شهد نشاط مليشيا الحوثي الإرهابية داخل العراق تحولًا نوعيًا خلال السنوات الأخيرة، بعدما تجاوز حدود التواصل السياسي والإعلامي إلى بناء شبكة عمليات عسكرية وأمنية ولوجستية متكاملة، بدعم مباشر من الفصائل المسلحة الموالية لإيران، في تطور يعكس تصاعد دور الجماعة ضمن المشروع الإيراني في المنطقة.
وكشفت تقارير استخباراتية وإعلامية متقاطعة عن نجاح المليشيات في إنشاء مراكز قيادة، وإدارة برامج تدريب عسكري، وتوسيع شبكات التمويل والإمداد، مستفيدة من الحماية التي توفرها الفصائل العراقية النافذة، بما أتاح لها ترسيخ وجودها الميداني بعيدًا عن الأضواء، وتعزيز قدراتها العملياتية خارج اليمن.
ويحذر مراقبون من أن هذا التوسع يمنح مليشيا الحوثي الإرهابية مساحة أوسع لتطوير قدراتها العسكرية وتعزيز شبكاتها اللوجستية، كما يكرس استخدام الأراضي العراقية كقاعدة خلفية للتدريب والتمويل والتنسيق العملياتي، بما يخدم المشروع الإيراني ويضاعف التهديدات التي تواجه أمن المنطقة.
حضور علني
بدأ الحضور الحوثي في العراق قبل سنوات تحت غطاء التمثيل السياسي والاتصالات مع القوى المقربة من إيران، غير أن هذا الوجود شهد تحولًا متسارعًا منذ عام 2024، مع انتقال المليشيات من النشاط العلني المحدود إلى تأسيس بنية أكثر تنظيمًا واتساعًا تخدم أهدافها العسكرية.
وافتتحت المليشيا مقرًا في منطقة الجادرية بالعاصمة بغداد، قبل أن تضطر إلى إخلائه مع تصاعد الضربات الأمريكية ضد الفصائل الموالية لإيران، لتنقل مركز ثقلها إلى مواقع أكثر تحصينًا، بعيدًا عن الرقابة، وفي مقدمتها محافظة بابل ومنطقة جرف الصخر.
أصبحت مدينة جرف الصخر، الخاضعة لنفوذ الفصائل المسلحة الموالية لطهران، المعقل الأبرز لنشاط الحوثيين داخل العراق، حيث توفر بيئة مغلقة يصعب الوصول إليها، وتُستخدم لإدارة الاجتماعات، واستقبال القيادات، وتنفيذ برامج التدريب، وتنسيق التحركات العسكرية واللوجستية بعيدًا عن الأنظار.
في السياق، قال الصحفي العراقي عثمان المختار، إن جماعة الحوثي تحتفظ حاليًا بمقر داخل منطقة جرف الصخر، وتحديدًا في مزرعة تعود لجاسم الجنابي، تضم منزلاً كبيراً يقع قرب طريق منشأة التصنيع العسكري السابقة (الحكم).
وذكر المختار، في منشور له على فيسبوك، أن هذا الموقع أصبح مقرًا رئيسيًا للحوثيين بعد الغارة الأميركية التي استهدفت جرف الصخر أواخر يوليو/تموز 2024، وأسفرت عن مقتل القيادي الحوثي حسين مستور الشبل، إلى جانب القيادي في كتائب حزب الله أبو حسن المالكي.
هيكل منظم
لم يقتصر التوسع الحوثي داخل العراق على الانتشار الجغرافي، بل امتد إلى بناء هيكل تنظيمي يتولى إدارة مختلف الأنشطة العسكرية والأمنية واللوجستية، في مؤشر على أن وجود الجماعة بات جزءًا من منظومة عمليات متكاملة ترتبط بالفصائل المسلحة الموالية لإيران.
وفقًا لتقارير صحفية، يتولى القيادي الحوثي أبو إدريس الشرفي إدارة نشاط المليشيات والإشراف على علاقاتها مع قيادات الفصائل وهيئة الحشد الشعبي، بينما يقود أبو علي العزي برامج الطائرات المسيّرة والتدريب العسكري، إلى جانب تنسيق نقل الخبرات الفنية وتطوير القدرات العملياتية للجماعة.
