اليمن في التناولات البحثية والإعلامية الدولية
تقارير وتحليلات
منذ 9 ساعات
مشاركة

المقدمة

شهد شهر يوليو 2026 تطورات أعادت اليمن إلى واجهة التفاعلات الإقليمية، بعدما تجاوزت تداعيات الصراع فيه الإطار الداخلي لتصبح جزءًا من المشهد الأمني في الشرق الأوسط، فقد تزامن تصاعد التوتر بين جماعة الحوثيين والمملكة العربية السعودية مع اتساع تداعيات المواجهة بين إيران وإسرائيل والولايات المتحدة، في وقت برز فيه البحر الأحمر وباب المندب بوصفهما محورين رئيسيين في معادلات الردع الإقليمي وأمن الملاحة الدولية. وفي المقابل، واصلت الأزمات الاقتصادية والإنسانية تعميق هشاشة الأوضاع الداخلية، بالتزامن مع تعثر المسار السياسي وتزايد مؤشرات التصعيد العسكري.

وتعكس هذه التطورات اتساع نطاق الأزمة اليمنية، التي لم تعد تقتصر على موازين القوى المحلية، بل باتت ترتبط بصورة متزايدة بالتحولات الإقليمية وقضايا أمن الطاقة والممرات البحرية وشبكات النفوذ المتنافسة في المنطقة. وأصبحت التحركات العسكرية والسياسية للأطراف اليمنية جزءًا من معادلات إقليمية ودولية أوسع، الأمر الذي جعل مسار الصراع أكثر ارتباطًا بالتوازنات الخارجية وتأثرًا بها.

ويستعرض هذا التقرير أبرز التطورات التي شهدها اليمن خلال شهر يوليو 2026، من خلال تحليل مسارات التصعيد العسكري، ودراسة موقع جماعة الحوثيين ضمن الاستراتيجية الإيرانية، ورصد انعكاسات التوترات الإقليمية على أمن البحر الأحمر والملاحة الدولية، إلى جانب قراءة في اقتصاد الحرب والتحديات التي تواجه الاقتصاد اليمني.

باب المندب: نقطة ارتكاز في معادلة الردع الإقليمي

حذرت صحيفة ديلي تلغراف البريطانية من أن إيران تعمل على تحويل باب المندب إلى ورقة ضغط استراتيجية موازية لمضيق هرمز، من خلال توسيع نفوذ جماعة الحوثيين في البحر الأحمر والقرن الأفريقي. ونقلت الصحيفة عن مصادر مطلعة أن الجماعة تمهد لإمكانية إغلاق المضيق مستقبلًا ضمن استراتيجية تستهدف زيادة الضغط على الولايات المتحدة وإلحاق خسائر بالاقتصاد العالمي. كما أشارت إلى وجود مؤشرات على تنسيق متزايد بين الحوثيين وحركة الشباب في الصومال، يشمل نقل تقنيات الطائرات المسيّرة، إلى جانب إعادة هيكلة المنظومة القيادية للجماعة وفق نموذج “قادة الظل” لضمان استمرارية القيادة في حال استهداف الصف الأول. وربطت هذه التقديرات بانحسار مسار التهدئة منذ عام 2022، بالتزامن مع تصاعد التوتر بين الحوثيين والمملكة العربية السعودية، واتساع نطاق المواجهة الأمريكية–الإيرانية المرتبطة بمضيق هرمز.

وفي السياق ذاته، يرى تقرير صادر عن تشاثم هاوس أن الحصار البحري الذي أعلنه الحوثيون ضد السعودية يمثل تحولًا في طبيعة التهديدات التي تواجه أمن الملاحة، إذ يضع الحكومات أمام خيارين مكلفين: تحمل الخسائر الاقتصادية أو اللجوء إلى التصعيد العسكري. كما يكشف عن قدرة الفاعلين من غير الدول على التأثير في حركة التجارة العالمية. ويذهب التقرير إلى أن التصعيد الإيراني في مضيق هرمز يندرج ضمن استراتيجية “التصعيد من أجل خفض التصعيد”، الهادفة إلى رفع كلفة المواجهة بما يدفع الولايات المتحدة إلى استئناف المفاوضات بشروط أكثر ملاءمة لطهران، بينما يشكل انخراط الحوثيين في البحر الأحمر أداة لاستنزاف حلفاء واشنطن وتوسيع نطاق الضغط الإقليمي دون الانخراط المباشر في مواجهة واسعة.

