سبتمبر نت: تقرير/ توفيق الحاج
تأتي زيارة عضو مجلس القيادة الرئاسي الدكتور عبدالله العليمي باوزير إلى العاصمة البريطانية لندن لتؤكد أن المعركة اليمنية لم تعد تدار في ميادين القتال وحدها، بل باتت الدبلوماسية تمثل إحدى أهم جبهات الدفاع عن الدولة وسيادتها وحشد التأييد الدولي لقضاياها.
فمن خلال سلسلة واسعة من اللقاءات السياسية والبرلمانية والدبلوماسية، والمشاركة في مؤتمر لندن 2026 الذي يعد إحدى أبرز المنصات الدولية للحوار وصناعة السياسات، قدم عضو مجلس القيادة العليمي نموذجاً لتحرك سياسي منظم يهدف إلى تثبيت الرواية اليمنية أمام دوائر القرار الدولية، وربط التطورات الميدانية بالمسؤوليات السياسية والقانونية للمجتمع الدولي.
وتكتسب هذه التحركات أهمية مضاعفة لأنها تأتي في توقيت بالغ الحساسية، تزامناً مع التصعيد الإيراني الأخير المتمثل في محاولة استخدام المطارات اليمنية الواقعة تحت سيطرة مليشيا الحوثي الإرهابية خارج الأطر القانونية والسيادية، وهو ما تعتبره الحكومة اليمنية انتهاكاً مباشراً لسيادة الدولة، وفي الوقت ذاته، كانت الدبلوماسية اليمنية تتحرك رسمياً لرفع القضية إلى مجلس الأمن، الأمر الذي أفضى إلى عقد جلسة طارئة لمناقشة التطورات، بما يعكس تكاملاً واضحاً بين التحرك السياسي الخارجي والموقف الرسمي للدولة في الدفاع عن سيادتها وحقوقها المشروعة.
اليمن في مؤتمر لندن 2026
تمثل مشاركة الدكتور عبدالله العليمي في مؤتمر لندن 2026 فرصة استراتيجية لنقل الملف اليمني إلى واحدة من أهم منصات النقاش الدولية التي تجمع كبار المسؤولين وصناع القرار والخبراء من مختلف دول العالم، فوجود اليمن داخل هذا المحفل الدولي أسهم في إبقاء القضية اليمنية ضمن أولويات النقاش الدولي، وربطها بالتحولات الإقليمية والدولية الكبرى، والتأكيد أن استقرار اليمن جزء لا يتجزأ من أمن المنطقة وأمن الملاحة الدولية.
وعلى هامش المؤتمر، كثف العليمي لقاءاته مع المسؤولين البريطانيين والشخصيات الدولية المؤثرة، في تحرك يعكس إدراكاً لأهمية التواصل المباشر مع دوائر صناعة القرار، وعدم الاكتفاء بالبيانات الرسمية أو القنوات الدبلوماسية التقليدية، وبحسب متابعة للقاءات العليمي فقد استثمر هذه اللقاءات في شرح مستجدات الأوضاع السياسية والأمنية والاقتصادية، واستعراض جهود مجلس القيادة الرئاسي والحكومة في دفع مسار السلام والإصلاحات، إلى جانب توضيح حجم التحديات التي تواجه مؤسسات الدولة في ظل استمرار ممارسات مليشيات الحوثي الإرهابية.
دبلوماسية فاعلة
وشكلت اللقاءات مع وزير الدولة البريطاني لشؤون الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، ومدير دائرة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا في الخارجية البريطانية، وزعيم مجلس العموم البريطاني، ورئيس المجموعة البرلمانية البريطانية بشأن اليمن، سلسلة متكاملة من الحوارات السياسية التي استهدفت مختلف مستويات التأثير داخل مؤسسات الدولة البريطانية، سواء التنفيذية أو التشريعية أو الدبلوماسية. وهو ما يعكس رؤية تقوم على توسيع دائرة الدعم الدولي لليمن، وتعزيز الشراكة مع دولة تمتلك حضوراً مؤثراً داخل مجلس الأمن وفي ملفات الأمن الإقليمي والدولي.
وبرز في هذه اللقاءات خطاب سياسي متماسك، ركز على أن الحكومة اليمنية ظلت طوال السنوات الماضية منخرطة في مختلف المبادرات والمسارات السياسية، وقدمت تنازلات عديدة من أجل الوصول إلى سلام عادل وشامل، بينما استمرت مليشيات الحوثي الإرهابية في استغلال فترات التهدئة لإعادة بناء قدراتها العسكرية ورفض الحلول السياسية، وبهذا الطرح، أعاد العليمي التأكيد على أن تعثر جهود السلام لا يعود إلى غياب المبادرات، وإنما إلى استمرار المشروع الحوثي المدعوم من إيران في التعامل مع الهدن كفرصة لتعزيز القوة العسكرية بدلاً من إنهاء معاناة اليمنيين.