وتشير المعلومات إلى أن عناصر الحوثيين يتحركون تحت حماية أمنية توفرها فصائل عراقية نافذة، مستفيدين من مقرات مشتركة وشبكات اتصال وإسناد لوجستي، بما يسمح بتبادل المعلومات الميدانية وتنسيق التحركات والأنشطة العسكرية بعيدًا عن أي رقابة رسمية فعالة.
ويرى مراقبون أن انتقال التعاون بين الحوثيين والفصائل العراقية إلى مجالات التدريب، والطائرات المسيّرة، والصواريخ بعيدة المدى، وإنشاء غرف تنسيق مشتركة، يعكس مستوى غير مسبوق من الاندماج داخل شبكة المليشيات المرتبطة بإيران، ويعزز قدرة الجماعة على توسيع عملياتها وتهديد أمن المنطقة.
واجهات مالية
وبالتوازي مع بناء القدرات العسكرية، عملت مليشيا الحوثي على تأسيس شبكة مالية ولوجستية داخل العراق، لتأمين مصادر تمويل مستقرة ودعم خطوط الإمداد، عبر واجهات مدنية وتجارية يعتقد أنها تُستخدم لتغطية أنشطة الجماعة وتحويل الأموال إلى خارج البلاد.
وتذكر تقارير أن القيادي فضل الشرفي يتولى إدارة الملف المالي، ويشرف على أنشطة لجمع الأموال عبر واجهات خيرية، أبرزها كيان يحمل اسم "مؤسسة المواطن الخيرية" في النجف، إلى جانب الإشراف على موارد البعثة الحوثية داخل العراق.
كما تنشط شخصيات مرتبطة بمليشيا الحوثي في مشاريع تجارية يحيط بها كثير من الغموض، تشمل مطاعم ومكاتب صرافة وشركات نقل وشحن، وسط ترجيحات بأن هذه الأنشطة تُستغل كواجهات لغسل الأموال، وتأمين التمويل اللازم لدعم عمليات الحوثيين داخل اليمن وخارجه.
ويشير محللون إلى أن تشابك هذه الشبكات مع اقتصاد الفصائل المسلحة المدعومة من إيران، وخطوط تهريب الأموال والمشتقات النفطية، يمنح الحوثيين مصادر تمويل وإسناد أكثر استقرارًا، ويعزز قدرتهم على تجاوز العقوبات الدولية، واستدامة أنشطتهم العسكرية والإقليمية.
تهديد يتجاوز اليمن
كشف مصدر أمريكي لقناة "الحدث" عن وجود تنسيق ميداني وعملياتي مكثف بين ممثلي مليشيا الحوثي والمليشيات الإيرانية في العراق، مؤكدًا أن عناصر حوثية أنشأت وجودًا ميدانيًا في العراق، وتعمل جنبًا إلى جنب مع الفصائل المسلحة العراقية الموالية لإيران.
ويؤكد خبراء أن تنامي الحضور الحوثي داخل العراق لا يمكن فصله عن استراتيجية إيران في ربط أذرعها المسلحة ضمن شبكة إقليمية واحدة، إذ باتت الجماعة تؤدي أدوارًا تتجاوز الساحة اليمنية، عبر التنسيق العسكري وتبادل الخبرات والمشاركة في ترتيبات عملياتية مع الفصائل الموالية لطهران.
وتعزز هذا التوجه، وفق تقارير دولية وإعلامية، مع إنشاء مراكز تنسيق مشتركة بين مكونات ما يعرف بـ"محور المقاومة"، وارتفاع مستوى التعاون في مجالات الطائرات المسيّرة والصواريخ والتخطيط العملياتي، بما يمنح الحوثيين قدرات أكبر على تنفيذ أنشطة عابرة للحدود.
كما ربط خبراء بين هذا التوسع وبين تحركات وتصعيدات إقليمية شهدتها المنطقة، كان آخرها الهجمات الإرهابية على المملكة العربية السعودية، معتبرة أن الأراضي العراقية تحولت إلى مساحة آمنة للتخطيط والتدريب والإسناد، بما يخدم أجندة إيران ويعزز نفوذها عبر المليشيات الحليفة في أكثر من ساحة.
ويرى مراقبون أن استمرار هذا التمدد الحوثي خارج اليمن، يفتح المجال أمام توسيع شبكاتهم العسكرية والمالية والاستخباراتية، بما يشكل تحديًا متزايدًا للأمن الإقليمي، ويعكس حجم الاستثمار الإيراني في توظيف المليشيا كذراع متقدمة لتنفيذ أجنداته في المنطقة.