كيف خسر الحوثيون مبررات عدوانهم على تعز؟
Party
6 hours ago
share
لم تنجح ميليشيات الحوثي، رغم سيطرتها العسكرية على معظم مديريات محافظة تعز، في بناء سردية سياسية وإعلامية مقنعة تبرر وجودها أو تمنحها غطاءً شعبيا يمكن الاستناد إليه لتوسيع نفوذها في المحافظة. منذ بداية التصعيد العسكري الحالي، حاولت المليشيات تقديم رواية متماسكة تقوم على تصوير أبناء تعز باعتبارهم جماعة مناطقية وتكفيرية، غير أن هذه المحاولات اصطدمت بواقع اجتماعي وثقافي وسياسي مختلف، وأظهرت أن السيطرة على الأرض لا تعني بالضرورة امتلاك القدرة على تشكيل الوعي العام أو كسب التأييد الشعبي. وتقوم السردية الحوثية في تعز على مجموعة من الاتهامات التي تستخدمها المليشيات لتبرير هجومها العسكري، أبرزها تصوير أبناء المحافظة باعتبارهم دواعش وتكفيريين، واتهامهم بممارسة القتل على الهوية، إلى جانب التحريض المناطقي الذي يسعى إلى تقديم الصراع باعتباره مواجهة بين أبناء تعز وبقية اليمنيين. كما تحاول المليشيات الترويج لادعاءات بأن سكان المحافظة يطالبونها بالسيطرة عليها وتخليصهم من الحكومة اليمنية المعترف بها دوليا. الرفض المجتمعي والمقاومة المدنية لكن هذه الرواية لم تتمكن من إقناع الرأي العام، سواء داخل تعز أو في المحافظات اليمنية الأخرى، بأن المليشيات تمثل مشروعا مقبولا لدى السكان، أو أن تدخلها العسكري يستجيب لمطالب شعبية. فبدلا من أن تتحول السيطرة العسكرية إلى حاضنة اجتماعية، واجهت المليشيات حالة من الرفض والامتناع عن المشاركة في الفعاليات التي تحاول تنظيمها لإظهار وجود مؤيدين لها. ورغم محاولات التعبئة والترغيب، عجزت الميليشيات عن حشد الناس في تجمعات أو فعاليات شعبية يمكن تقديمها باعتبارها تعبيرا عن تأييد سكان المحافظة لوجودها، وهو ما كشف الفجوة بين قدرتها على فرض السيطرة بالقوة وبين قدرتها على الحصول على قبول اجتماعي أو سياسي. وامتد هذا الرفض إلى المؤسسات التعليمية والمرافق المدنية، حيث لم تتمكن من إقناع الطلاب وأولياء الأمور بالعودة إلى الدراسة، في ظل استمرار مقاطعة التعليم باعتباره أحد أشكال المقاومة لوجودها. كما شهدت مؤسسات القضاء ومرافق الدولة المدنية حالة من الإضراب والامتناع عن العمل، بما يعكس رفضا لسلطة المليشيات وعدم الاعتراف بها. وتكشف هذه المواقف أن الحوثيين لم يتمكنوا من تحويل السيطرة العسكرية إلى إدارة تحظى بقبول المجتمع، وأن استمرار وجودهم لا يعني بالضرورة قدرة مؤسساتهم على العمل بصورة طبيعية أو اكتساب ثقة السكان. تعز والامتداد الوطني: سقوط دعاوى المناطقية وفي الجانب الآخر، فشلت محاولات المليشيات تصوير أبناء تعز باعتبارهم جماعة مناطقية تسعى إلى السيطرة على المحافظة وإقصاء الآخرين. فتعز ليست مجتمعا مغلقا على أبنائه، بل محافظة ارتبطت تاريخيا بحركة واسعة من التنقل والعمل والتعليم، وانتشر أبناؤها في مختلف المحافظات اليمنية، وأسهموا في قطاعات متعددة، من التعليم والصحة والهندسة والبناء إلى المؤسسات الحكومية والمرافق المدنية. وقد جعل هذا الحضور الاجتماعي والمهني الواسع من الصعب تسويق خطاب يستهدف أبناء تعز باعتبارهم جماعة معزولة أو معادية لبقية اليمنيين؛ فوجودهم في مختلف المناطق، وعلاقاتهم الممتدة مع المجتمعات المحلية، أسهم في تشكيل معرفة مباشرة بهم، بعيدا عن الصور النمطية التي تحاول الجماعة تقديمها. كما أن تعز تضم مواطنين من مختلف المحافظات اليمنية، يعيشون فيها منذ سنوات طويلة، ويشكلون جزءا من نسيجها الاجتماعي وهو