لماذا تدعم تركيا تحالف الدفاع في البحر الأحمر بقيادة السعودية؟
Civil
6 hours ago
share

أعلنت المملكة العربية السعودية مؤخراً عن إنشاء تحالف دفاع بحري متعدد الجنسيات للمساهمة في حماية حرية الملاحة في البحر الأحمر ومضيق باب المندب. وأيدت 14 دولة هذه المبادرة في بيان مشترك، وكان من بينها تركيا.

وخلال اتصال هاتفي مع ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان، رحب الرئيس التركي رجب طيب أردوغان بتأسيس التحالف الدفاعي البحري متعدد الجنسيات بقيادة السعودية، متمنياً له النجاح في تحقيق أهدافه. كما جدد أردوغان إدانة تركيا للهجمات التي تشنها ميليشيا الحوثي في اليمن على السفن في البحر الأحمر، معرباً عن دعم بلاده الكامل للمملكة.

واتفقت الدول الداعمة على استكمال الإجراءات الداخلية اللازمة للحياد الرسمي بميثاق التحالف، بما يتوافق مع الإجراءات الدستورية والقانونية لكل دولة. ورغم أن أنقرة لم تنضم رسمياً إلى المبادرة، فإن دعمها لها -باعتبارها الدولة الوحيدة العضو في حلف شمال الأطلسي (الناتو)- يحمل أهمية بالغة وتدفعه عوامل رئيسية عدة.

ويتمثل أول هذه العوامل في العلاقات التركية السعودية؛ إذ إن دعم المبادرة التي تقودها السعودية يعزز التوافق السياسي بين أنقرة والرياض، وهو التوافق الذي اتسع نطاقه حالياً من خلال شراكة دفاعية واقتصادية متينة.

وانطلاقاً من مفهوم “الملكية الإقليمية”، وهو مفهوم تؤكد عليه النخبة السياسية التركية باستمرار، تسعى تركيا لمعالجة القضايا الإقليمية بالتعاون مع دول المنطقة، وفي مقدمتها السعودية التي تعد دولة ذات ثقل إقليمي وتجمعها بتركيا عضوية منصات بارزة مثل مجموعة العشرين ومنظمة التعاون الإسلامي. فضلاً عن ذلك، تتشارك البلدان مخاوف وأولويات مشتركة اليوم أكثر من أي وقت مضى.

وقالت الدول المؤسسة إن إنشاء التحالف الدفاعي يمثل خطوة استراتيجية نحو تعزيز الأمن البحري في مضيق باب المندب والبحر الأحمر وخليج عدن، إلى جانب تعميق التعاون الدفاعي بين الدول الأعضاء.

وقد تنامى التعاون الدفاعي لتركيا مع السعودية خلال السنوات القليلة الماضية مع توافق الطموحات الجيوسياسية للبلدين، بدءاً من الصومال ووصولاً إلى اليمن والعديد من المناطق الأخرى.

كما تشارك تركيا في التكتل الرباعي الذي يضم أيضاً السعودية وباكستان ومصر، إلا أن التوافق السعودي التركي يعكس بالأساس حراكاً متزايداً للقوى الإقليمية المتوسطة.

وشهد النشاط اللوجستي بين الرياض وأنقرة طفرة ملحوظة تجاوزت حدود التعاون الثنائي التقليدي، وتجلى ذلك في توقيع مذكرات تفاهم بشأن السكك الحديدية والعمليات اللوجستية.

أما العامل الثاني فيتمثل في النفوذ الإقليمي. ففي ظل المتغيرات الإقليمية التي شهدتها المنطقة منذ السابع من أكتوبر/تشرين الأول 2023، لا تسعى تركيا إلى فرض هيمنتها على المنطقة عبر مبادرات أحادية الطرف، بل تختار التواجد ضمن مبادرات إقليمية عدة، سواء كانت متعلقة بقطاع غزة أو بمشاريع الربط الإقليمي. ويعد هذا التحالف البحري مبادرة جديدة تصب في هذا المسار.

ورغم أن تركيا لا تطل مباشرة على البحر الأحمر أو مضيق هرمز، فإن لديها مصالح عسكرية ودبلوماسية واقتصادية تمتد من شرق البحر الأبيض المتوسط إلى القرن الأفريقي؛ حيث تمتلك قاعدة عسكرية رئيسية في الصومال، وطالما سعت إلى لعب دور أمني أكبر في منطقة البحر الأحمر وخليج عدن.

بيد أن استراتيجية أنقرة تجاه هذه المناطق تشهد تحولاً من المسار الثنائي إلى المسار الإقليمي الشامل، من خلال استراتيجية منسقة مع السعودية ودول المنطقة الأخرى. وتهدف تركيا من وراء ذلك إلى تعزيز حضورها على طول طرق التجارة البحرية الحيوية، والتركيز على توسيع نفوذها في الموانئ الرئيسية بالقرن الأفريقي والبحر الأحمر.