ويشير التقرير إلى أن الحوثيين لا يتحركون بوصفهم مجرد أداة إيرانية، بل يحتفظون بهامش من الاستقلالية في اتخاذ القرار بما يخدم أهدافهم المحلية والإقليمية. فتعطيل الملاحة يمنح الجماعة وسيلة للضغط على المملكة العربية السعودية لإحياء خارطة الطريق السياسية المتوقفة منذ أواخر عام 2023، واستئناف الترتيبات المالية التي تعزز مواردها، إلى جانب ترسيخ مكانتها داخل “محور المقاومة” في ظل تراجع نفوذ حزب الله، والحفاظ على دورها بوصفها فاعلًا إقليميًا مؤثرًا.

كما يوضح التقرير أن استراتيجية الحوثيين لا تستند إلى تحقيق تفوق عسكري أو إغراق أعداد كبيرة من السفن، بقدر ما تستهدف ترسيخ حالة من عدم اليقين تدفع شركات التأمين إلى رفع أقساطها، وشركات الشحن إلى تغيير مساراتها، بما يزيد كلفة التجارة العالمية ويحقق أثرًا سياسيًا واقتصاديًا يتجاوز الإمكانات العسكرية للجماعة. ومع ذلك، يشير التقرير إلى أن استمرار هذه الاستراتيجية يواجه تحديات، في مقدمتها الضربات الأمريكية التي أضعفت جزءًا من القدرات العسكرية للجماعة، إلى جانب استمرار اعتمادها على إيران في بعض التقنيات المتقدمة، رغم توسعها في التصنيع العسكري المحلي.

ويخلص التقرير إلى أن استمرار تعطيل الملاحة في باب المندب ومضيق هرمز قد يدفع بعض الدول إلى إبرام ترتيبات منفردة مع إيران أو الحوثيين لضمان مرور سفنها، بما يهدد منظومة الأمن البحري الجماعي ويشجع استخدام الممرات البحرية أداةً للإكراه السياسي. وفي المقابل، يدعو إلى تعزيز الأطر الدولية القائمة لحماية الملاحة، من خلال توسيع التحالفات البحرية متعددة الجنسيات، وتكثيف عمليات المرافقة وتأمين مسارات العبور، محذرًا من أن الاعتماد المتزايد على شركات الأمن البحري الخاصة قد يزيد من تعقيد التنسيق العسكري ويرفع مخاطر سوء التقدير في واحدة من أكثر الممرات البحرية حساسية على مستوى العالم.

إعادة تموضع اليمن في الاستراتيجية الإيرانية

ترى دراسة صادرة عن معهد الشرق الأوسط (Middle East Institute) أن الحرب الأخيرة بين الولايات المتحدة وإسرائيل وإيران كشفت تحولًا في المقاربة الإقليمية لطهران، إذ لم تعد تنظر إلى جماعة الحوثيين باعتبارها مجرد وكيل عسكري في اليمن، بل أحد المحاور الرئيسة في إعادة تشكيل “محور المقاومة” ضمن شبكة أكثر تكاملًا وتنسيقًا تمتد من الخليج العربي إلى البحر الأحمر. وتذهب الدراسة إلى أن إيران تسعى إلى تجاوز نموذج دعم الحلفاء نحو بناء منظومة إقليمية مترابطة قادرة على تنسيق الضغوط العسكرية والسياسية عبر أكثر من ساحة في وقت واحد، بما يعزز قدرتها على الردع ويرفع كلفة أي مواجهة مع الولايات المتحدة وحلفائها.

