طائرات من العراق ومشغّلون من اليمن.. تفاصيل جبهة الحوثيين الجديدة ضد السعودية
أهلي
منذ ساعة
مشاركة

يمن مونيتور/ وحدة التحقيقات/ خاص:

أبلغت المملكة العربية السعودية الحكومة العراقية يوم الاثنين بمعلومات وتفاصيل هجوم بطائرات مسيّرة تبناه الحوثيون استهدف منشآت النفط شرقي المملكة؛ ما يفتح الباب أمام تساؤلات حول الدور التنسيقي والوجود الحوثي في بغداد وعلاقتها بالميليشيات الشيعية المدعومة من إيران مع تصاعد احتمالات عودة الحرب الشاملة في اليمن.

ولطالما كان الوجود الحوثي في العراق أمراً يتم التغاضي عنه من قِبل المسؤولين العراقيين بسبب علاقة الوجود بالفصائل المسلحة الإيرانية؛ رغم التأكيد من حضور تراكمي يجمع بين التمثيل السياسي، والاتصال بالفصائل المسلحة، والتدريب، والتنسيق الإقليمي، واحتمالات النشاط المالي واللوجستي.

ووجّه علي الزيدي، القائد العام للقوات المسلحة، رئيس مجلس الوزراء العراقي، الاثنين، الجهات الأمنية المختصة، بالتحقيق في استهداف السعودية بطائرات مسيرة انطلاقاً من الأراضي العراقية.

خلال عام 2026 أصبح هذا الحضور العلني أقل مما كان عليه في وقت سابق. لكنه ظل يتمدد ويتوسع في المناطق القريبة من الحدود العراقية السعودية.

ولم تكن هجمات يوم الاثنين الأولى، حيث أشارت مصادر لـ”يمن مونيتور” إن هجمات من العراق حدثت بعد فبراير/شباط 2026 كان الحوثيون هم من يشغلون الطائرات المسيّرة والصواريخ؛ كان معظمهم موجود داخل العراق ضمن عملية تآلف ونقل خبرات داخل محور المقاومة لتصنيع وتدريب تشغيل المسيّرات والصواريخ.

وقال مصدر من الحوثيين لـ”يمن مونيتور” إن أوامر الإطلاق كان بيد جماعة حزب الله العراقية لكن الإطلاق كان على يد مشغلين يمنيين وبالتشاور معهم. ووصل خبراء في وقت سابق هذا العام إلى العراق من أجل العمل من الأراضي العراقية. وفي 17 مايو/أيار أعلنت الرياض اعتراض ثلاث مسيّرات دخلت أجواء المملكة قادمة من الأجواء العراقية.

وفي 14 يوليو، قبل الهجوم الأخير بأقل من أسبوعين، أعلنت قيادة العمليات المشتركة أن العراق «لن يكون منطلقاً لاستهداف أي دولة من دول الجوار»، وشددت على التعامل بحزم مع أي محاولة للإساءة إلى علاقاته الخارجية. ثم جاء هجوم 27 يوليو لتضع هذا التعهد أمام اختبار مباشر.

حضور قديم خرج إلى العلن

لا يبدأ تاريخ النشاط الحوثي في العراق في 2026. في 2016 ظهر وفد تابع للجماعة بصورة أكثر علنية، قبل أن تتوسع اللقاءات لاحقاً مع أحزاب وفصائل منضوية في ما يُعرف بـ«محور المقاومة».

لكن التحول الأبرز وقع في 2024 عندما افتتح الحوثيون مقراً رسمياً في حي “الجاردية” في بغداد قريباً من المنطقة الخضراء ومقار قوى سياسية نافذة. وتولى إدارته، ، أحمد الشرفي الملقب بـ«أبو إدريس»، الذي ظهر في زيارات لمقار تابعة للحشد الشعبي، واجتمع بقيادات فصائل وزعامات عشائرية ودينية.

الحكومة العراقية لم تعترف بالمكان باعتباره بعثة دبلوماسية. وقال المسؤولون العراقيون في ذلك الوقت إنه ليس «مكتباً أو ممثلية»، وإنما مقر لإقامة أعضاء الحركة. وفي تصريح لاحق، تحدث مسؤول عراقي عن «دبلوماسية شعبية» ووجود قوى اجتماعية يمنية، مع تأكيد أن بغداد تتعامل رسمياً مع الحكومة اليمنية المعترف بها دولياً.

هنا تظهر أولى مفارقات الملف: مقر يمارس نشاطاً تمثيلياً ويلتقي مسؤولين وفصائل، لكنه لا يحمل صفة دبلوماسية معترفاً بها. فوزارة الخارجية العراقية استمرت في التعامل مع سفارة الحكومة اليمنية المعترف بها دولياً، وهو ما تؤكده أيضاً اللقاءات الرسمية بين وزيري خارجية البلدين.

