يمن مونيتور/ مأرب/ عبدالله العطار
باتت آثار الحرب المستمرة في اليمن منذ أكثر من عشر سنوات تضاعف مخاطر الأستقرار النفسي لدى ملايين المواطنين الذين يخوضون معركة توفير المتطلبات الأساسية للعيش، في ظل أزمة اقتصادية وإنسانية هي الأسوء بحسب الأمم المتحدة.
في محافظة مأرب، التي تحولت خلال سنوات الحرب إلى ملاذ كبير للنازحين في البلاد، تتقاطع قصص النزوح مع معاناة السكان، لتشكل معا مشهدا إنسانيا معقدا تتداخل فيه الأعباء الاقتصادية والاجتماعية والنفسية، بينما تواصل الضغوط اليومية ترك بصماتها الثقيلة على حياة الجميع.
وبين الخيام المكتظة والأحياء السكنية المزدحمة، تعيش آلاف الأسر تحت وطأة قلق مستمر بشأن المستقبل، في وقت يؤكد فيه مختصون نفسيون أن الحرب خلقت جيلا كاملا يحمل آثارا نفسية قد تستمر لسنوات طويلة ما لم يتم التعامل معها ببرامج دعم نفسي واجتماعي حقيقية.
الضغوط الحياتية.. وجه الحرب الخفي
يقول الاستشاري النفسي الدكتور مهيوب المخلافي إن الضغوط النفسية تعد من أخطر النتائج غير المرئية للحروب، موضحاً أن تأثيرها لا يقتصر على الحالة المزاجية للفرد، بل يمتد ليؤثر على وظائف الجسم المختلفة وقدرته على التكيف مع الحياة.
ويضيف المخلافي “الضغوط الحياتية هي مجموعة العوامل الخارجية أو الداخلية التي تدفع الإنسان للخروج من حالة التوازن والراحة النفسية إلى حالة من التوتر والقلق المستمر، كما أنها قد تنشأ من الأفكار السلبية والتوقعات المسبقة أو من فقدان التوازن بين متطلبات الحياة واحتياجات النفس والروح”.
ويؤكد أن المجتمع اليمني واجه خلال السنوات الماضية ظروفا استثنائية لم يكن يتوقعها أحد، بدءا من الحرب المستمرة، مرورا بالنزوح وفقدان مصادر الدخل، وانتهاء بالتغيرات الاجتماعية والاقتصادية العميقة التي طالت مختلف جوانب الحياة.
نزوح طويل ومعاناة متجددة
في أحد مخيمات النزوح شمال مدينة مأرب، تجلس أم إسماعيل، وهي نازحة قدمت من محافظة تعز قبل سنوات، أمام خيمتها المتواضعة بينما تراقب أطفالها يلعبون في مساحة ضيقة بين الخيام.
تقول لـ”يمن مونيتور”: “لم نكن نتخيل أننا سنعيش كل هذه السنوات بعيداً عن منزلنا… في البداية كنا نظن أن النزوح سيستمر شهورا فقط، لكن السنوات مضت ونحن ما زلنا هنا.
وتضيف أن أكثر ما يرهقها ليس الظروف المعيشية فقط، بل الشعور الدائم بعدم الاستقرار والخوف على مستقبل أبنائها، مؤكدة أنها تعاني باستمرار من الأرق والصداع والتوتر.
أما النازح عبدالله أحمد، القادم من محافظة الحديدة، فيقول” أصبح التفكير المستمر في تأمين احتياجات الأسرة والبحث عن فرص عمل جعل القلق رفيقا دائما له.
ويتابع: “أحيانا أشعر بإرهاق شديد رغم أنني لم أبذل جهدا بدنيا كبيراً، لكن التفكير المستمر يستنزف الإنسان أكثر من أي عمل شاق”.
ورغم أن النازحين يمثلون الشريحة الأكثر تأثرا بتداعيات الحرب، إلا أن السكان المحليون في مأرب لم يكونوا بعيدين عن دائرة التأثر. فمع التوسع السكاني الكبير الذي شهدته المحافظة خلال سنوات الحرب، ازدادت الضغوط الاقتصادية والخدمية، وارتفعت تكاليف المعيشة وأسعار الإيجارات، ما خلق تحديات جديدة أمامهم تحديات جديدة.