وفي هذا الإطار، يحتل باب المندب موقعًا متقدمًا إلى جانب مضيق هرمز بوصفهما ممرين استراتيجيين للتأثير في حركة التجارة العالمية وأمن الطاقة، وهو ما يتقاطع مع ما خلص إليه المحور السابق. وتفسر الدراسة محاولات إيران إعادة تشغيل الرحلات الجوية المباشرة بين طهران وصنعاء باعتبارها خطوة تتجاوز أبعادها السياسية، إذ تهدف إلى إنشاء جسر جوي دائم يربط إيران بالمناطق الخاضعة لسيطرة الحوثيين، بما يسهل نقل الأفراد والخبرات والمعدات العسكرية، ويعزز قدرة طهران على دعم الجماعة وترسيخ حضورها العملياتي في اليمن. كما تعكس، بحسب الدراسة، مواصلة هذه الرحلات رغم استهداف مطار صنعاء وتحويل إحدى الرحلات إلى الحديدة، الأهمية التي يمثلها هذا المسار ضمن الرؤية الإيرانية بعيدة المدى.

وتشير الدراسة إلى أن الحوثيين أصبحوا يشكلون ركيزة رئيسة في هذه المرحلة، ليس فقط من خلال قدرتهم على تهديد الملاحة في البحر الأحمر، وإنما أيضًا عبر توسيع نطاق نشاطهم نحو القرن الأفريقي، بما يتقاطع مع ما أوردته صحيفة ديلي تلغراف بشأن تنامي التنسيق مع حركة الشباب في الصومال. كما تلفت إلى مؤشرات متزايدة على التعاون بين الحوثيين وجهات مسلحة في الصومال، إلى جانب بناء شبكات لوجستية وبشرية على امتداد الساحل الأفريقي للبحر الأحمر، بما يوفر لإيران عمقًا عملياتيًا إضافيًا خارج اليمن ويعزز قدرتها على التأثير في أحد أهم الممرات البحرية الدولية.

وتوضح الدراسة أن إيران لم تعد تعتمد على تزويد حلفائها بالسلاح والتمويل فحسب، بل اتجهت إلى نقل التكنولوجيا والخبرات العسكرية وبناء قدرات محلية لدى شركائها، بما يمكنهم من تطوير إمكاناتهم بصورة أكثر استقلالًا وتعزيز مستوى التكامل فيما بينهم. وتتقاطع هذه الملاحظة مع ما أورده تقرير تشاثم هاوس بشأن هامش الاستقلالية الذي يتمتع به الحوثيون. ووفقًا للدراسة، يمثل هذا النهج أساس التحول من شبكة وكلاء تقليدية إلى منظومة إقليمية مترابطة قادرة على الحفاظ على فاعليتها حتى في حال تعرض أحد أطرافها لضغوط أو خسائر عسكرية.

وتخلص الدراسة إلى أن تنامي أهمية اليمن في الحسابات الإيرانية لا يقتصر على دوره في تهديد الملاحة عبر باب المندب، بل يمتد إلى كونه مركزًا لوجستيًا وعملياتيًا يربط الخليج العربي بالبحر الأحمر والقرن الأفريقي، بما يتيح لإيران ممارسة ضغوط متزامنة على مضيقي هرمز وباب المندب وتوسيع نطاق نفوذها الإقليمي في مرحلة ما بعد الحرب الأخيرة. ويعكس هذا التحول، وفقًا للدراسة، انتقال السياسة الإيرانية من إدارة الأزمات عبر وكلاء منفصلين إلى بناء شبكة إقليمية أكثر ترابطًا واستدامة، يصبح فيها اليمن أحد أهم مرتكزات النفوذ الإيراني في المنطقة.

