مما يُحسب للدكتور ضياء العوّضي رحمه الله بإثارته للجدل المحتدم اليوم حول الغذاء والعلاج أنّه جعل خبراء التغذية يعيدون النظر في كثير مما كان يعتبر مسلمات غذائية وعلاجية. وهو جدل بدأ واهنًا ضعيفًا لكنّه بوفاة العوضي تلك الوفاة الغامضة المريبة تأتى له أن يتنامى وتتسع دوائره، وأن يصبح سجالا قويًّا بين المؤيدين والمناهضين.
ومما يُحسب له أيضًا تلك الجرأة في إماطة الستار عن كثير من المؤامرات الخفية التي تقف خلفها شركات علاجية وشركات تغذية عالمية تمارس في سبيل الجني السريع للأرباح ممارسات مضرة في صحة الإنسان، تجلّت في كثير من الميادين أخطرها وأوسعها ميدان الإنتاج الزراعي، حيث استخدمت تلك الشركات المشبوهة والمتخادمين معها شتى الممارسات المشبوهة، في تحويل الناتج الزراعي من مصدر تغذيةٍ مأمون إلى مزارع وبائية مثقلة بالأمراض والجينات والهندسة الوراثية، وبذلك تحوّلت السلال الغذائية التي كان يمتلكها الوطن العربي من واجهات أمانٍ غذائي إلى مصدر مزدحم بالأمراض والأوبئة المزمنة التي ازدادت وتيرتها في العقود الأخيرة تماشيا مع زيادة التدخلات المشبوهة في الحقل الزراعي العربي منذ اختيار البذور ووضعها في التربة مرورًا بعشرات الماركات من الأسمدة والمبيدات، وصولًا إلى جني المحاصيل وتخزينها وطحنها، وإيصالها إلى يد المستهلك المغلوب على أمره وباء مغلفًا بأغلفة جميلة مزركشة، لتأتيَ بعد ذلك شركات الأدوية مستكملة هذا الدور التخريبي، الذي نتج عنه إنسان عليل التغذية مزمنٌ لأدوية ثمينة كتب عليه أن يضل تحت رحمتِها حتى يوافيه أجله المحتوم.
ومثل هذه المؤامرة تنبأ بها مفكرون كثر قبل عقودٍ من الزمن وأشاروا إلى خطورتها، وأذكر منهم على سبيل المثال لا الحصر الشيخ محمد الغزالي والدكتور مصطفى محمود وغيرهم ممن أدركوا طرفًا من خيوط هذه المؤامرة فواجهوها بتعريتِها وتبصير الناس بمخاطرها. غير أنَّ الإعلام العربي يومذاك والرسمي منه على وجه التحديد ناهض أصوات التحذير هذه ووصفها بأنه أسيرة لنظرية المؤامرة. وصور إحساس هؤلاء الغيورين بالخطر على أنه قصور عن مجاراة النموذج الحضاري الغربي، وهذا القصور ولد حقدًا على هذه الحضارة، وفي محاضن هذا الحقد وُلِدت عقدةُ التوجِّسِ ضد كل ما يأتي من الغرب، وقد نال الإسلاميون الجزء الأكبر من هذا التوصيف، وأصبح كل ما يصدر عنهم من تنبيهات تندرج تحت عقدة المؤامرة إياها، وبذلك أُتيح المجال للأيادي المشبوهة وللقفازات التي استخدمتها في الوطن العربي أن ينفذوا كل ما خطّطوا له.
واليوم تأتي صرخة العوضي لتوضح صورة الغرب من جديد، والصرخة هذه المرة جاءت من عالم متخصص أنفق عقودًا من الزمن في دراسة التغذية العلاجية حتى وصل إلى ما وصل إليه. غير أنّ هذا الصوت القوي المسلح بكل حقائق العلم والمعرفة والدليل كان أكبر من أن يهال عليه تراب التجاهل ببيان أو بهجوم معاكس، فكان لا بدَّ أن يسكت قبل أن ينشر الغسيل القذر لهذه الشركات العابرة للقارات.. الشركات التي تأكل نصفنا بمنتجات زراعية موبوءة، ونصفنا الآخر بعقارات طبية مزمنة. يظلُّ المريض مأسورا لديها حتى تسلمه لمحطته الأخيرة.. للموت.