أهمية «مُدوّنة السلوك» كعُرف مجتمعي أثناء الانفلات الأمني
مجتمع إنساني
منذ 7 ساعات
مشاركة

عند حدوث المشاكل المجتمعية والأفعال والسلوكيات الخاطئة والجرائم الناجمة عن الأفراد والجماعات، نلجأ فورًا للاحتكام إلى سيادة القانون، ولكن لا نستطيع القيام بذلك أثناء الانفلات الأمني؛ لأنه حالة من التسيب وفقدان السيطرة على أمن الدولة، أي أنّ القانون آنذاك يصبح الغائب الأول فلا تستطيع الاحتكام إلى سلطته وقوته، وهذا ما حدث تمامًا مع مطلع عام 2026 في الثالث من يناير عندما أعلنت قوات الجيش اليمني بدعم عسكري من المملكة العربية السعودية استكمال السيطرة على مدينة سيئون عاصمة مديريات وادي حضرموت والمنطقة العسكرية الأولى، وذلك بعد شهر كامل من سيطرة المجلس الانتقالي الجنوبي عليها وخروجه منها، وما صاحب ذلك من تصعيد سياسي وعسكري، عرّض مدينة المكلا لحالة من الانفلات الأمني، الذي أسفر عن قتلى وجرحى جراء اشتباكات مسلحة داخل الأحياء السكنية وأعمالاً من السلب والنهب طالت مقرات سيادية وحكومية حيوية، وفقًا لدويتشه فيله.

لم يدُم هذا الانفلات طويلاً، لكن نتائجه كانت أبدية ومروعة.. أرواحًا أُزهقت، انتهاكات اُرتُكِبت، فوضى عارمة انتشرت، ممتلكات عامة وخاصة نُهبت.

هُنا يتحدث المقال عن أهمية وجود مُدوّنة سلوك كعُرف مجتمعي تحل محل القانون أثناء الانفلات الأمني، وبالتالي ضمان عدم تكرار ما حدث. فمُدوّنة السلوك هي مجموعة القواعد والمبادئ التي تحدد السلوكيات والتصرفات المقبولة والمتوقعة من الأفراد داخل بيئة أو مجتمع معين، وتُعد إطارًا أخلاقيًّا يرشّد التصرفات ويوضح الحدود، ضمانًا للانضباط والاحترام حتى في ظل غياب الأطر القانونية، فهي تشكل بديلاً مؤقتًا يمكن البناء عليه حفاظًا على النظام العام والاستقرار، ما يعزز التماسك المجتمعي، فعلى سبيل الذكر لا الحصر من المتوقع أن تتضمن المُدوّنة السلوكية الآتي:

  • الحفاظ على استقرار النظام العام.
  • عدم التحريض اللفظي والفعلي.
  • عدم التعدي على الممتلكات العامة والخاصة بالنهب أو السلب أو التخريب.
  • عدم التهديد و الابتزاز والاستغلال.
  • نبذ العنف والإكراه والاعتداء على الآخرين.
  • حماية النساء والأطفال وكبار السّنّ وعدم التعرض لهم بأي شكل من الأشكال.
  • عدم حمل السلاح والذخائر في الأماكن العامة ووسط التجمعات.
  • عدم تدمير المواقع الحضارية والأثرية.

ويأتي اختيار العُرف غير المُدوَّن، القائم على استمرارية الممارسة وقبول المجتمع له بوصفه قاعدةً ملزمة، لسببين رئيسين: أولهما أن مخالفته لا تترتب عليها عقوبة قانونية مباشرة، بل جزاءٌ معنوي يتمثل في الوصمة الاجتماعية وفقدان الثقة؛ إذ يكفي أن يُعرف الشخص بين الناس بأنه لا يحفظ الأمانة أو أنه “صاحب سوابق” حتى يتجنب المجتمع التعامل معه، وهي عقوبة رمزية يخشاها الأفراد غالبًا أكثر من العقوبة المادية، مما يعزز مستوى الالتزام الطوعي. وثانيهما أنّ العُرف يفتح باب التراجع والتصحيح أمام من انجرفوا إلى التطرف أو التحريض أو الانفلات السلوكي؛ إذ يتدخل الوجهاء وأهل الرأي بالنصح والستر، ويمنحون المخطئ فرصة لردّ الحقوق وبدء صفحة جديدة بضمانات مجتمعية، دون تعريضه لفضيحة أو إقصاء دائم. ولعل هذا الأسلوب هو الأنسب في ظروف الانفلات الأمني الحساسة، حيث قد تدفع القسوة القانونية أو الخوف من العقاب بعض المُغرَّر بهم إلى التمادي بدل التراجع، خاصة حين يُختزل الخطاب الديني في صور العقوبة دون إبراز مساحات العفو ومُسقطات الحدود، فيترسخ لديهم شعور بانعدام الأمل في العودة، وهو ما يستغله بعض المحرّضين لإبقائهم في دائرة الضياع بدل إعادة دمجهم في المجتمع.

