عاش الشيخ علي سالم بكير حياة حافلة بالخير والصلاح، وجعل وقته وقفـًا للعلم والتعليم، والدعوة والإرشاد، والإفتاء، وخدمة الناس، وكان مع تواضعه الجم من أصحاب الوجاهة والتأثير والريادة في المجتمع، ومن حق محبيه أن يُغبطوه لزهده وتواضعه وابتعاده عن مظاهر الجاه والفخامة مع مكانته العلمية والاجتماعية ، فقد عاش قدوة ومثالا للورع والبساطة والتواضع والقرب من العامة والخاصة، والتفاني في تعليم الناس وإرشادهم في حله وترحاله، والله حسيبه، ولا أزكي على الله أحدا.
لقد كان الشيخ علي سالم بكير علما من أعلام اليمن؛ ورائدا من رجالها العظام، وعاش فترات صعبة في حياته، وتحمل المحن والآلام، وتعرض للمضايقات والمكائد، التي خرج منها بفضل الله ولطفه سالما، فنفع الله به، وأطال في عمره حتى رأى ثمرة صبره وجهاده وعلمه وعطائه، وصار طلابه من الرواد والمربين والعلماء والدعاة والقادة في مختلف الميادين، ولم يكن تعيينه في مجلس الشورى إلا تقديرًا له، واعترافـًا بمكانته العلمية والاجتماعية والسياسية، وإلا فإنه أكبر من ذلك، أما مرآه فيذكر بالتابعين والسلف الصالح من هذه الأمة المرحومة والمباركة، والولادة بالرواد والمصلحين.
عرفت الشيخ علي بن سالم بكير عام 1985م عندما وصلنا حضرموت في ضمن لجان الوحدة، وكان أمينـًا لمكتبة الأحقاف، وقد أدهشنا بثقافته الواسعة وذاكرته الوقادة، وبديهيته الحاضرة، ولم أتمكن حينها من الجلوس معه على انفراد، حيث كانت القبضة الحديدية تحصي على الناس أنفاسهم، لكنه وقتها عبر عن رغبته في زيارة إخوانه في الشمال والاجتماع بالعلماء، والإطلاع على المكتبات التاريخية في صنعاء وزبيد وغيرها، وبحمد الله تحقق له ذلك بعد الوحدة.
كان يسكن في بيت متواضع، ليس فيه شيء من مظاهر الترف والتنعم، مع أن
ذلك يسير عليه، وذات صيف أردت مع بعض الإخوة زيارته في بيته، فحدد لنا موعدًا، ولما وصلنا باب منزله انقطعت الكهرباء، ولم يكن لديه مولد احتياطي، فاعتذر عن استقبالنا لأننا لن نتمكن من تحمل شدة الحر، واتفقنا معه على موعد آخر، وازداد في نظرنا مكانة واحترامـًا.
وفي زيارتي الأخيرة له بمنزله في مدينة تريم عام 2022م، كان يجلس في مكتبته الخاصة، تحيط به الكتب من كل جانب، وجواره هاتفه الجوال المتواضع، الذي لا يتوقف عن الرنين، يرد به على المستفتين على مدار الساعة، وهو حاضر الذهن، يستوعب السؤال، ويحسن الجواب، ويعيش في عالم من السمو والتجرد والصفاء، ويكفي أن تراه فيزداد إيمانك، وتتذكر الآخرة، وتشعر بأن الدنيا بكل ما فيها لا تستحق كل هذا اللهث على متاعها الزائل، ولا ذلك الصراع على مناصبها ومصالحها، بل ونشـعـر بالأمان لأن بيننا مثله، فقد ظل في قراءة وتعليم ودَأَبِ لا يتوقف، حتى إذا سمع الأذان بادر بالخروج إلى المسجد، ولمثل ما فعل شيخنا بكير فليتنافس المتنافسون.
لقد كان شيخنا العزيز ذلك المعدن الأصيل، الذي لم تزده الأحداث إلا قوة وعزيمة، وجعلته المحن أكثر لمعانـًا وبهاءً، ومع تقدم سنه ظل ملتزمـًا لطلابه بالتدريس ليس في تريم الغناء فقط، بل في المناطق المجاورة لها، وقد رأيته يأتي إلى مدينة تاربة بكل حيوية ونشاط، ملتزما بأداء دروسه في مسجدها العامر، ولم ينقطع عن التدريس حتى في أسفاره، ففي عام 2002م ذهب بريطانيا للعلاج، وسكن في أمانة معاذ في مدينة برمنجهام، وأقام فيها دروسـًا خلال فترة بقائه، وهكذا برمج حياته على إفادة طلاب العلم في ظعنه وإقامته، جعل الله ذلك في موازين حسناته.
كان الشيخ علي سالم بكير مشاركـًا في الشأن العام، ولم ينعزل عن العمل السياسي، فهو عضو مجلس شورى التجمع اليمني للإصلاح، ولم يمنعه ذلك أن يرتبط بعلاقات ودية مع مختلف التوجهات السياسية، وبينه والإخوة الصوفية احترام متبادل، وشغل نفسه بالمتفق عليه مع الآخرين، فكان مثالًا لما يجب أن تكون عليه العلاقات بين الجماعات الإسلامية، وكذلك الحال مع الأحزاب والتنظيمات السياسية، التي يجب أن يكون تنافسها في خدمة الوطن والمواطن، وليس الصراع والخلاف.