تداعيات التصعيد الحوثي على أسواق الطاقة والتجارة البحرية العالمية

يرى تقرير نشرته Daily Caller News Foundation أن توسيع جماعة الحوثيين عملياتها العسكرية ضد المملكة العربية السعودية لم يعد يقتصر على أبعاده العسكرية، بل أصبح عاملًا مؤثرًا في أسواق الطاقة العالمية وأمن التجارة البحرية. ويشير إلى أن استهداف المنشآت النفطية السعودية، ومن بينها منشأة بقيق التابعة لشركة أرامكو، بالتزامن مع الهجمات على ناقلات النفط في البحر الأحمر، يزيد من الضغوط على إمدادات النفط العالمية ويعزز المخاوف بشأن استقرار أسواق الطاقة.

ووفقًا للتقرير، جاءت هذه الهجمات ضمن موجة تصعيد بدأت في 22 يوليو باستهداف ناقلتي نفط سعوديتين، قبل أن تمتد إلى البنية التحتية النفطية، وهو ما أسهم في ارتفاع أسعار خام برنت، وسط توقعات باستمرار تقلبات الأسعار إذا تواصلت الهجمات على منشآت الطاقة وخطوط الملاحة.

وينقل التقرير عن الخبير في القانون والأمن البحري إيان رالبي أن التهديد الحوثي أصبح أكثر تأثيرًا مقارنة بالسنوات الماضية، مستدلًا باستمرار تراجع حركة الملاحة في البحر الأحمر إلى أقل من نصف مستوياتها المسجلة قبل بدء الهجمات على السفن التجارية أواخر عام 2023. ويعزو ذلك إلى تطور استراتيجية الجماعة في تعطيل التجارة البحرية، مستفيدةً من الخبرة المتراكمة خلال السنوات الماضية، ومن الخبرات الإيرانية في إدارة الضغوط غير المتماثلة.

كما يبرز التقرير الأهمية الاستراتيجية للبحر الأحمر وقناة السويس في حركة التجارة العالمية، موضحًا أن نحو 15% من التجارة البحرية العالمية و30% من تجارة الحاويات كانت تمر عبر قناة السويس قبل اندلاع الهجمات الحوثية، الأمر الذي يجعل أي اضطراب في باب المندب ذا انعكاسات مباشرة على سلاسل الإمداد الدولية. ويحذر التقرير من أن أي اضطراب متزامن في مضيقي هرمز وباب المندب قد يفرض ضغوطًا غير مسبوقة على الاقتصاد العالمي، بالنظر إلى الدور الحيوي للمضيقين في نقل النفط الخام والغاز الطبيعي المسال والمنتجات البترولية وعدد من السلع الاستراتيجية، وهو ما يتوافق مع ما خلصت إليه دراسة معهد الشرق الأوسط وتقرير تشاثم هاوس في المحورين السابقين.

ويؤكد التقرير أن استهداف التجارة البحرية لا يتطلب قدرات عسكرية كبيرة أو تكاليف مرتفعة، في حين يترتب عليه أثر اقتصادي واسع من خلال رفع تكاليف التأمين البحري وإجبار شركات الشحن على تغيير مساراتها، بما يزيد تكاليف النقل ويؤثر في أسعار الطاقة والسلع العالمية. كما لا يستبعد امتداد المخاطر مستقبلًا إلى قناة السويس إذا تصاعدت الاضطرابات في باب المندب، بما قد يضاعف الضغوط على حركة التجارة الدولية.

ويتناول التقرير كذلك محدودية فعالية المقاربة العسكرية في مواجهة الحوثيين، مشيرًا إلى أن الحملة الأمريكية عام 2025، رغم كلفتها المرتفعة، لم تنجح في وقف الهجمات البحرية أو تحييد القدرات العسكرية للجماعة بصورة حاسمة، وانتهت إلى اتفاق بوساطة عُمانية وفر الحماية للسفن الأمريكية دون أن يشمل بقية السفن التجارية. ويرى أن قدرة الجماعة على الحفاظ على جزء كبير من قدراتها العسكرية، رغم الضربات الجوية المكثفة، أثارت تساؤلات بشأن جدوى الاعتماد على الخيار العسكري وحده في احتواء هذا التهديد.

