الشيخ صالح حنتوس معلم القرآن الذي هزم إرهاب الحوثي
حزبي
منذ ساعتين
مشاركة

 

 

 

مع حلول الذكرى الأولى لاستشهاد الشيخ صالح أحمد حنتوس، تستعاد سيرة رجلٍ أفنى عمره في تعليم القرآن الكريم واللغة العربية، وتربية الأجيال، وخدمة مجتمعه في محافظة ريمة، قبل أن يختم رسالته بموقفٍ بطولي جعل منه أحد أبرز رموز الصمود في مواجهة مليشيا الحوثي الإرهابية.

 

كرّس "حنتوس" حياته في بناء الإنسان، فحمل مشروعًا يقوم على العلم والوعي والهوية الوطنية، ليمثِّل بذلك قيمًا محمودة ورسالة سامية اصطدمت بمشروع ميلشيات الحوثي التي تسعى لإخضاع المجتمع بالقوة واحتكار الدين والتعليم ليكون متوافقًا مع مشروعها السلالي العنصري.

 

وفي الأول من يوليو 2025، حاصرت المليشيا منزل الشيخ في مديرية السلفية بعشرات الأطقم والعناصر المسلحة، مستخدمة مختلف الأسلحة لإخضاع رجلٍ سبعيني رفض الاستسلام أو مغادرة منزله، وظل يقاوم حتى ارتقى شهيدًا.

 

وجسد "حنتوس" بدمه المبادئ التي عاش يعلّمها لأجيالٍ متعاقبة، وبرز كرمز للكرامة والحرية في اليمن ومعلم القرآن الذي عرف بثباته ولاقت الجريمة بحقة إدانات من مشائخ ومؤسسات عربية وإسلامية.

 

ورسّخ الصمود في وجهة عصابة الحوثيين الطائفية، لقب "شهيد القرآن" بوصفه عنوانًا لرجلٍ انتصر لمشروع التعليم والوعي، وبقيت سيرته حيّة رغم محاولة مليشيا الحوثي تغييبه وإسكات صوته إلى الأبد.

 

منارة علمٍ

 

كرّس الشيخ "حنتوس" حياته للتعليم والتربية منذ وقت مبكر، مؤمنًا بأن بناء الإنسان يسبق كل معركة أخرى. ومن محافظة ريمة، اختار أن يجعل القرآن الكريم واللغة العربية أساس رسالته، فارتبط اسمه بأجيالٍ تعلّمت على يديه، واستلهمت منه قيم العلم والانتماء والاعتزاز بالهوية.

 

شغل الشيخ منصب مدير المعاهد العلمية في محافظة ريمة، وأسهم خلال سنوات عمله في ترسيخ التعليم الشرعي واللغوي، قبل أن يؤدي إلغاء المعاهد أسس مدرسة لتحفيظ القرآن الكريم بمديرية السلفية، ليواصل رسالته بعيدًا عن المناصب والوظائف.

 

ولم يقتصر دوره على تحفيظ القرآن الكريم، بل تجاوز ذلك إلى احتضان الطلاب والأيتام داخل منزله، حيث وفّر لهم، بمشاركة زوجته، المأوى والتعليم والرعاية، في صورةٍ جسدت العمل التربوي بوصفه مسؤوليةً اجتماعية تتجاوز حدود المهمة التعليمية أو النشاط الدعوي المعتاد.

 

ومنذ ثمانينيات القرن الماضي، ظل الشيخ حاضرًا في حياة أبناء منطقته معلمًا ومرشدًا ومصلحًا اجتماعيًا، حتى غدا أحد أبرز الوجوه العلمية في ريمة. ولم يكن تأثيره نابعًا من سلطة أو جاه، بل من سيرةٍ طويلة صنعتها المعرفة، وحسن الخلق، وخدمة الناس دون تمييز.

 

تضييق منهجي

لم يكن استشهاد الشيخ صالح حنتوس سوى الحلقة الأخيرة في سلسلة طويلة من الاستهداف الممنهج، إذ بدأت مليشيا الحوثي منذ سنوات تضييق الخناق على رسالته التعليمية، بعد أن رأت في حضوره العلمي والاجتماعي عقبة أمام مشروعها القائم على احتكار الخطاب الديني وإعادة تشكيل وعي المجتمع.

 

وعمدت ميلشيات الحوثي بشكل ممنهج على إغلاق دار القرآن الكريم التي أسسه "حنتوس" في مديرية السلفية، بعدما تحول إلى منارة يقصدها طلاب العلم من مختلف القرى؛ لتقوم بإغلاقه في عام 2022، وصادرت مبانيه، وسلمته لأحد مشرفيها، في خطوة استهدفت إنهاء مشروعٍ تربوي امتد لعقود.

