لم تكن سعيدة محمد علي تتوقع أن تتحول رحلتها المعتادة لجلب المياه في ريف تعز، جنوب غربي اليمن، إلى لحظة قسمت حياتها إلى مرحلتين: ما قبل الثالث من يوليو/تموز 2022، وما بعده.
في ذلك الصباح، خرجت الأم البالغة من العمر 35 عاما من منزلها في قرية الشقب بريف تعز، تحمل عبوات المياه فوق رأسها، كما اعتادت نساء القرية. كان الطريق مألوفا، لكن لغما مدفونا تحت التراب كان ينتظر خطوتها.
تقول سعيدة لـ"الصحوة نت": "كنت أمشي وعلى رأسي عبوات المياه، وفجأة شعرت كأن زلزالا وقع تحت قدمي. سمعت انفجارا ضخما وأحسست بجسدي يتطاير، ثم لم أرَ سوى الغبار ولم أشعر إلا بألم يمزقني".
عندما استعادت وعيها في المستشفى، علمت أنها فقدت ساقيها، وأن الطريق الذي كانت تسلكه لتوفير الماء لأسرتها غير حياتها إلى الأبد.
في تعز، لا يقتصر خطر الحرب على جبهات القتال والقذائف؛ فثمة موت صامت يختبئ تحت الطرقات والمزارع ومناطق الرعي والاحتطاب، ويظل قادرا على حصد ضحاياه بعد سنوات من زراعته.
وتدفع النساء ثمنا مضاعفا لهذا الخطر، إذ تجبرهن ظروف الحرب وشح الخدمات على السير في طرق غير آمنة لجلب الماء والحطب والعمل في الحقول، فتتحول مهامهن اليومية إلى رحلة قد تنتهي بالموت أو الإعاقة الدائمة.
عمود البيت
قبل إصابتها، كانت سعيدة تعيل أربعة أطفال وزوجا أقعده المرض. كانت "عمود البيت"، كما تصف نفسها، تتولى جلب الماء وأعمال المنزل وتوفير ما تستطيع من احتياجات الأسرة.
لكن انفجار اللغم لم يسلبها ساقيها فحسب، بل غيّر حياة أسرتها كلها. اضطرت ابنتها الكبرى شيماء، البالغة من العمر 14 عاما، إلى ترك المدرسة لتعتني بوالدتها وإخوتها وتتولى شؤون المنزل.
حصلت سعيدة لاحقا على طرف صناعي ساعدها على الوقوف والتحرك، لكنه لم يُعد إليها شعورها بالأمان. تقول: "الطرف الصناعي ساعدني على الوقوف، لكنه لم يمسح الخوف من قلبي. كلما حاولت الخروج يسيطر عليّ الرعب من أن أطأ لغما آخر، وصوت الانفجار لا يزال يلاحقني".
لم تعد الطرق المحيطة بقريتها مسارات مألوفة، بل أماكن محتملة للموت، فيما أصبح اعتمادها على الآخرين جزءا مؤلما من حياتها الجديدة.
طفولة مبتورة
وفي حي الدعوة شرقي مدينة تعز، خرجت ندى منصور البريهي، البالغة من العمر 16 عاما، لجلب الحطب بسبب أزمة الوقود، فانفجر بها لغم أفقدها عينها اليسرى ويدها اليمنى، وترك شظايا في أجزاء من جسدها.
يقول والدها: "سمعنا صوت الانفجار وصراخ الجيران، فهرعنا إلى المكان ووجدناها ملقاة على الأرض ومضرجة بالدماء".
باع الأب ما استطاع بيعه لتغطية تكاليف العلاج، لكن آثار الإصابة بقيت أكبر من قدرة الأسرة. أصبحت ندى تحتاج إلى المساعدة في ارتداء ملابسها والتنقل والكتابة، وتحولت تفاصيل حياتها اليومية إلى معركة جديدة.
وتكشف قصتها أن مأساة الألغام لا تنتهي بانتهاء صوت الانفجار أو مغادرة المستشفى، بل تبدأ بعدها رحلة طويلة من العمليات الجراحية والتأهيل والتكيف مع الإعاقة، إضافة إلى الضغوط الاقتصادية والاجتماعية التي تتحملها الأسرة.
أطراف بلا دعم
في مركز الأطراف الصناعية والعلاج الطبيعي بمدينة تعز، تتكرر قصص سعيدة وندى بأسماء وتفاصيل مختلفة.
ويقول مدير المركز، الدكتور عبدالرحيم القاسمي، إن المركز استقبل خلال الفترة الأخيرة أكثر من 50 مصابا بالألغام من مناطق عدة، بينها مديريات الساحل، ولا يزال يستقبل حالات جديدة، من بينها نساء وفتيات.
وبحسب القاسمي، تجاوز عدد مبتوري الأطراف في تعز 1200 حالة، في وقت يعاني فيه المركز من شح المواد ونقص الكادر والإمكانات.