إنّ خطورة انتشار الجماعات المسلحة وسيطرتها في أعقاب الانفلات الأمني تجعل الحاجة مُلحّة إلى وجود مُدوّنة سلوك يُحتكم إليها بوصفها عُرفًا مجتمعيًا منظمًا للسلوك في تلك المرحلة الحرجة. فالأصل، من الناحية المعيارية، هو الاحتكام إلى الشريعة الإسلامية باعتبارها -وفقًا لدستور الجمهورية اليمنية- المصدر الرئيس للتشريعات، غير أنّ إشكالية الجزاء في ظروف الانفلات تبقى معقّدة؛ إذ إن المحاسبة الشرعية في جوهرها إلهية، بينما تتعطل في الواقع أدوات إنفاذها عند غياب الرقابة الأمنية والقضائية. ففي لحظات الفوضى، إذا لم يُضبط الفاعل متلبسًا بجرمه، يغلب على الظن أنه يفلت من العقاب الدنيوي، وهو ما يضعف أثر الردع القانوني والشرعي معًا. وعند اجتماع ضعف الوازع الديني مع غياب سلطة القانون، تنشأ بيئة قابلة للانقياد خلف التحريض والتهاون في الالتزام بالقيم، الأمر الذي يبرز أهمية العُرف المجتمعي بوصفه آلية ضبط بديلة تسدّ فراغ السلطة إلى حين استعادة الدولة لمؤسساتها.

لذلك يشكل الاحتكام لمُدوّنة السلوك كعُرف مجتمعي أثناء الانفلات الأمني ضمانًا لما فيه من الردع والزجر الآني، حيث يلعب هذا الدور عادةً المشائخ، الأعيان، أئِمّة المساجد، عُقّال الحارات، اللجان الشعبية، المبادرات المجتمعية وبقية أفراد المجتمع، فتلتمس الاستجابة هُنا من الغالبية خشية العار والفضيحة في المجتمع، وما يترتب عليه لاحقًا من الصورة المجتمعية السيئة والنبذ المجتمعي فلا تجد من يقبل بهِ زوجًا أو موظفًا، وإن كان أبًا قد يخسر هذه الأبوة أيضًا، ففي البدء ما يشغل تفكير الناس هو القبول المجتمعي لا الفردوس الأعلى لأن الأول هو الحالي -الواقع المُعاش- والأخير هو من الغيبيات.

يقف كل من التطرف والإرهاب خلف الانفلات الأمني تحقيقًا لمصالح سيادية سلطوية سياسية، وغالبًا ما تستخدم الجماعات المنتمية إليهما الدين غطاءً لتبرير أعمالها بشكل مُشوّه تسيء إلى سماحة الإسلام، تلك السماحة التي ينفر منها عن جهالة المُغرّر بهم وضحايا التحريض ومن هم على شاكلتهم. وحتى يرون النور، يبقى وجود مُدوّنة سلوك كمبدأ عُرفي مجتمعي يرسخ القيم والأخلاق والأعراف والسلام في وعي وأذهان ووجدان وثقافة الناس، يخلق نسيج اجتماعي متماسك أمام الانفلات أو أية ادّعاءات مضللة.

  • تم إعداد هذا المقال بدعم من مشروع توظيف الشباب من خلال التراث والثقافة في اليمن، ضمن مكوّن “المناصرة الثقافية”، الذي تنفذه منظمة اليونسكو بالشراكة مع مؤسسة حضرموت للثقافة، وبدعم مشترك من الاتحاد الأوروبي والمؤسسة، وتنشره منصتي 30 في إطار شراكتها الإعلامية مع المشروع.
  • المحتويات هي مسؤولية المؤلف فقط، ولا تعكس بالضرورة وجهات نظر اليونسكو، أو مؤسسة حضرموت للثقافة، أو الاتحاد الأوروبي.

 

 

The post أهمية «مُدوّنة السلوك» كعُرف مجتمعي أثناء الانفلات الأمني appeared first on منصتي 30.

أخبار ذات صلة.

( نوافذ يمنية) محرك بحث إخباري لا يتحمل أي مسؤولية قانونية عن المواد المنشورة فيه لأنها لا تعبر عن رأي الموقع..

جميع الحقوق محفوظة 2026 © نوافذ يمنية