 

ورغم مصادرة دار القرآن، واصل الشيخ رسالته من المسجد الذي أبقته المليشيا تحت مسؤوليته شكليًا، مستمرًا في التعليم ورافضًا أن يتحول المنبر الذي أفنى عمره فيه إلى أداة لنشر الأفكار الطائفية أو ترديد الشعارات التي فرضتها المليشيا على المساجد والمؤسسات التعليمية.

 

وتكررت محاولات إخضاعه عبر الضغوط والوساطات، وطُلب منه مرارًا التوقيع على تعهدات توقف أنشطته التعليمية والدعوية، إلا أنه رفض الانصياع، مؤكدًا أن تعليم القرآن ليس تهمة تستوجب الاعتذار، ولا رسالة يمكن التخلي عنها تحت ضغط السلاح والتهديد.

 

ومع فشل تلك المحاولات، صعّدت المليشيا من ممارساتها، فتعرض الشيخ لمحاولة اغتيال داخل المسجد، كما أُطلقت النار على أفراد من أسرته أثناء خروجهم للتسوق، في رسائل ترهيب هدفت إلى كسر إرادته ودفعه لمغادرة قريته، لكنه ظل متمسكًا بمنزله ومسجده كمبدئ أفنى عمره لأجله.

 

ملحمة الصمود

بلغت المواجهة ذروتها في الأول من يوليو 2025، حين دفعت مليشيا الحوثي بعشرات الأطقم والعناصر المسلحة إلى مديرية السلفية، وفرضت حصارًا خانقًا على منزل الشيخ صالح حنتوس، قبل أن تتوسع العملية بتعزيزات إضافية وأسلحة متنوعة، في مشهد عسكري غير مسبوق لاستهداف معلم قرآن تجاوز السبعين من عمره.

 

ورفض الشيخ مغادرة منزله أو تسليم نفسه، مؤكدًا أن أي اتهام يجب أن يُحال إلى القضاء لا إلى فوهات البنادق، وتمسك بحقه في الدفاع عن نفسه، معلنًا أن خصومه الحقيقيين سيقاضيهم أمام الله، بعدما عجزوا عن مواجهته بمنطق القانون والعدالة.

 

ووثّق الشيخ تلك اللحظات بتسجيله الصوتي الأخير، الذي تناقله اليمنيون على نطاق واسع، متحدثًا بصوت الواثق المطمئن، معلنًا استعداده للشهادة، واستحضر حرمة الدماء، ورفض مغادرة بيته، لتتحول كلماته الأخيرة إلى وصيةٍ خالدة سبقت استشهاده بساعات.

 

وخلال ساعات الحصار، خاض الشيخ معركته الأخيرة بسلاحه الشخصي، بينما كانت زوجته، أستاذة القرآن الشيخة فاطمة غالب المسوري، تقف إلى جواره رغم إصابتها بنيران المليشيا، تسانده في مشهد إنساني نادر جسّد شراكة عمرٍ كامل في التعليم والصبر والثبات.

 

ومع فشل محاولات الاقتحام، صعّدت المليشيا هجومها بالقصف المباشر على المنزل، مستخدمة مختلف أنواع الأسلحة، حتى تمكنت من اغتيال الشيخ بعد مقاومة استمرت ساعات. ولم يكن سقوطه نهاية القصة، بل بداية حضورٍ أوسع، إذ خرج من منزله شهيدًا، ودخل الذاكرة اليمنية رمزًا للعزة ورفض الخنوع والاستسلام.

 

وكشفت تلك الملحمة مفارقةً لافتة ستظل تلاحق ميلشيات الحوثي، فقد احتشدت قوة عسكرية كبيرة، مدججة بالسلاح والعتاد، لإسكات صوت معلمٍ أفنى حياته في تعليم القرآن الكريم. وبينما امتلكت مليشيا الحوثي أدوات البطش، امتلك الشيخ ما هو أبقى أثرًا؛ الموقف الذي انتصر به في حياته، وخلّد ذكراه بعد استشهاده.

 

لماذا خافت المليشيا من حنتوس؟

 

لم يكن الشيخ صالح حنتوس خصمًا عسكريًا لمليشيا الحوثي، ولم يقُد تشكيلًا مسلحًا أو مشروعًا سياسيًا ينازعها السلطة، لكن حضوره التربوي واستقلاله الفكري جعلته أحد الأصوات التي استعصت على الاحتواء. ولهذا جاء استهدافه امتدادًا لصراع يتجاوز الأشخاص، ليطال الهوية والوعي ومصادر تشكيلهما.

 

ومنذ سيطرتها على مؤسسات الدولة، سعت المليشيا إلى احتكار الخطاب الديني، وإحلال مفاهيمها الطائفية محل التعليم الشرعي الوسطي الذي عرفه اليمنيون لعقود. وفي هذا السياق، بدا وجود معلمين وعلماء مستقلين، يحظون بثقة المجتمع، عائقًا أمام مشروعها الهادف إلى إعادة تشكيل الأجيال وفق رؤيتها السلالية.

