".
ودعت في حديث لـ"الصحوة نت"، إلى تحرك دولي للكشف عن مصير المختفين، والتحقيق في حالات الوفاة داخل السجون، وضمان عدم إفلات المتورطين في هذه الانتهاكات من المساءلة.
وتبقى المطالبة بالكشف عن مصير جميع المحتجزين، وتمكين الأسر من معرفة الحقيقة، وضمان الرعاية الطبية والرقابة المستقلة على أماكن الاحتجاز، من أبرز المطالب التي تطرحها المنظمات الحقوقية في هذا الملف.