ويخلص التقرير إلى أن التحدي الذي تمثله جماعة الحوثيين تجاوز نطاق الصراع اليمني ليغدو عاملًا مؤثرًا في أمن الطاقة العالمي واستقرار سلاسل الإمداد الدولية. ويشير إلى أن استمرار استخدام باب المندب كورقة ضغط استراتيجية قد يرسخ حالة من عدم اليقين في أسواق الطاقة والتجارة البحرية، بما يفرض تحديات متزايدة على الدول المستوردة للطاقة، وقطاع النقل البحري، والاقتصاد العالمي بصورة عامة.

الاقتصاد السياسي للسيطرة الداخلية: نقاط التفتيش آلية لتمويل الحرب

تكشف دراسة صادرة عن المعهد الدنماركي للدراسات الدولية (DIIS) عن التحول الذي شهدته نقاط التفتيش في اليمن من أدوات أمنية إلى إحدى الركائز الرئيسة لاقتصاد الحرب وتمويل سلطات الأمر الواقع. واستندت الدراسة إلى 32 مقابلة رئيسة و11 مقابلة متابعة أُجريت بين نوفمبر/تشرين الثاني 2025 ومارس/آذار 2026، وخلصت إلى أن السيطرة على حركة التجارة والسلع عبر الممر الاستراتيجي الممتد بين أبين وعدن ولحج والضالع وذمار أصبحت مصدرًا مهمًا للإيرادات لدى الأطراف المتنافسة.

وتوضح الدراسة أن هذا التحول لم يكن نتاج الحرب الحالية وحدها، بل امتد عبر مراحل متعاقبة منذ تسعينيات القرن الماضي، إذ استُخدمت أطر قانونية قائمة، من بينها قانون صندوق صيانة الطرق رقم (22) لسنة 1995 وقرار صندوق النظافة والتحسين رقم (20) لسنة 1999، لإضفاء صفة رسمية على عمليات الجباية من خلال إيصالات تحمل أسماء تلك الصناديق، رغم توظيفها عمليًا في تمويل اقتصاد الحرب.

وفي المناطق الخاضعة لسيطرة الحكومة اليمنية والمجلس الانتقالي الجنوبي سابقًا، توثق الدراسة وجود شبكة مجزأة تضم ما بين 8 و25 نقطة تفتيش في كل محافظة، بينما تتراوح الرسوم المفروضة على الشاحنة الواحدة العابرة لأربع محافظات بين 900 ألف وثلاثة ملايين ريال يمني. كما تُقدّر الدراسة أن شبكة نقاط التفتيش التابعة للمجلس الانتقالي، قبل إعادة هيكلتها مطلع عام 2026، كانت تحقق إيرادات سنوية تقارب 256.5 مليار ريال يمني (نحو 204.6 مليون دولار) من الرسوم المفروضة على الوقود والقات وحركة الموانئ والبضائع، مع تحويل جزء من هذه الإيرادات إلى حسابات رسمية تحت مسمى “دعم الأمن والعسكر”. وتشير كذلك إلى أن موازين الشاحنات المنتشرة على الطرق أسهمت في زيادة الأعباء المالية على حركة النقل من خلال فرض غرامات متفاوتة على الحمولات.

في المقابل، اتجهت جماعة الحوثيين، وفقًا للدراسة، إلى مركزة منظومة الجباية ورقمنتها عبر تقليص عشرات نقاط التفتيش إلى عدد محدود من المراكز الجمركية الرئيسة، وصولًا إلى إطلاق نظام “النافذة الواحدة” في ميناءي الحديدة والصليف عام 2025، الذي ألغى التعاملات النقدية المباشرة. وتُقدَّر الإيرادات السنوية لهذا النظام بما يتراوح بين 90 و120 مليار ريال يمني. وترى الدراسة أن هذا النموذج يقترب من أنظمة الجباية التي اعتمدتها حركات مسلحة، مثل طالبان وحركة الشباب، من حيث المركزية والاعتماد على الإيرادات المحلية في تمويل السلطة.

