أثار إعلان السفارة الأمريكية لدى اليمن تعيين الدبلوماسي نيل هوب قائماً بالأعمال، بدلاً من تعيين سفير جديد كما جرت العادة، تساؤلات حول دلالة الاكتفاء بتخفيض مستوى التمثيل الدبلوماسي من سفير إلى قائم بالأعمال، وما إذا كان ذلك يعكس تحوّلاً في نظرة إدارة الرئيس دونالد ترامب إلى الملف اليمني.
بالنسبة لي، لم يكن هذا التطور مفاجئاً، بل أراه خطوة منسجمة مع التحوّل الذي بدأ منذ عودة ترامب إلى البيت الأبيض؛ فمن أوائل القرارات التي اتخذتها الإدارة الجديدة كان إنهاء مهمة المبعوث الأمريكي الخاص إلى اليمن، تيم ليندركينغ وهو المنصب الذي استحدثته إدارة جو بايدن لأول مرة في فبراير 2021، ثم إعادة تيم إلى منصب كبير المسؤولين في مكتب شؤون الشرق الأدنى بوزارة الخارجية، من دون إعلان رسمي عن إلغاء المنصب.
في ذلك الوقت، كتبت أن هذه الخطوة تعكس، في تقديري، تراجع أولوية الملف اليمني مقارنة بعهد بايدن، وأن إدارة ترامب تتجه إلى دمج اليمن ضمن مقاربة إقليمية أوسع، بحيث لا يُنظر إليه كملف مستقل، وإنما كجزء من ملفات الشرق الأوسط المرتبطة بالبحر الأحمر وإيران وأمن الخليج.
كما رأيت أن إنهاء مهمة المبعوث الخاص يعني تراجع الانخراط الأمريكي المباشر في تفاصيل النزاع اليمني، والانتقال من الدبلوماسية النشطة والوساطة المباشرة إلى الاعتماد بصورة أكبر على القنوات الدبلوماسية التقليدية.
واليوم، يأتي الاكتفاء بتعيين قائم بالأعمال بدلاً من سفير ليعزز هذا الانطباع. والأهم من ذلك هو ما ورد في بيان السفارة الأمريكية نفسها، الذي حدد مهمة القائم بالأعمال بوضوح: تنفيذ أولويات إدارة ترامب، وفي مقدمتها حماية حرية الملاحة في البحر الأحمر، ومنع المنطقة من أن تصبح ملاذاً للجماعات الإرهابية أو منطلقاً لتهديد الأمن الإقليمي، وضمان أمن شركاء الولايات المتحدة.
ومن اللافت أن البيان لم يتحدث عن دعم العملية السياسية أو الدفع نحو تسوية شاملة للحرب، بقدر ما ركز على الأولويات الأمنية الأمريكية.
دلالات تغيير صفة ليندركينغ على الملف اليمني
مأرب الورد
فجأة ومن دون إعلان مسبق، تغيرت صفة تيم ليندركينغ من "المبعوث الأمريكي الخاص إلى اليمن" إلى "كبير المسؤولين في مكتب شؤون الشرق الأدنى" بوزارة الخارجية الأمريكية، في تحول يثير تساؤلات حول دلالاته السياسية، وكيف تنظر واشنطن… https://t.co/52n8nlNnKk pic.twitter.com/IEc5gHr1Na
— مأرب الورد (@mareb_alward) May 11, 2025
وهذا يقود، في تقديري، إلى استنتاج مفاده أن واشنطن تعيد الملف اليمني إلى مقاربته التقليدية التي سادت لسنوات طويلة، أي التعامل معه من منظور أمني بالدرجة الأولى؛ فما يعنيها اليوم هو التهديدات التي تتجاوز حدود اليمن، مثل تهديد الحوثيين للملاحة الدولية في البحر الأحمر، وما يرتبط به من الدور الإيراني في المنطقة وأمن حلفائها في الخليج، إلى جانب تهديد تنظيمي القاعدة و”داعش”، اللذين اعتادت التعامل معهما عبر الضربات الجوية والطائرات المسيّرة.
أما ما يجري داخل اليمن، ومسار الحرب، وشكل التسوية السياسية، فيبدو أنه لم يعد يحتل المكانة نفسها التي حظي بها خلال إدارة بايدن.
وإذا وضعنا هذا التطور في سياق السياسة الخارجية الأوسع لإدارة ترامب، القائمة على تقليص الوجود الدبلوماسي الأمريكي وإعادة هيكلة البعثات في عدد من الدول، فقد لا يكون مستبعداً أن تعيد واشنطن مستقبلاً النظر في شكل تمثيلها الدبلوماسي الخاص باليمن، خاصة أن السفارة الأمريكية تمارس أعمالها أصلاً من الرياض، ولا توجد مؤشرات واضحة على قرب انتهاء الحرب أو عودة العمل الدبلوماسي إلى داخل اليمن.
ولا أستبعد، إذا استمر هذا النهج، أن تُسند المهام المتعلقة باليمن إلى السفارة الأمريكية في الرياض ضمن اختصاصاتها الإقليمية، بدلاً من الإبقاء على بعثة مستقلة معنية بالملف اليمني.
وبطبيعة الحال، يبقى هذا تحليلاً للمؤشرات الحالية وليس تأكيداً لوجود قرار أمريكي بهذا الاتجاه، إلا أن تسلسل الخطوات منذ عودة ترامب، من إلغاء منصب المبعوث الخاص، إلى الاكتفاء بقائم بالأعمال، ثم حصر أولويات البعثة في الجوانب الأمنية، يشير إلى أن اليمن لم يعد يُنظر إليه في واشنطن كملف سياسي مستقل، بل كجزء من معادلة الأمن الإقليمي الأوسع.
The post هل تخفّض واشنطن اهتمامها باليمن؟ appeared first on يمن مونيتور.