ويشير مصدر لـ”يمن مونيتور” إنه جرى نقل المكتب من ذلك الحي إلى مكان آخر في 2025 مع الهجمات الأمريكية على الجماعات الإيرانية في اليمن والعراق. لكن المكتب الموجود في “النجف الأشرف” ما يزال يعمل كما هو منذ 2024م، ويقوم الحوثيون باستخدام المكتب لإدارة استثمارات في العراق  لصالح الجماعة اليمنية.

وحسب المصدر فإن عبدالمجيد الحوثي (الذي زار إيران مؤخراً وأحد تلامذة الحوزات الشيعية في قُم وإمام الجامع الكبير في صنعاء) ابن عم زعيم الحوثيين هو الشخصية التي بدأت تأسيس المكتب خلال زيارة بحثاً عن دعم مالي للجماعة من المراكز الشيعية العراقية في النجف قبل أن يتحول إلى مكتب دائم.

شعارات الحوثيين في فعالية بمحافظة السماوة العراقية يوم 26 يوليو/تموز 2026 (مكتب الحوثيين في العراق على منصة أكس)

دور المكتب في العراق

وحسب تقرير للأمم المتحدة، أشرف الشرفي على شراء مواد لصالح الحوثيين، ورتب دورات تدريبية لمقاتلين من الجماعة مع مجموعات مسلحة، ونظم زيارات لقيادات حوثية إلى بغداد. كما ذكر أنه التقى رؤساء جماعات مسلحة وشيوخ عشائر ومسؤولين عراقيين بهدف توسيع نفوذ الجماعة.

ركز الحوثيون حسب مصادر لـ”يمن مونيتور” على العشائر العراقية القريبة من الحدود مع المملكة العربية السعودية. ويقيم “الشرفي” ولائم يدعو فيها زعماء العشائر خاصة مع دور الحركة في إغلاق مضيق باب المندب خلال الحرب الإسرائيلية على قطاع غزة.

وأشار الخبراء إلى انتقال النشاط من مكاتب غير معلنة في الجادرية وعرصات الهندية إلى مكتب تمثيل أكثر علنية. وخلصوا إلى أن التدريب والمساعدة العسكرية والمالية التي تقدمها جماعات عراقية للحوثيين قد تشكل خرقاً لحظر السلاح والعقوبات الدولية المتعلقة باليمن.

وعقب الحرب على إيران في 2025 قالت مصادر إنه جرى انشاء مراكز عمليات مشتركة في العراق ولبنان بمشاركة ممثلين عن الحوثيين لتنسيق التحركات العسكرية ضمن المحور الإقليمي المتحالف مع إيران.

شعارات الحوثيين في شوارع بمحافظة بابل العراقية يوم 26 يوليو/تموز 2026 (مكتب الحوثيين في العراق على منصة أكس)

من المكتب السياسي إلى الاتصال العسكري

وعلى الرغم من عدم وجود تشكيل عسكري حوثي مُعلن موجود في بغداد إلا أن المؤشرات المحيط بوجود الجماعة في العراق به تتجاوز العمل الثقافي والإعلامي والدبلوماسية الشعبية الذي تحدثت عنه بغداد.

أعلن الحوثيون وفصائل عراقية خلال 2024 تنفيذ عمليات مشتركة ضد إسرائيل. ووثق تقرير خبراء الأمم المتحدة لعام 2025 هجوماً منسقاً في 19 ديسمبر/كانون الأول 2024 بين الحوثيين و«المقاومة الإسلامية في العراق». ولا يثبت الإعلان أن الأسلحة الحوثية أُطلقت من الأراضي العراقية؛ لكنه يكشف وجود مستوى من التنسيق العملياتي وتزامن الرسائل العسكرية.

كذلك أوردت تقارير مقتل خبير حوثي في الطائرات المسيّرة أثناء وجوده في جرف الصخر، جنوبي بغداد، إثر ضربة استهدفت موقعاً مرتبطاً بكتائب حزب الله في يوليو/تموز 2024. واعتبر معهد واشنطن لسياسة الشرق الأدنى الحادث مؤشراً على عمل أفراد حوثيين إلى جانب عناصر عراقية وإيرانية.

وقال مسؤول من الحوثيين لـ”يمن مونيتور” إنه لا وجود لمقر خاص بهم في العراق بما في ذلك في “جرف الصخر” وأن الحركة تستخدم منشآت وشبكات الفصائل العراقية بدلاً من بناء بنية عسكرية مستقلة يسهل رصدها واستهدافها من قِبل الأمريكيين أو الحكومة العراقية.

ولفت المسؤول إلى أن خبراء من الحوثيين تلقوا تدريباً مطولاً في إيران وشاركوا في هجمات من اليمن وصلوا إلى العراق في وقت سابق من العام قبل بدء التصعيد الأخير ضد المملكة العربية السعودية.

وفي ديسمبر 2025 كشف زعيم حركة النجباء العراقية عن انتقال مستوى التنسيق مع جماعة الحوثي في اليمن إلى مراحل متقدمة تشمل “تحديث الترسانة العسكرية” بشكل مشترك.