ورغم هذا التحول، تؤكد الدراسة استمرار الازدواج الضريبي، إذ تُفرض رسوم جمركية على البضائع التي سبق تخليصها في الموانئ الواقعة تحت سيطرة الحكومة، إلى جانب استيفاء رسم إلزامي بنسبة 2% تحت مسمى “المجهود الحربي”، الأمر الذي يرفع تكلفة السلع ويزيد الأعباء على القطاع التجاري.

كما تجاوزت نقاط التفتيش، بحسب الدراسة، وظيفتها الالمالية لتصبح أداة للحرب الاقتصادية، من خلال فرض قيود على حركة السلع، بما في ذلك حظر تداول الغاز المنتج في محافظة مأرب، وفرض رسوم جمركية تصل إلى 40% على الواردات المنافسة للمنتجات المرتبطة بالحوثيين، بما يعزز السيطرة على الأسواق المحلية.

وتنعكس هذه السياسات مباشرة على الأوضاع المعيشية، إذ تشير الدراسة إلى ما تصفه بـ “علاوة خط السيطرة”، حيث يبلغ سعر كيس دقيق القمح نحو 25 دولارًا في مناطق سيطرة الحوثيين، مقارنة بنحو 20 دولارًا في المناطق الخاضعة للحكومة، وهو فارق تتحمله بدرجة أكبر الأسر الفقيرة والمعتمدة على التحويلات المالية.

وتخلص الدراسة إلى أن الإجراءات الحكومية الرامية إلى الحد من الجبايات غير القانونية لم تحقق أثرًا ملموسًا، إذ غالبًا ما يجري تغيير مواقع نقاط التفتيش أو إعادة تصنيف الرسوم بدلًا من إلغائها. ووفقًا لاستنتاجاتها، أصبحت منظومات الجباية في شمال اليمن وجنوبه هياكل تمويل ذاتية تتمتع بدرجة من الاستدامة، بما يرجح استمرار تأثيرها في الحوافز الاقتصادية والسياسية للأطراف المتحاربة حتى في حال التوصل إلى تسوية سياسية أو تغير موازين الصراع. وفي هذا السياق، توصي الدراسة بدعم إنشاء نظام وطني موحد لصرف الرواتب، وإجراء إصلاحات تحد من الازدواج الضريبي وتخفف القيود المفروضة على حركة التجارة الداخلية.

استئناف صادرات النفط اليمنية بين الآمال الاقتصادية والمخاطر الأمنية

يرى تقرير نشرته قناة الجزيرة أن إعلان رئيس مجلس القيادة الرئاسي، رشاد العليمي، استئناف تصدير النفط اعتبارًا من 20 يوليو، بعد توقف منذ أواخر عام 2022، يمثل خطوة مهمة نحو إعادة تفعيل أهم مصدر للإيرادات الحكومية والنقد الأجنبي، في ظل الأزمة الاقتصادية التي تواجهها الحكومة اليمنية المعترف بها دوليًا. ويشير التقرير إلى أن الحكومة تعول على عائدات النفط لدعم الاستقرار المالي، وتمويل رواتب القطاع العام، وتحسين الخدمات الأساسية، غير أن تحقيق هذه الأهداف يبقى مرتبطًا بقدرتها على توفير بيئة أمنية مستقرة تحمي الحقول النفطية وخطوط الأنابيب وموانئ التصدير، إلى جانب استعادة ثقة شركات الشحن والتأمين والمشترين الدوليين بعد سنوات من الاضطرابات.

