منذ سيطرتها على صنعاء، لم تنظر جماعة الحوثي إلى قطاع الطيران باعتباره مرفقاً وطنياً يخدم جميع اليمنيين، بل باعتباره ورقة سيطرة ونفوذ لخدمة أهدافها السياسية.
وانطلاقاً من ذلك، لم يكن مستغرباً أن يتحوّل الناقل الوطني إلى ضحية، وأن يصبح مطار صنعاء ساحة للصراع بدلاً من أن يبقى بوابة لليمنيين إلى العالم.
وبينما يحاول الحوثيون اليوم استخدام حق المواطنين في السفر، تشير الوقائع المتراكمة إلى أن الأزمة الحالية ناتجة عن إجراءات الحوثيين التي طالت شركة الخطوط الجوية اليمنية، والبنية التحتية للطيران، والسيادة على المجال الجوي.
شلل مالي
بدأت الأزمة داخل شركة الخطوط الجوية اليمنية مع سيطرة جماعة الحوثي على جزء من مواردها المالية وأصولها، حيث اتهمتها الحكومة اليمنية بتجميد حسابات الشركة في البنوك الخاضعة لسيطرتها، والتي قُدرت بنحو 100 مليون دولار، ومنع الإدارة الشرعية من التصرف بها.
ولم تتوقف الإجراءات عند الجانب المالي، بل تصاعدت في يونيو 2024 إلى احتجاز أربع طائرات مدنية تابعة للناقلة الوطنية في مطار صنعاء، في خطوة اعتبرتها الحكومة "قرصنة" على أصول الشركة. وأدى ذلك إلى إضعاف قدرة الخطوط الجوية اليمنية على الوفاء بالتزاماتها التشغيلية، وتقليص خدماتها للمسافرين وتفاقم أزمة النقل الجوي في البلاد.
احتجاز الطائرات
ولم تتوقف الأزمة عند الجانب المالي، بل امتدت إلى أسطول الخطوط الجوية اليمنية نفسه، فقد قام الحوثيون باحتجاز أربع طائرات مدنية تابعة للشركة في مطار صنعاء، بينها ثلاث طائرات من طراز إيرباص A320 وطائرة إيرباص A330، رغم التحذيرات المتكررة من خطورة بقائها داخل المطار في ظل استمرار التوتر العسكري.
وبحسب الحكومة اليمنية، فإن هذه الخطوة مثلت "قرصنة" على أصول الناقل الوطني، خصوصاً مع رفض الحوثيين نقل الطائرات إلى مطارات أكثر أماناً، رغم التحذيرات التي سبقت استهداف المطار.
وسرعان ما تحقق أسوأ السيناريوهات، عندما تعرضت ثلاث من تلك الطائرات لغارات إسرائيلية داخل مطار صنعاء، ما أدى إلى تدميرها وخسارة نصف أسطول الخطوط الجوية اليمنية، وإلحاق خسائر قُدرت بنحو 181 مليون دولار، فضلًا عن تقليص قدرة الشركة على تشغيل الرحلات الداخلية والدولية.
ولم تقتصر آثار ذلك على الشركة وحدها، بل انعكست مباشرة على المواطنين، إذ تراجعت خيارات السفر، وازدادت صعوبة انتقال المرضى إلى الخارج لتلقي العلاج، كما تأثر آلاف الطلاب والمغتربين والحجاج والمعتمرين نتيجة انخفاض عدد الرحلات المتاحة.
مطار مدني في قلب الصراع
ومنذ سيطرة الحوثيين على صنعاء، استخدموا مطار صنعاء الدولي خارج مهامه المدنية، بحسب الحكومة اليمنية والتحالف الذين أكدوا في عدة مناسبات أن الحوثيين حوّلوا أجزاء من المطار إلى منشآت ذات طابع عسكري، عبر تخزين الأسلحة واستخدام بعض مرافقه لأغراض عسكرية، وهو ما جعل المطار جزءاً من مسرح العمليات العسكرية، بدلاً من بقائه مرفقاً مدنياً محمياً بموجب القانون الدولي.
ويرى مراقبون أن عسكرة المطار أسهمت في تعريض بنيته التحتية لخطر الاستهداف، وأضعفت فرص استمراره في أداء دوره الطبيعي بوصفه المنفذ الجوي الرئيس لسكان المناطق الخاضعة لسيطرة الحوثيين.
كما تتهم الحكومة اليمنية الحوثيين باستخدام المطار بصورة انتقائية، من خلال إعطاء الأولوية لتحركات قياداتها السياسية والعسكرية، واستغلال بعض الرحلات الأممية ورحلات الوساطة العُمانية لتسهيل تنقل وفودها، في الوقت الذي ظل فيه آلاف المرضى والطلاب والمواطنين يواجهون قيوداً على السفر، بسبب محدودية الرحلات المدنية والوجهات المتاحة.
بوابة لخدمة الأجندة الإيرانية
ولم تقتصر تداعيات الأزمة على الجانب الإنساني، بل امتدت إلى ملف السيادة الوطنية؛ ففي أحدث التطورات، هبطت طائرة إيرانية تابعة لشركة ماهان إير في مطار صنعاء قادمة مباشرة من إيران، من دون موافقة الحكومة اليمنية المعترف بها دولياً، لأول مرة منذ استيلاء الحوثيين على العاصمة حين كان أول عمل قاموا به تدشين رحلات جوية إلى طهران.
وقد اعتبرت الحكومة اليمنية والتحالف العربي هذه الرحلة انتهاكاً للسيادة اليمنية وخرقاً للإجراءات المنظمة للملاحة الجوية، ورأيا فيها محاولة لإعادة استخدام المطار في خدمة أجندات إقليمية، في حين ربط مراقبون الخطوة بمحاولات إعادة فتح قنوات الدعم اللوجستي للجماعة عبر المطار.
الحوثيون يتحمّلون المسؤولية
ووفقاً لمراقبين، فإن جزءاً كبيراً من معاناة اليمنيين كان يمكن تجنبه لو جرى تحييد قطاع الطيران عن الصراع والحفاظ على استقلالية الخطوط الجوية اليمنية ومطار صنعاء باعتبارهما مؤسستين وطنيتين تخدمان جميع اليمنيين.
غير أن سلسلة الإجراءات التي اتخذها الحوثيون، بدءاً من تجميد أموال الناقل الوطني، واحتجاز طائراته، ورفض إخراجها من مطار صنعاء رغم التحذيرات، وصولاً إلى تعريض جزء من أسطوله للتدمير، واستخدام المطار في سياقات تتجاوز وظيفته المدنية، أسهمت -بحسب الحكومة اليمنية ومراقبين- في إضعاف قطاع الطيران وتعقيد حركة السفر.
وبالنظر إلى مجمل هذه الوقائع، فإن أزمة السفر في اليمن لم تكن نتيجة الحرب وحدها، بل أيضاً نتيجة سياسات طالت مؤسسات الطيران المدني وأفقدتها جزءاً كبيراً من قدرتها على أداء دورها؛ فبين الناقل الوطني الذي خسر نصف أسطوله، والمطار الذي تحوّل إلى ساحة للصراع، كان المواطن اليمني هو الخاسر الأكبر، إذ وجد نفسه أمام خيارات سفر محدودة، وتكاليف مرتفعة، ومعاناة متواصلة للحصول على حق يفترض أنه من أبسط حقوقه، وهو حرية التنقل.
أخبار ذات صلة.