ويضيف أن تقليص اللجنة الدولية للصليب الأحمر حجم دعمها للمركز بنسبة 40% زاد الضغط عليه، بالتزامن مع ارتفاع أعداد المحتاجين إلى الأطراف الصناعية والعلاج الطبيعي من داخل المحافظة وخارجها.
ولا تنتهي رحلة المصاب بتركيب الطرف الصناعي، إذ يحتاج إلى تدريب وعلاج طبيعي وصيانة دورية، وقد يضطر إلى استبداله لاحقا، وهي خدمات تفوق كلفتها قدرات معظم الأسر.
وتقدر اللجنة الدولية للصليب الأحمر أن نحو 4.5 ملايين يمني يعيشون مع شكل من أشكال الإعاقة، فيما يحتاج مئات الآلاف إلى وسائل مساعدة على الحركة وأطراف صناعية أو أجهزة تقويمية، وهو ما يكشف حجم الضغط على منظومة تأهيل محدودة.
صدمات عميقة
لا تقتصر آثار الألغام على الجسد. فبحسب المستشارة النفسية ثريا عزالدين، تحمل الناجيات صدمات عميقة تمتد إلى حياتهن النفسية والاجتماعية.
وتوضح أن المرأة حين تفقد طرفا من جسدها قد تفقد معه استقلاليتها وقدرتها على الحركة ورعاية أسرتها، وهو تحول مفاجئ يهز شعورها بالأمان وهويتها الشخصية.
وتظهر اضطرابات ما بعد الصدمة في صورة كوابيس متكررة، واستعادة للحظة الانفجار، وخوف من الخروج أو السير في الأماكن المفتوحة، إلى جانب الاكتئاب والشعور بالعجز وفقدان الأمل.
وتتفاقم المعاناة حين تعجز المرأة عن أداء أدوارها بوصفها أما أو معيلة، أو تواجه نظرة اجتماعية قاسية إلى الإعاقة، في ظل محدودية خدمات الدعم النفسي المتخصصة.
أسر منكوبة
تكشف التقارير الحقوقية أن كثيرا من حوادث إصابة النساء وقعت في الطرق المؤدية إلى مصادر المياه ومناطق الاحتطاب والرعي والعمل الزراعي، وهي أماكن يضطررن إلى ارتيادها يوميا.
وبحسب إحصائية نشرها مشروع "مسام"، نقلًا عن المركز التنفيذي للتعامل مع الألغام في تعز، قُتلت أو أُصيبت 220 امرأة وفتاة في المحافظة خلال الفترة من عام 2017 حتى فبراير/شباط 2023؛ منهن 17 قتيلة و203 مصابات، من إجمالي 1222 ضحية مدنية سُجلت خلال الفترة نفسها.
وعلى مستوى اليمن، سجل مرصد الألغام خلال عام 2024 مقتل وإصابة 265 شخصًا بالألغام ومخلفات الحرب المتفجرة، وكان معظمهم من المدنيين.
كما أظهرت بيانات حديثة مقتل وإصابة 45 طفلًا بالألغام والذخائر غير المنفجرة خلال النصف الأول من عام 2026، ما يؤكد أن الخطر لا يزال قائما رغم تراجع حدة المواجهات.
لكن الأرقام لا تختصر المأساة؛ فخلف كل إصابة أسرة فقدت معيلتها، أو طفلة غادرت المدرسة لرعاية أمها، أو أب باع ممتلكاته لعلاج ابنته، أو ناجية تحاول تعلم الحركة والكتابة من جديد.
حياة بعد الانفجار
في منزلها بقرية الشقب، تحاول سعيدة التكيف مع حياتها الجديدة. تتحرك بمساعدة طرف صناعي، بينما تتنقل شيماء بين المطبخ وإخوتها واحتياجات والدتها، في واقع فرضه لغم كان مخفيًا في طريق الماء.
لا تطلب سعيدة أكثر من أن تتمكن من الخروج دون خوف، وأن تعود ابنتها إلى المدرسة، وأن تحصل على علاج وتأهيل يساعدانها على استعادة شيء من استقلاليتها.
ويضع استمرار سقوط الضحايا الجهات الحكومية والمنظمات الدولية أمام مسؤولية لا تقتصر على نزع الألغام، بل تشمل التوعية بمخاطرها، وتوفير الأطراف الصناعية والعلاج الطبيعي والدعم النفسي، وتمكين الناجيات اقتصاديًا.
أما سعيدة، فلا يزال صوت ذلك الصباح يسكن ذاكرتها. تنظر إلى الطريق الذي اعتادت عبوره لجلب الماء، لكنه لم يعد كما كان؛ فقد انتزع ساقيها، وأوقف تعليم ابنتها، وترك أسرتها تخوض معركة يومية للعيش بعد الانفجار.