ويستعرض التقرير واقع قطاع النفط اليمني، موضحًا أن البلاد تمتلك احتياطيات نفطية مؤكدة تُقدَّر بنحو 3 مليارات برميل، تتركز في أحواض المسيلة ومأرب وشبوة. إلا أن الإنتاج شهد تراجعًا حادًا خلال العقدين الماضيين، من نحو 439 ألف برميل يوميًا في مطلع الألفية إلى نحو 19 ألف برميل يوميًا في عام 2024، قبل أن ينخفض إلى ما بين 7 و10 آلاف برميل يوميًا خلال فترة توقف الصادرات، وهي كميات خُصصت في معظمها لتلبية الاحتياجات المحلية، الأمر الذي أدى إلى فقدان الحكومة أحد أهم مصادر النقد الأجنبي وزيادة الضغوط على الاقتصاد.

وبحسب التقرير، تستهدف الحكومة رفع الإنتاج إلى نحو 60 ألف برميل يوميًا في المرحلة الأولى، مع زيادة إضافية تصل إلى 25% خلال الشهر الأول من استئناف العمليات، مستفيدة من مخزونات نفطية جاهزة للتصدير تتجاوز 1.7 مليون برميل. ومع ذلك، ينقل التقرير تقديرات تفيد بأن هذه الأرقام تمثل إجمالي الإنتاج المتوقع، وليس الكميات الفعلية القابلة للتصدير، نظرًا إلى استهلاك جزء من الإنتاج محليًا لتشغيل المصافي ومحطات الكهرباء. كما يشير إلى أن إعادة تشغيل الحقول وخطوط الأنابيب ومحطات الضخ تتطلب أعمال صيانة وإعادة تأهيل وفحوصًا فنية بعد فترة توقف طويلة، وهو ما قد يؤخر الوصول إلى مستويات الإنتاج المستهدفة.

ويرى التقرير أن التحدي الرئيس لا يكمن في استئناف الإنتاج بقدر ما يتمثل في استعادة ثقة الأسواق وضمان استدامة التصدير. فقد أدت الهجمات الحوثية التي استهدفت موانئ تصدير النفط في حضرموت وشبوة منذ أواخر عام 2022 إلى توقف عمليات التصدير وارتفاع تكاليف التأمين، وتراجع ثقة شركات الشحن والمشترين الدوليين بالنفط اليمني، وهو ما يتسق مع ما تناولته المحاور السابقة بشأن انعكاسات التهديدات الأمنية على حركة التجارة والطاقة. وفي الوقت نفسه، تواصل جماعة الحوثيين ربط استئناف الصادرات بالحصول على حصة من الإيرادات لتمويل رواتب موظفي القطاع العام في مناطق سيطرتها. ويشير التقرير إلى أن أي استهداف جديد لموانئ التصدير أو البنية التحتية النفطية قد يؤدي إلى تعطيل الصادرات مجددًا ويقوض جهود إعادة القطاع إلى الأسواق العالمية.

كما يحذر التقرير من المبالغة في تقدير الأثر الاقتصادي المباشر لاستئناف الصادرات، مؤكدًا أن نجاح الشحنات الأولى لا يعد مؤشرًا كافيًا على تعافي قطاع النفط أو الاقتصاد اليمني بصورة عامة. فاستدامة تدفق الإيرادات ستظل مرتبطة باستقرار البيئة الأمنية، ومعالجة الانقسام النقدي بين البنك المركزي في عدن وسلطات الحوثيين في صنعاء، وتعزيز الإيرادات غير النفطية، والحد من الضغوط على سعر صرف العملة. ويخلص التقرير إلى أن استئناف التصدير يمثل فرصة لإعادة تنشيط الاقتصاد، لكنه في الوقت ذاته يشكل اختبارًا لقدرة الحكومة على الحفاظ على استدامة الصادرات في ظل استمرار التحديات السياسية والأمنية.



المصادر

 


ظهرت المقالة اليمن في التناولات البحثية والإعلامية الدولية أولاً على المخا للدراسات الاستراتيجية.

أخبار ذات صلة.

( نوافذ يمنية) محرك بحث إخباري لا يتحمل أي مسؤولية قانونية عن المواد المنشورة فيه لأنها لا تعبر عن رأي الموقع..

جميع الحقوق محفوظة 2026 © نوافذ يمنية