وقف سقايات الماء في تريم بين الأصالة والحداثة وخدمة المجتمع
Society
4 hours ago
share

المتأمل في الشوارع والساحات العامة لمدينة تريم سيشاهد عدة سقايات (برادات) لتوفير مياه نقية وباردة صالحة للشرب بأشكال وأنواع متعددة قديمة وحديثة. تتميز العديد منها بالطراز المعماري الحضرمي، حتى أصبحت هذه السقايات تُشكّل تحفًا معمارية متناثرة في المدينة تعبر عن تراث المجتمع وثقافته، ناهيك عن الخدمات العظيمة التي تقدمها. ولم تكتفِ بتقديم الخدمات للمجتمع فقط، بل تعدى ذلك لتشمل حتى الحيوانات والنباتات، لتضرب أروع صور التماسك الاجتماعي والتعايش السلمي والحفاظ على البيئة. قد لا يتكرر ذلك المشهد في أي مدينة أخرى.

وعلى الرغم من انتشار هذه السقايات، فإنها لا تغطي حاجات الناس في جميع أنحاء مدينة تريم، فالمناطق الشرقية بحاجة إلى سقاية كبيرة، لتوفير مياه نقية وباردة تلبي احتياجات الناس، وتخفف عنهم شدة أعباء الحياة المعيشية الصعبة، خصوصًا وأنّ مشروع سقاية بشار الكبرى قد حقق نجاحًا كبيرًا.

في هذا المقال سنسلط الضوء عن وقف سقايات الماء في تريم خاصة في ظل التحديات التي تواجه المجتمع الحضرمي بسبب الحرب والأزمات الاقتصادية التي تمر بها البلاد، فضلًا عن الانقطاعات المتكررة للتيار الكهربائي وارتفاع درجات حرارة الشمس في وادي حضرموت، وما ينتج عن ذلك من حاجة ماسة للماء البارد.

كما يسعى المقال إلى توعية المجتمع بأهمية التراث الثقافي، والتكافل المجتمعي وأثره في تقديم خدمات عظيمة ومستدامة للمجتمع، لتخفف عنه شدة أعباء الحياة المعيشية الصعبة، من خلال وقف سقايات الماء التي تقوي الترابط الاجتماعي، فمن المتوقع أن يسهم المقال في تعزيز الوعي لدى الناس للحفاظ على وقف السقايات، وتشجيعهم للمشاركة في الأعمال التطوعية، والسعي لإطلاق مبادرات مجتمعية مماثلة لسقاية بشار الكبرى في مناطق أخرى، إضافة إلى أنّه سوف يسهم في توقيع شراكات مع الجهات المعنية. يجادل الخبراء أنّ بناء السقايات في تريم يخدم العديد من الأغراض الاجتماعية والثقافية، فهي لا تقتصر على توفير الماء، بل تعكس روح التعاون والوقف الخيري في المجتمع. ومع تصاعد النزاعات والأزمات التي تهدد التراث الثقافي اليمني، باتت هذه السقايات أيضًا جزءًا من الجهود لحماية الهوية الثقافية للمدينة والحفاظ على التراث للأجيال القادمة، وهو ما يعززه إطار الاتفاقيات الدولية مثل اتفاقية لاهاي (1954)م، واتفاقية التراث العالمي (1972)م.

ويشير الأستاذ أحمد كرامة باحماله، مندوب الهيئة العامة للآثار والمتاحف بوادي حضرموت ورئيس مؤسسة الرناد للتنمية الثقافية، إلى أنّ السقايات تمثل جزءًا أصيلًا من الهوية البصرية والثقافية للمدينة، فهي مؤسسات وقفية مصغرة تجسد عبقرية الإنسان الحضرمي في تطويع البيئة لخدمة الناس. وقد لعبت السقايات دورًا مجتمعيًا مهمًا قديمًا قبل الكهرباء، وحديثًا في ظل الأزمات الاقتصادية وانقطاع التيار الكهربائي وارتفاع درجات الحرارة، إذ توفر مياه شرب صالحة للمجتمع وتربط بين المحسن (الواقف) والمحتاج.