ويقول المواطن محمد صالح ، أحد سكان المدينة، إن المحافظة استقبلت الملايين من النازحين، وهو ما أدى إلى تغيرات كبيرة في مختلف مناحي الحياة.
ويضيف: “نحن ندرك حجم معاناة النازحين وواجبنا تجاههم، لكن الجميع يواجه ضغوطا معيشية صعبة ،وهناك أعباء اقتصادية متزايدة ومسؤوليات أكبر من السابق.
ويرى مختصون أن الضغوط التي يتعرض لها المجتمع المضيف تختلف في طبيعتها عن تلك التي يعانيها النازحون، لكنها قد تقود إلى النتائج النفسية ذاتها إذا استمرت لفترات طويلة دون معالجة.
عندما يمرض الجسد بسبب النفس
يؤكد الدكتور المخلافي أن الضغوط النفسية لا تبقى حبيسة المشاعر والأفكار، لكنها تنعكس تدريجياً على صحة الإنسان الجسدية…ويوضح أن استمرار التوتر والقلق لفترات طويلة يؤدي إلى اضطرابات في الجهاز العصبي والجهاز الهضمي والجهاز التنفسي والعضلي، كما قد يتسبب في ظهور أعراض متعددة مثل الصداع المزمن والإرهاق والوهن واضطرابات النوم وفقدان التركيز.
ويشير إلى أن كثيرا من المرضى يراجعون العيادات الطبية بسبب أعراض جسدية مختلفة، بينما يكون السبب الحقيقي وراء تلك الأعراض ضغوطاً نفسية متراكمة لم يتم التعامل معها بالشكل الصحيح.
الأطفال.. الضحايا الأكثر تأثرا بالأزمات الممتدة
ويرى الأخصائي الاجتماعي عبدالرحيم محمد، أن الأطفال يعدون الفئة الأكثر تأثرا بالأزمات الممتدة، خصوصا أولئك الذين ولدوا خلال سنوات الحرب أو عاشوا تجارب النزوح وفقدان الاستقرار.
وتقول الأخصائية الاجتماعية سعاد محمد ، إن كثيرا من الأطفال النازحين تظهر عليهم مؤشرات القلق والخوف والانطواء وصعوبات التعلم، فضلاً عن بعض الاضطرابات السلوكية الناتجة عن التعرض المستمر للضغوط.
وتوضح أن الأطفال يلتقطون مشاعر التوتر لدى الكبار بسرعة كبيرة، ما يجعل توفير بيئة آمنة وداعمة لهم ضرورة ملحة للحفاظ على صحتهم النفسية.
كيف يمكن مواجهة الضغوط الحياتية؟
ويشدد المختصون على أن الوعي بطبيعة الضغوط النفسية يمثل الخطوة الأولى نحو التعامل معها والحد من آثارها.
ويؤكد الدكتور المخلافي أن تعزيز المرونة النفسية والتكيف مع المتغيرات الحياتية يساعد الأفراد على تجاوز كثير من الصعوبات، مشيراً إلى أهمية تنظيم الأفكار والتوقعات وعدم الاستسلام للمخاوف المرتبطة بالمستقبل.
وينصح الاخصائي النفسي، بتقليل التعرض المفرط للأخبار السلبية، والحفاظ على العلاقات الاجتماعية الإيجابية، وممارسة الأنشطة التي تساعد على التخفيف من التوتر، إضافة إلى طلب المساعدة النفسية المتخصصة عند الحاجة.
ويرى أن الاعتراف بالمشكلة النفسية ليس ضعفا، بل خطوة ضرورية نحو التعافي واستعادة التوازن.
تبدو معركة الصحة النفسية واحدة من أكثر المعارك تعقيدا وأقلها ظهورا للعيان في ظل الحرب. فبين الخيمة والحي السكني، وبين النازح والمواطن، تتشابه الهموم وإن اختلفت أسبابها، فيما يبقى الدعم النفسي والاجتماعي ضرورة ملحة لضمان ألا تتحول جراح الحرب غير المرئية إلى إرث دائم يثقل كاهل الأجيال القادمة.
The post الحرب التي لا تُرى في اليمن.. كيف تتحول الضغوط المعيشية إلى أزمات نفسية متراكمة؟ appeared first on يمن مونيتور.