ما يضعف الادعاءات التي تحاول تصوير المحافظة باعتبارها مجتمعا مناطقيا مغلقا، أو تقديم الصراع فيها باعتباره مواجهة بين أبناء تعز وبقية اليمنيين. إرث الثقافة والتنوير في مواجهة اتهامات التطرف ولم يكن الاتهام بالتكفير والتطرف أكثر نجاحا من خطاب المناطقية؛ فتعز ارتبطت تاريخيا بالتعليم والثقافة والتنوير، واحتضنت أنشطة فكرية وأدبية وفنية وصحفية واسعة، ما جعل محاولات تصويرها باعتبارها بيئة متطرفة تصطدم بصورة اجتماعية وثقافية راسخة. كما أن هذا الخطاب ليس جديدا في تاريخ الحوثية، إذ تستخدم اتهامات التكفير والتطرف ضد خصومها السياسيين والعسكريين، وتوظفها لتبرير إقصائهم أو استهدافهم. وقد أصبح هذا الاتهام، في كثير من الحالات، أداة لتصنيف المعارضين وتقديمهم باعتبارهم خطرا على المجتمع، بدلا من التعامل معهم بوصفهم أطرافا سياسية تختلف مع مشروعها. وفي تعز، لم تتمكن هذه الاتهامات من إقناع قطاعات واسعة من اليمنيين، خصوصا مع استمرار حضور أبناء المحافظة في مختلف المجالات، ومع معرفة المجتمع اليمني بطبيعة علاقاتهم الاجتماعية والثقافية والمهنية. ويمنح التأثير الثقافي والفني لتعز هذه المحافظة حضورا يتجاوز حدودها الجغرافية؛ فقد أسهم أبناؤها في تشكيل المشهد اليمني في الأدب والشعر والصحافة والفن والمسرح والغناء والدراما، إلى جانب حضورهم في الطب والتعليم والهندسة والعمل المدني. وهذا الامتداد جعل تعز جزءا من الذاكرة الثقافية والاجتماعية المشتركة لليمنيين، وأضعف محاولات تصويرها باعتبارها جماعة مناطقية منفصلة عن بقية المجتمع. ويظهر هذا التأثير أيضا في منصات التواصل الاجتماعي، حيث يمتلك أبناء تعز حضورا واسعا في النقاشات العامة، ويستخدمون مختلف الوسائل الإعلامية لتقديم روايتهم للأحداث، وتفنيد الاتهامات التي توجهها الجماعة إليهم، ونقل ما يقولون إنها انتهاكات ترتكبها الميليشيات في مناطق المحافظة. وقد ساهم انتشار أبناء تعز في مختلف المحافظات، إلى جانب حضورهم الإعلامي والثقافي، في جعل محاولات التحريض عليهم أكثر صعوبة؛ فالرواية التي تحاول الحوثية تقديمها لا تواجه فقط سكان المحافظة، بل تواجه أيضًا أشخاصًا يعرفون أبناء تعز من خلال علاقات العمل والدراسة والحياة اليومية، ويستطيعون مقارنة الاتهامات المتداولة بالواقع الذي يعرفونه. وفي هذا السياق، يمثل التماسك المجتمعي الذي يظهره أبناء تعز أحد أبرز العوامل التي أضعفت السردية الحوثية؛ فقد تجلى هذا التماسك في رفض محاولات التعبئة، وفي استمرار مظاهر المقاومة المدنية، وفي القدرة على توثيق الانتهاكات بالصوت والصورة، وتقديم روايات مضادة عبر وسائل الإعلام ومنصات التواصل الاجتماعي. وتكشف تجربة تعز أن بناء السردية لا يعتمد فقط على امتلاك القوة أو السيطرة على المؤسسات، بل يحتاج إلى قدرة على إقناع المجتمع، وتقديم مشروع سياسي يحظى بالقبول، وإظهار أن السلطة تستند إلى إرادة السكان وليس إلى فرض الأمر الواقع. كما أن محاولة تقديم الصراع باعتباره مواجهة مناطقية أو دينية لا تكفي لتفسير واقع المحافظة، ولا تستطيع إلغاء علاقاتها الاجتماعية والثقافية الممتدة مع بقية اليمن؛ فتعز ليست مجرد مساحة جغرافية تسعى جماعة مسلحة إلى السيطرة عليها، بل مجتمع له تاريخ ثقافي وتعليمي ومدني، وله حضور واسع في مختلف مناطق البلاد.

Related News

( Yemeni Windows) محرك بحث إخباري لا يتحمل أي مسؤولية قانونية عن المواد المنشورة فيه لأنها لا تعبر عن رأي الموقع..

All rights reserved 2026 © Yemeni Windows