 

ولهذا لم يكن إغلاق دور القرآن الكريم، وملاحقة المعلمين والخطباء، واستبدال المناهج والبرامج التعليمية، إجراءات متفرقة، بل حلقات في سياسة واحدة تستهدف تجفيف منابع الوعي المستقل، وإخضاع المجال الديني والتربوي بالكامل لسلطة المليشيا، حتى لا يبقى منبر خارج نفوذها أو معلم خارج وصايتها.

 

وقد مثّل الشيخ صالح حنتوس نموذجًا مضادًا لهذا المشروع؛ إذ ظل متمسكًا برسالة التعليم بعيدًا عن الاستقطاب مؤمنًا بأن القرآن وسيلة لبناء الإنسان، لا أداة للتعبئة السياسية أو تكريس الامتياز السلالي. ومن هنا اكتسبت مواقفه رمزية تجاوزت حدود شخصه، لأنها عبرت عن قيمٍ راسخة في المجتمع اليمني.

 

واعتبر اليمنيون اغتيال الشيخ صالح حنتوس محاولة لإسكات نموذج ظل يذكّر الناس بأن الدين لا يُحتكر، وأن التعليم لا يخضع للإكراه، وأن الكرامة لا تُقايض بالسلامة. غير أن النتيجة جاءت معاكسة لما أرادته المليشيا، إذ تحولت سيرته إلى شاهدٍ حي على عجز القوة عن إخضاع الفكرة.

 

وبقدر ما سعت المليشيا إلى إنهاء أثر الشيخ بإسكات صوته، أسهمت جريمتها في ترسيخ حضوره رمزًا للمواجهة بين مشروعين متناقضين؛ أحدهما يبني الإنسان بالعلم والوعي والانتماء الوطني، والآخر يرسخ الطاعة العمياء واحتكار الحقيقة بالقوة، وهو ما جعل استشهاده يتجاوز حدود المأساة إلى دلالة وطنية عميقة.

 

حضور في وجدان الأمة

 

لم تتوقف قصة الشيخ صالح حنتوس عند لحظة استشهاده، بل بدأت مرحلة جديدة تجاوزت حدود ريمة واليمن، بعدما تحولت قضيته إلى رمزٍ جامع استحضر معاني الدفاع عن القرآن والكرامة والحرية. وخلال أيام قليلة، تصدرت قصته وسائل الإعلام ومنصات التواصل، لتصبح واحدة من أكثر القضايا حضورًا في الوجدان اليمني وأبعد من ذلك.

 

وأثارت الجريمة موجة إدانات واسعة من علماء وهيئات ومفكرين وناشطين في اليمن والعالم العربي والإسلامي، الذين اعتبروا استهداف معلمٍ كرّس حياته لتعليم القرآن الكريم دليلًا جديدًا على طبيعة المشروع الحوثي، القائم على ملاحقة الأصوات المستقلة واحتكار الخطاب الديني بقوة السلاح.

 

وامتد صدى القضية إلى خارج اليمن، حيث عبّر كتاب وصحفيون ومثقفون عرب، بينهم أصوات فلسطينية، عن رفضهم لمحاولة تبرير اغتيال الشيخ أو ربطها بالقضية الفلسطينية. وأكدوا أن قتل علماء القرآن لا يمكن أن يُقدَّم بوصفه فعلًا يخدم أي قضية عادلة، بل يفضح التناقض بين شعارات مليشيا الحوثي وممارساتها الإجرامية على الواقع.

 

وفي المقابل، حاولت المليشيا الحد من الأثر الشعبي للجريمة، فأجبرت أسرة الشيخ على دفنه ليلًا، خشية أن يتحول تشييعه إلى مشهد جماهيري يكشف مكانته في المجتمع. غير أن تلك الإجراءات لم تُخفف من حضور القضية، بل زادت من الالتفاف الشعبي حولها، ورسختها بوصفها قضية رأي عام لا يمكن طمسها.

 

ومع مرور عام على استشهاده، لا يزال اسم الشيخ صالح حنتوس حاضرًا في الذاكرة اليمنية باعتباره "شهيد القرآن"؛ اللقب الذي اختصر مسيرة رجل عاش مربيًا ومعلّمًا، ورحل ثابتًا على مبادئه، بعدما حوّل لحظة استشهاده إلى رمزٍ خالدٍ لمقاومة القهر، والدفاع عن الهوية، والانتصار لقيم العلم والكرامة.

أخبار ذات صلة.

( نوافذ يمنية) محرك بحث إخباري لا يتحمل أي مسؤولية قانونية عن المواد المنشورة فيه لأنها لا تعبر عن رأي الموقع..

جميع الحقوق محفوظة 2026 © نوافذ يمنية