تحدثت المصادر لـ”يمن مونيتور” شريطة عدم الكشف عن هويتها لحساسية الموضوع.

The Secretary-General of the “Asa’ib Ahl al-Haq” movement, Qais Khazali (right), receives in Baghdad the representative of the Houthis, Abu Idris al-Sharafi (social media).

ضغوط وإخلاء مقرات

مع تصاعد الضربات الأميركية ضد الحوثيين في اليمن، تحولت المقرات الموجودة في بغداد إلى عبء أمني وسياسي. ونقلت تقارير في مارس/آذار 2025 أن الجماعة أخلت مقراً قريباً من المنطقة الخضراء، وسط مخاوف من تعرض أهداف مرتبطة بها لضربات داخل العراق. كما ظهرت معلومات عن احتمال إغلاق مقرين آخرين في بغداد ومدينة جنوبية.

لم تصدر الحكومة العراقية بياناً شاملاً يحدد عدد المقرات التي أغلقت أو الوضع القانوني للأفراد المقيمين فيها. لكن “يمن مونيتور” نقل عن مصادره إن بغداد وعدت في نهاية 2024 بإغلاق مكتب الحوثيين ومنع أي نشاط حوثي غير مدني، وتقييد تحركات ممثلي الجماعة وحصرها في المجالات الإعلامية والثقافية. لكن نشاط الحوثيين انتقل إلى الوراء بشكل أكثر قوة وعملية.  وأكدت تلك المصادر أن بعض النشاطات توقفت، بينما ظل ممثلو الجماعة داخل العراق.

وفي ديسمبر/كانون الأول 2025، أدرج قرار عراقي الحوثيين وحزب الله اللبناني ضمن كيانات خاضعة لتجميد الأموال، قبل أن تتراجع الحكومة وتعلن أن ورود الاسمين حدث نتيجة خطأ.

الحادثة لخصت مأزق بغداد: فهي لا تعترف بالحوثيين ممثلاً رسمياً لليمن، وتتعرض لضغوط أميركية لمنع نشاطهم، لكنها تعمل داخل نظام سياسي تتمتع فيه قوى متحالفة مع طهران بنفوذ كبير. لذلك تميل الدولة إلى صيغة وسطية: عدم منح اعتراف دبلوماسي، ومنع النشاط العسكري المعلن، مع تجنب مواجهة مباشرة مع الفصائل التي تستضيف ممثلي الجماعة.

ويشكل التمويل أكثر جوانب الملف غموضاً. وعادة ما يستخدم الحوثيون العراق قد يستخدم لنقل الأموال أو الاستفادة من شبكات تجارة النفط والتهرب من العقوبات.

وزارة الخزانة الأميركية وثقت في 2025 شبكات تمزج النفط الإيراني بالعراقي وتبيعه بوثائق منشأ مزورة، كما فرضت عقوبات منفصلة على شبكات لتهريب المشتقات وتمويل الحوثيين. وهي  نقطة مهمة لأن توصيف النشاط المالي يركز على ثلاث دوائر متقاطعة: تمويل إيران، واقتصاد الفصائل العراقية، وشبكات الحوثيين الدولية. قد تتعاون هذه الدوائر، لكنها ليست بالضرورة شبكة واحدة ذات قيادة موحدة -حسبما يفيد مسؤول يمني مطلع على شبكة الحركة الخارجية.

قدرة العراق؟!

تثبت الأدلة وجود ممثلين حوثيين عسكريين وأمنيين واستخباراتيين وسياسيين وثقافيين، ومكاتب في بغداد والنجف، وزيارات وتدريباً واتصالاً بفصائل مسلحة، وتنسيقاً عسكرياً إقليمياً في مراحل سابقة. أما حجم النشاط المالي، وعدد العناصر المقيمة، ووضع المقرات الحالي، فتبقى أسئلة بلا إجابات رسمية كاملة.

ومع توسع الحرب الإقليمية بعد دفع إيران للحوثيين لفتح جبهة باب المندب ضد المملكة، تتحول هذه الشبكة إلى بنية مساندة عملياتية، وهو السيناريو الذي يجعلها ملفاً يتجاوز العلاقات العراقية–اليمنية إلى سؤال أوسع عن سيادة العراق وقدرته على ضبط نشاط الجماعات المسلحة العابرة للحدود.

السؤال الحاسم لم يعد: هل يوجد مكتب للحوثيين في بغداد؟ بل: هل تستطيع الدولة العراقية منع الشبكات المتحالفة مع الحوثيين وإيران من تحويل أراضيها إلى جبهة إقليمية ضد جيرانها؟

 

The post طائرات من العراق ومشغّلون من اليمن.. تفاصيل جبهة الحوثيين الجديدة ضد السعودية appeared first on يمن مونيتور.

أخبار ذات صلة.

( نوافذ يمنية) محرك بحث إخباري لا يتحمل أي مسؤولية قانونية عن المواد المنشورة فيه لأنها لا تعبر عن رأي الموقع..

جميع الحقوق محفوظة 2026 © نوافذ يمنية