يردد كثيرون أن التعليم هو ركيزة بناء الأوطان، لكنه في واقع اليمن اليوم قد تحوّل إلى جرحٍ نازف يهدد كينونة المجتمع ومستقبله. فما يشهده هذا القطاع من تدمير للبنية التحتية، وانقطاعٍ للموارد، وتآكلٍ في جودة المخرجات، وعزلةٍ عن مسار التقدم التكنولوجي، يمثل كارثة وجودية تتشكل بصمت. وفي ظل هذا المشهد، يصبح الصمت عن انهيار التعليم خطيئة تاريخية وجريمة كبرى لا تقل خطورة عن دمار الحرب ذاتها؛ فما يحدث اليوم هو تفخيخٌ حقيقي للحاضر وتلغيمٌ للمستقبل.
ولم يكن هذا الانهيار وليد الصدفة، بل هو نتيجة تراكمات قاسية من الصراع والإهمال طالت المدرسة والمعلم والطالب على حد سواء؛ حيث أُغلقت المدارس أو تضررت، وحُرم المعلمون من أبسط حقوقهم، ووجد ملايين الأطفال أنفسهم خارج أسوار التعليم، إما على أرصفة التسرب، أو في مسارات عمل مبكر، أو عرضة للاستقطاب بأشكاله المختلفة.
وإن أخطر ما في هذه الأزمة ليس واقعها الحالي فحسب، بل ما تؤسس له مستقبلاً؛ فجيلٌ ينشأ بلا تعليم حقيقي أو بتعليم مشوَّه، هو جيل مهدد بفقدان البوصلة المعرفية والقيمية، وحين تصمت النخب عن هذا المسار، فإنها تشارك في صناعة مستقبل مأزوم، يُعاد فيه إنتاج دوائر الصراع بدل كسرها.
ورغم قتامة هذا المشهد، لم تنكسر علاقة اليمني بالتعليم؛ إذ ظل تاريخياً حلماً جماعياً دفع الناس لأجله أثماناً باهظة، فباعوا ممتلكاتهم، وهاجروا، وصبروا، فقط ليمنحوا أبناءهم فرصة التعلم. هذا الشغف المتجذر يؤكد أن الجهل ليس خياراً مجتمعياً بل نتيجة مفروضة قسراً، ومن هنا، فإن أي حديث عن إنقاذ التعليم لا بد أن ينطلق من هذا الوعي الشعبي العميق، وأن يبني عليه لا أن يتجاوزه.
وفي هذا المنعطف الحرج، تبرز الحاجة الملحة للانتقال من توصيف الأزمة إلى صناعة الحل، وهو ما تتجسد ملامحه في "المبادرة الوطنية لإعادة بناء التعليم في اليمن" بوصفها استجابة عملية لضرورات الواقع. هذه المبادرة لا تقف عند حدود التنظير، بل تقدم مسارات عملية قابلة للتطبيق؛ تبدأ بتطوير نماذج تعليم مرنة تناسب البيئات المتأثرة بالنزاع، وإطلاق منصات تعلم رقمية موازية تسد الفجوة المعرفية، مروراً بدعم المعلم ببرامج تأهيل وتحفيز مستدامة، وإعداد سياسات تعليمية بديلة، وصولاً إلى بناء شراكات وطنية ودولية تحول الجهود المتفرقة إلى عمل منظم يعيد تعريف التعليم كأولوية وطنية عاجلة لا كملف مؤجل.
إن نجاح هذه المبادرة يضع الجميع أمام مسؤولية جماعية تاريخية مشتركة؛ فعلى المؤسسات الدولية أن تدرك أن الإغاثة لا تكفي دون تعليم، وعلى القوى الوطنية والنخب أن تترفع عن الحسابات الضيقة، وتنتقل من التشخيص إلى الفعل، لكي يستعيد المجتمع صوته في الدفاع عن حق أبنائه في التعلم. إن الصمت لم يعد حياداً، بل انحيازاً ضد المستقبل، وكل يوم يمر دون تحرك جاد هو خسارة جديدة لا تُعوَّض.
لذلك، لم يعد السؤال: هل ننقذ التعليم؟ بل: متى نتحمل مسؤولية إنقاذه؟
فارفعوا الصوت عالياً، وتفاعلوا مع هذا المسار الوطني لإنقاذ التعليم في اليمن… فبإنقاذه فقط يمكن إنقاذ ما تبقى من الوطن، وحماية جيل المستقبل من التدمير العلمي والفكري والقيمي.