صاحبنا عنتر يسكن في خطوط التماس بتعز، على بعد أمتار من قناص يترصد نافذة غرفة مقابلة فرغها عنتر للعب اليومي مع الرصاص المنهال عند أدنى حركة. يحلو لعنتر دعوة رفاقه إلى ولائم رعب عامرة، اللقمة فيها بطعم الموت. يريهم كيف يستنزف القناص عبر مخاتلات مبتكرة. سنوات وهذا القناص في مكانه يحدق بثبات وتركيز في واجهة شقة عنتر، لا يغفل أو يغيب، عيناه مفتوحتان لكل هدف متحرك، وإصبعه على الزناد.
وعنتر محارب عتيد عركته الحرب، وأكسبته شراسة عدوه صلابة مماثلة، بل مجاوزة. وهكذا في الحرب، حين يكف القادة عن تجسيد المثال، تتعلم من عدوك كيف توازيه وتتفوق عليه، في الجلد والمصابرة وطول الاحتمال. يغدو القناص داخلك يقنص وهن التعويل، وخبال الرؤية، وخور العزم، وسقوط الإرادة، ويصير انتباهه ملازمة تحميك من بلاهة التفكير وخدر الإحساس، وتقيك الكثير. علاقة عنتر بالقناص ظلت واضحة، لا مجال للتعايش أو المصالحة أو عقد أي اتفاقات.
في المساء، وفي ركن قصي على ضوء خافت، يجلس عنتر بكامل حضوره وعدته، بندقيته، وذخيرته، وبقايا قاته. عين على شاشة الهاتف، وأخرى على النافذة المخرمة. هو منذ البدايات في الجبهة الممتدة حتى الخلاص. لا يغدر قضيته ولا يغادر موقعه.
يبدأ جولته الليلية في الفيس، ملاحقًا من يسميهم "الرخوات"، ينطلق من حس عالٍ بالخطر.
يشرع في إطلاق الرصاص بغزارة، يحتد ويشتط، يكتب بروح مقاتل وقتيل محتمل، لا يتسامح مع من يكتبون عن الحرب باسترخاء، كما لو أنهم يقفون خارجها. يكره اللغة الباردة المتقصفة في مرمى القصف، يمقت الخطاب المغناج، تستفزه الخفة والتعابير المتخبطة غير المنضبطة، وكل كلام مرتعش يتوسل القتلة السلام. هو تحت التهديد، العدو أمامه مصوبًا بندقيته نحوه، كل حركة محسوبة بعناية وتساوي الحياة، وهو يرى الكلمة كذلك، لا يملك ترف الكتابة بتفلت وتساهل وعدم اكتراث. هو في قلب الجحيم، محاط بالموت ليل نهار، لا أصعب من أن يعيش، ولا أيسر من أن يموت. حياته تحدٍ يومي ومعركة دائمة، رهان على اليقظة، لا حمامة تقف على نافذته، ولا غصن سلام يمتد من فوهة البندقية المتربصة، ولا لغة غير الرصاص.
لعنتر منطقه الصارم المهجوس بالخطر، السياسة بالنسبة له فعل مقاومة، والكلمة سلاح، والحرب احتشاد كلي لا تسمح بأدنى انكشاف أو تراخٍ أو فتور.
السلام تفرضه معادلات القوة على الأرض، لا التسويات الهشة. هذا يقين شعب من المسافة صفر، على بعد طلقة.