افتتاحية 26سبتمبر
يواجه المشهد اليمني اليوم منزلقا خطيرا يتطلب مكاشفة حقيقية، إذ لم تعد المعاناة الإنسانية في البلاد مجرد أزمة عابرة، بل تجاوزت كل الخطوط الحمراء وبات الوضع الراهن عبئا ثقيلا لم يعد بمقدور أبناء شعبنا تحمله بأي حال من الأحوال، هذا التردي الكارثي هو النتيجة المباشرة لاستمرار الانقلاب الحوثي الغاشم على مؤسسات الدولة الشرعية والذي تطاول عهده مستمرئا المماطلة وتعميق الأزمة المعيشية.
كما لم يعد خافيا أن تتالي الهدن الإنسانية وتمديدها الزمني دون تحقيق تقدم سياسي حقيقي، قد تحول إلى أداة بيد المليشيا لكسب الوقت وإدخال اليمنيّين في نفق مظلم من الأزمات المركبة وعلى رأس هذه التداعيات تأتي الأزمة الاقتصادية الخانقة التي طحنت الشعب بكلكلها وباتت ملامحها الكارثية تهدد مقومات الحياة الأساسية للمواطنين بشكل يومي، مما أثبت أن الاستمرار في نهج استجداء السلام من جماعة عقائدية مسلحة هو رهان خاسر يدفع ثمنه المواطن من قوته ودماء أبنائه.
وأمام هذا الواقع المرير ، برهنت الأحداث المتعاقبة أن هذه المليشيا لا تؤمن بلغة الحوار وأن مرونتها السياسية أحيانا ليست سوى مناورات تكتيكية لإعادة ترتيب صفوفها وتوسيع نفوذ داعميها في طهران.
ومن هنا، تحول الخطر الحوثي من معضلة محلية تنحصر داخل الحدود اليمنية، ليصبح مهددا رئيسيا للأمن الإقليمي والدولي ، عبر تحرك المليشيا كذراع مطيع للمشروع الإيراني التوسعي الهادف إلى زعزعة استقرار المنطقة وتهديد خطوط الملاحة الدولية وإمدادات الطاقة العالمية في واحدة من أهم الممرات المائية في العالم.
وبناء على هذا المشهد المعقد ، يضع هذا التعنت الحوثي ورفضه كل مبادرات السلام المجتمع الدولي أمام مسؤولياته القانونية والأخلاقية ، فلم يعد هناك متسع لإنتاج هدن واهية ، كما أن القبول بفرضية “لا سلم ولا حرب” لن يقود إلا إلى مزيد من التشظي ، فاليمن اليوم يواجه امتحانا مصيريا لمدى جدية المجتمع الدولي في حماية قوانينه ومؤسساته المعترف بها.
إن بقاء الحال على ما هو عليه يعد خيارا صفريا يخدم القوى الانقلابية وحدها، وتأجيل الحسم لم يعد مقبولا بالمطلق نظرا لتعاطم كلفته وتحقيقه فرصا متاحة للمليشيا لترتيب صفوفها وتوفير احتياجاتها المتعلقة بالمعركة.
إن ساعة الحقيقة قد دقت وأصبح التحرك وضبط المسارات ضرورة قصوى عبر خيارين لا ثالث لهما: إما تحرك دولي وإقليمي صارم لا يقبل التسويف ، يجبر هذه المليشيا على الانصياع للقرارات الدولية ذات الصلة وفي مقدمتها القرار الأممي (2216) والالتزام بالمرجعيات الأساسية (المبادرة الخليجية ومخرجات الحوار الوطني)، وإما – في حال استمرار الغي والتعنت – منح القوات المسلحة اليمنية الشرعية الضوء الأخضر والدعم السخي والمساندة الكاملة لحسم المعركة على الأرض ، خصوصا وأن الفرصة مواتية والجاهزية الوطنية مكتملة.
إن استعادة الدولة ومؤسساتها ، سواء بقوة القانون الدولي أو بقوة السلاح على الأرض، بات هو المسار الوحيد الكفيل بقطع دابر الفوضى وتأمين المنطقة وإنقاذ الشعب اليمني من براثن المعاناة ، فاستعادة الدولة اليمنية ليست مجرد مصلحة وطنية ملحة ، بل هي صمام الأمان الحقيقي لإنقاذ الأمن القومي العربي وحماية السلم الدولي.
أخبار ذات صلة.