ولا يمكن التغاضي عن الأهمية الاستراتيجية للبحر الأحمر ومضيق باب المندب بالنسبة للاقتصاد التركي وتجارته البحرية؛ إذ يمر عبرهما جزء كبير من تجارة تركيا مع آسيا وشرق أفريقيا. وبالتالي، فإن اضطراب الأمن في البحر الأحمر يضر بالمصالح التركية من خلال تقليل عدد الحاويات الواصلة إلى الموانئ في شرق المتوسط وزيادة التكاليف اللوجستية؛ ومن ثم تمتلك أنقرة مصلحة قوية في حماية حرية الملاحة في هذه الممرات البحرية الحيوية.

والعامل الثالث الذي يستحق الإشارة إليه هو أن هذا التحالف يتبدى في صورة مهمة أمنية بحرية دفاعية وليست قوة هجومية. ووفقاً لبيان الإطلاق، ينصب تركيز التحالف على حماية الملاحة التجارية، وتبادل المعلومات الاستخباراتية، وتنسيق الدوريات البحرية رداً على هجمات الحوثيين التي تستهدف السفن التجارية المرتبطة بالسعودية وغيرها من السفن التجارية.

وفي هذا السياق، يكتسب الدعم التركي أهمية سياسية تتجاوز قيمته العسكرية؛ إذ كان بمقدور التحالف أن يتشكل بدون أنقرة، غير أن وجود دعم قوي منها -باعتبارها العضو الوحيد في حلف الناتو- يمنح التحالف ثقلاً ورسائل دولية مختلفة.

ومع ذلك، يجب التذكير بأن تركيا تدعم هذه المبادرة بصفتها دولة مستقلة وليس نيابة عن حلف الناتو، الذي لا يتحمل أي التزامات ولا يمارس أي دور رسمي داخل هذا التحالف. ورغم ذلك، تقدم تركيا إمكانيات لا يملكها أي مشارك آخر، مثل القدرات البحرية المتقدمة، والخبرة في تبادل المعلومات الاستخباراتية، وسلاح بحرية ينفذ عمليات منتظمة خارج نطاق جغرافيتها المباشرة.

وقد استثمرت أنقرة بكثافة في توسيع قدراتها البحرية على مدى العقدين الماضيين. وتوفر المشاركة في مهام الأمن البحري متعددة الجنسيات للقوات البحرية التركية خبرة عملياتية ميدانية، وتثبت قدرتها على المساهمة العسكرية خارج حوض شرق المتوسط.

وبناءً على ذلك، تعتمد تركيا على قدراتها البحرية القوية، مما يمنحها مكانة فاعلة وبارزة في المبادرات المتعلقة بالأمن البحري.

علاوة على ذلك، يُغير الدعم التركي الانطباعات السائدة حول التحالف؛ إذ لا يبدو كامتداد للاستراتيجية الغربية، ولا ينطوي على استهداف مباشر لأي دولة بعينها، بل يظهر كجهد أمني إقليمي أوسع يركز بالأساس على صون حرية الملاحة.

وبعيداً عن الدوافع الأمنية المباشرة، يعكس دعم تركيا للمبادرة بقيادة السعودية رغبة أوسع في المساهمة في ترتيبات الأمن الجماعي التي تقودها أطراف إقليمية بدلاً من القوى الخارجية. ويتسق هذا مع تأكيد تركيا المستمر على أهمية “الملكية الإقليمية” والاستقلالية الاستراتيجية في معالجة الأزمات في المنطقة.

وخلاصة القول، إن دعم أنقرة لا ينبع فقط من الحاجة إلى حماية طرق التجارة، بل يهدف أيضاً إلى إسناد شريك إقليمي رئيسي وتعزيز دورها كقوة بحرية فاعلة تمتد مصالحها من شرق المتوسط إلى القرن الأفريقي والبحر الأحمر.

د.سينم جنكيز هي محللة سياسية تركية متخصصة في العلاقات التركية مع الشرق الأوسط.

*نشر أولاً في صحيفة عرب نيوز

*ترجمة وتحرير “يمن مونيتور”

The post لماذا تدعم تركيا تحالف الدفاع في البحر الأحمر بقيادة السعودية؟ appeared first on يمن مونيتور.

Related News

( Yemeni Windows) محرك بحث إخباري لا يتحمل أي مسؤولية قانونية عن المواد المنشورة فيه لأنها لا تعبر عن رأي الموقع..

All rights reserved 2026 © Yemeni Windows