موقف اليمن تجاه إيران
ومن أبرز ما ميز هذه الجولة الدبلوماسية وضوح الموقف اليمني تجاه التدخلات الإيرانية، حيث حرص الدكتور عبدالله العليمي على نقل رسالة ثابتة إلى مختلف المسؤولين البريطانيين، مفادها أن الانتهاكات الإيرانية للسيادة اليمنية لم تعد تقتصر على الدعم العسكري التقليدي للمليشيات، بل امتدت إلى محاولات فرض وقائع جديدة تمس السيادة الوطنية عبر استخدام المطارات والمنافذ خارج سلطة الدولة، وقد قدم هذا الملف باعتباره قضية تتجاوز الشأن اليمني الداخلي، لارتباطها المباشر بأمن البحر الأحمر وحرية الملاحة والاستقرار الإقليمي.
وفي هذا السياق، جاءت مواقفه متزامنة مع التحرك الرسمي اليمني الذي انتهى بإدراج القضية أمام مجلس الأمن وعقد جلسة طارئة لمناقشة الانتهاكات الإيرانية وتداعياتها، بما منح الرسالة اليمنية زخماً سياسياً ودبلوماسياً أكبر، وأكد أن مؤسسات الدولة تتحرك بصورة متكاملة للدفاع عن السيادة الوطنية، سواء عبر المسارات الدبلوماسية الثنائية أو من خلال المؤسسات الدولية المعنية بحفظ الأمن والسلم الدوليين.
كما حرص العليمي على تقديم توضيحات مهمة بشأن ملف مطار صنعاء، مفنداً الرواية التي تحاول المليشيات الحوثية تسويقها، إذ أكد أن الحكومة لم تغلق المطار، وإنما قدمت حلولاً قانونية وتشغيلية تضمن استمرار الرحلات عبر الناقل الوطني وبما يحفظ سيادة الدولة وسلامة المسافرين، بينما رفضت المليشيات تلك الحلول واستمرت في توظيف الملف لخدمة أهداف سياسية وعسكرية، وهو طرح يسهم في تصحيح كثير من الانطباعات لدى الشركاء الدوليين، ويعزز مصداقية الموقف الحكومي أمام المجتمع الدولي.
الدعم الاقتصادي
وفي جانب آخر، لم تغفل اللقاءات أهمية دعم مسار التعافي الاقتصادي وبناء مؤسسات الدولة، حيث استعرض العليمي جهود الحكومة في الإصلاحات وتعزيز الاستقرار، مثمناً برامج الدعم البريطانية، وفي مقدمتها برنامج الدعم الفني والمالي، إلى جانب التعاون في مجالات الأمن البحري ورفع قدرات خفر السواحل اليمنية، ويعكس ذلك إدراكاً بأن نجاح الدولة في استعادة الاستقرار لا يعتمد على الجانب الأمني وحده، وإنما يتطلب شراكات تنموية ومؤسسية تسهم في تعزيز قدرة مؤسساتها على أداء مهامها.
كما أولى اهتماماً خاصاً بالدور الذي تقوم به المملكة العربية السعودية في دعم اليمن سياسياً واقتصادياً وإنسانياً وعسكرياً، مؤكداً أن هذا الدعم يمثل ركيزة أساسية في جهود استعادة مؤسسات الدولة وترسيخ الأمن والاستقرار، وهو ما يعكس حرص القيادة اليمنية على إبراز حجم الشراكة القائمة مع الأشقاء والشركاء الدوليين في مواجهة التحديات الراهنة.
حضور القضية اليمنية
ولعل إحدى أهم نتائج هذه الجولة أنها أعادت التأكيد على حضور القضية اليمنية داخل المؤسسات البريطانية، سواء عبر الحكومة أو البرلمان أو مراكز الفكر وصناعة السياسات، وهو حضور بالغ الأهمية في ظل التحولات الدولية المتسارعة وتزاحم الأزمات العالمية. فالإبقاء على اليمن ضمن أولويات النقاش الدولي يمثل بحد ذاته مكسباً سياسياً، لأنه يحول دون تراجع الاهتمام الدولي بملف لا يزال يرتبط بأمن المنطقة والملاحة الدولية والاستقرار الإقليمي.
وفي المجمل، تعكس تحركات الدكتور عبدالله العليمي دبلوماسية نشطة تتجاوز إطار اللقاءات التقليدية، لتؤسس لحضور سياسي أكثر تأثيراً للقضية اليمنية في المحافل الدولية، فقد جمعت هذه التحركات بين الدفاع عن السيادة الوطنية، وشرح حقيقة المواقف الحكومية، وحشد الدعم لمؤسسات الدولة، وتعزيز الشراكات مع القوى المؤثرة، بما يؤكد أن اليمن يواصل العمل على مختلف المسارات السياسية والدبلوماسية لترسيخ حضوره الدولي، والدفاع عن مصالحه، وحشد التأييد لاستعادة الدولة وتحقيق السلام والاستقرار.