وتشهد مدينة تريم مشاركة واسعة من المتطوعين في بناء السقايات في الأماكن العامة؛ لتوفير مياه نقية وباردة للشرب خلال المناسبات، والزواجات، وللعطشى من المارة والعمال والمزارعين وطلاب العلم. كما اهتم بعضهم بتصريف المياه المتبقية لري الأشجار المحيطة، واستحداث أحواض خاصة لتوفير الماء للحيوانات، بما يعكس قيم الرحمة والرفق. بالإضافة إلى ذلك، تحمل هذه السقايات عناصر معمارية مميزة تُبرز التراث الثقافي والمعماري للمدينة.

وتعد “سقاية بشار الكبرى” أحد المشاريع الوقفية الناجحة، تقع في منطقة الخليف وسط مدينة تريم في ساحة عامة حيث تقام فيها بعض المناسبات الكبرى للمدينة، كصلاة العيدين وغيرها من المناسبات الأخرى. وقد افتتح المشروع في عام (2024)م من قِبل مؤسسة الوداد للتنمية، بالشراكة مع المجتمع من خلال إطلاق مبادرة تطوعية للمشاركة في المشروع؛ لوقف سقاية؛ لتوفير مياه نقية وباردة للشرب. تبلغ السعة التخزينية للمرحلة الأولى 14الف لتر، مع قدرة تبريد تصل إلى 5 الف لتر في وقت واحد. في حين أنّ المرحلة الثانية للمشروع زادت فيها السعة التخزينية إلى 18 ألف لتر، فضلًا عن تخصيص أماكن خاصة للنساء؛ نظرًا لشدة الازدحام عليها، ومراعاة الخصوصية للنساء، وقد صمم المشروع بشكل يُعبر عن التراث والآثار التي تتميز بها مدينة تريم.

من خلال ذلك المشروع تبيّن أنّ أفراد المجتمع أكثر تماسك وتعاون، كما أنهم مُحبون.

لقد حقق مشروع سقاية بشار الكبرى نجاحًا بارزًا بفضل ما يقدمه من مياه نقية وباردة صالحة للشرب على مدار اليوم، مستخدمة في المناسبات والزواجات، وللعطشى من المارة والعمال والمزارعين وطلاب العلم، رغم التحديات الاقتصادية والانقطاعات المتكررة للكهرباء وارتفاع درجات الحرارة. ويشير الأستاذ أحمد باحمالة إلى أنّ وقف السقايات يعزز الترابط الاجتماعي بين أفراد المجتمع، ويجسد قيم التكافل والتعاون التي تحمي المجتمع من التفكك وتزرع الألفة والسكينة بين الناس، كما يقلل هذا الشعور الضغط الاجتماعي الناتج عن الفقر والحرب. ويضيف أنّ مشاركة المجتمع في إنشاء هذه السقايات وصيانتها تؤدي إلى الحفاظ عليها من السرقة أو الإتلاف، إذ يشعر الجميع بأهميتها وبكونهم شركاء في إقامتها قبل أن يكونوا مستفيدين منها.

بناءً على ما سبق، يُعبر وقف سقايات الماء في ظل الحرب والأزمات الاقتصادية عن ثقافة راقية تعزز التكافل الاجتماعي وتقوي الروابط بين أفراد المجتمع، مما يسهم في تخفيف أعباء الحياة المعيشية الصعبة ويزرع روح السلام والتعايش. وتُعد سقاية بشار الكبرى وغيرها من السقايات في تريم نموذجًا حيًا لهذا التعاون، حيث تعكس جهود المجتمع والمؤسسات في تلبية احتياجات الناس، وتشجع على إطلاق مبادرات مماثلة في مناطق أخرى، خاصة في شرق تريم. كما تسهم هذه المشاريع التطوعية في توفير خدمات حيوية وفي الوقت نفسه تساعد على الحفاظ على التراث الثقافي للمدينة وترسيخ الإرث الحضاري للأجيال القادمة.

The post وقف سقايات الماء في تريم بين الأصالة والحداثة وخدمة المجتمع appeared first on منصتي 30.

Related News

( Yemeni Windows) محرك بحث إخباري لا يتحمل أي مسؤولية قانونية عن المواد المنشورة فيه لأنها لا تعبر عن رأي الموقع..

All rights reserved 2026 © Yemeni Windows