ظاهرة التنازع على الميراث في وادي حضرموت وسبل المعالجة
مجتمع إنساني
منذ 3 ساعات
مشاركة

أصبح التنازع على الميراث في وادي حضرموت ظاهرة اجتماعية تهدد تماسك الأسرة وتضرب في عمق العلاقات بين الأقارب. ففي مجتمع عُرف تاريخيًا بروابطه الأسرية المتينة وأعرافه القائمة على التكافل، باتت الخلافات حول الإرث سببًا مباشرًا في تفكك العديد من الأسر وقطع صلة الرحم، بل ووصول النزاعات إلى ساحات القضاء في قضايا كان يمكن احتواؤها داخل الإطار العائلي أو عبر الصلح الاجتماعي. وتتداخل عدة عوامل في تغذية هذه الظاهرة، من أبرزها ضعف الوعي بأحكام الميراث في الشريعة الإسلامية، وغياب التوثيق والوصايا، إضافة إلى انتشار الأمية القانونية والدينية. كما ساهمت الظروف التي تمر بها حضرموت، من اضطرابات وأزمات، في تعميق المشكلة، إلى جانب تراجع فاعلية الخطاب التوعوي، وبروز مظاهر الأنانية والطمع، وضعف الروابط الأسرية التي كانت تمثل في السابق صمام أمان للمجتمع.

وانطلاقًا من خطورة هذه الظاهرة وتداعياتها، يسعى هذا المقال إلى تسليط الضوء على أسبابها، واقتراح سبل عملية لمعالجتها، من خلال تفعيل دور الإصلاح المجتمعي، وتعزيز مكانة عقال الحارات، والمرجعيات الدينية، والشخصيات الاجتماعية ذات التأثير القبلي والعشائري، بما يسهم في إعادة بناء الثقة داخل الأسرة، وترسيخ قيم العدل وصلة الرحم.

وتؤكد الوقائع الميدانية في عدد من مناطق وادي حضرموت أن النزاعات على الميراث تحولت في بعض الحالات إلى صراعات محتدمة كادت أن تتطور إلى أشكال من العنف، وهو ما يكشف حجم الخلل في إدارة هذا الملف داخل الأسرة والمجتمع.

ففي منطقة عينات شرق، نشب خلاف بين عشائر من قبيلة واحدة حول إرث أراضٍ، وتطور النزاع إلى حدّ الاشتباك بالأيدي، قبل أن يتدخل أحد أبرز المرجعيات الدينية والاجتماعية، وهو المرحوم منصب عينات السيد حسن بن أحمد بن الشيخ أبي بكر، حيث عمل على جمع الأطراف المتخاصمة، والتحكيم بينهم، وإنهاء النزاع وديًا دون اللجوء إلى القضاء. وشهدت منطقة قسم شرق تريم عددًا من النزاعات حول ميراث الأراضي بين بعض القبائل، إلا أنّ هذه الخلافات تمت معالجتها عبر الصلح المجتمعي، من خلال الرجوع إلى الشيخ المقدم قيس بن العبد بن يماني التميمي، الذي اضطلع بدور محوري في إصلاح ذات البين وتقريب وجهات النظر.

تدلل هذه النماذج بوضوح أنّ وجود مرجعيات اجتماعية ودينية فاعلة لا يزال يشكل عاملًا حاسمًا في احتواء النزاعات والحد من تفاقمها، مما يدعو إلى إعادة تفعيل هذا الدور وتعزيزه كبديل ناجع عن التصعيد القضائي، خاصة في القضايا التي تمسّ النسيج الأسري بشكل مباشر.

وتعدّ التوعية الدينية بأهمية كتابة الوصية من أبرز الوسائل الوقائية للحد من النزاعات على الميراث، إذ تسهم الوصية في توضيح الحقوق وتقليل احتمالات الخلاف بين الورثة قبل وقوع النزاع. ويظهر أثر غياب الوصية في بعض الحالات الواقعية، كما حدث في منطقة قسم شرق تريم، حيث نشب خلاف بين إخوة حول ميراث منزل والدهم، نتيجة عدم وجود وصية تنظّم توزيع التركة. وقد أدى هذا الغياب إلى تصاعد النزاع بينهم، قبل أن يتدخل أحد الشيوخ، ويقوم بالتحكيم وفق أحكام المواريث في الشريعة الإسلامية، مما أسهم في إعادة التوافق بين الأطراف. وتؤكد هذه الحالة أن الوقاية عبر التوعية وكتابة الوصية تبقى أكثر فاعلية من العلاج بعد وقوع النزاع، كما تبرز الدور الأساسي للمرجعيات الدينية في تصحيح المسار وإعادة الأمور إلى نصابها الشرعي.

وختامًا، لا بد من وضع خارطة طريق واضحة لمعالجة هذه الظاهرة المجتمعية، إذ إن الحدّ من النزاعات على الميراث يتطلب جهدًا لتغيير السلوك، وتصحيح القناعات، وبناء وعي مجتمعي راسخ يقوم على العدل والتنظيم. وتكمن أبرز محاور المعالجة في تعزيز الوعي الديني والشرعي والقانوني بأحكام المواريث، وتفعيل دور التثقيف عبر خطب الجمعة والمنابر الدعوية، إلى جانب الحث على كتابة الوصية والتوثيق قبل الوفاة، لما لذلك من أثر كبير في تقليل فرص النزاع وحسم كثير من الإشكالات مبكرًا. ويمثل الصلح المجتمعي أحد أهم أدوات الاحتواء، من خلال تفعيل دور أهل الحكمة والرأي من الشيوخ، والمرجعيات الدينية، وكبار الأسرة، وعقلاء القبائل، والشخصيات الاجتماعية المشهود لها بالنزاهة. ويُستحسن كذلك إنشاء لجان داخل كل قبيلة أو أسرة كبيرة، تضم عددًا من ذوي الخبرة والحكمة، لتكون مرجعًا للنزاعات، مع توثيق قراراتها بمحاضر رسمية.

وفي جوهر الأمر، فإنّ مشكلة النزاع على الميراث في حضرموت ليست أزمة موارد بقدر ما هي أزمة وعي وإدارة وتنظيم. فمتى ما فُعِّلت أحكام الشريعة، ووُثِّقت الحقوق، وأُعطي الصلح مكانته قبل الخصومة، أمكن تحويل الإرث من سببٍ للفرقة إلى فرصة لتعزيز الروابط وصلة الرحم. فالإرث مالٌ يُقسَّم في لحظة، لكن أثره يمتد طويلًا؛ فإما أن يحفظ الأسرة لعقود، أو يهدمها لأجيال.

  • تم إعداد هذا المقال بدعم من مشروع توظيف الشباب من خلال التراث والثقافة في اليمن، ضمن مكوّن “المناصرة الثقافية”، الذي تنفذه منظمة اليونسكو بالشراكة مع مؤسسة حضرموت للثقافة، وبدعم مشترك من الاتحاد الأوروبي والمؤسسة، وتنشره منصتي 30 في إطار شراكتها الإعلامية مع المشروع.
  • المحتويات هي مسؤولية المؤلف فقط، ولا تعكس بالضرورة وجهات نظر اليونسكو، أو مؤسسة حضرموت للثقافة، أو الاتحاد الأوروبي.

The post ظاهرة التنازع على الميراث في وادي حضرموت وسبل المعالجة appeared first on منصتي 30.

أخبار ذات صلة.

( نوافذ يمنية) محرك بحث إخباري لا يتحمل أي مسؤولية قانونية عن المواد المنشورة فيه لأنها لا تعبر عن رأي الموقع..

جميع الحقوق محفوظة 2026 © نوافذ يمنية