خاص- النقار
لو ضاع تاريخ هذا البيان، ومُحيت منه التواريخ والأسماء، ثم عُثر عليه بعد عشر سنوات في درج قديم، فلن يستطيع أحد أن يعرف متى كُتب.
أمس؟ قبل خمس سنوات؟ قبل اثنتي عشرة سنة؟
لا فرق.
فاللغة هي ذاتها، والوعود هي ذاتها، والاستنفار هو ذاته، وحتى الأعداء أنفسهم ما زالوا يقيمون في الجمل نفسها منذ أكثر من عقد.
ولهذا لا تكمن أهمية بيان التعبئة العامة الأخير فيما أعلنه، بل فيما كشفه دون أن يقصد.
كشف أن السلطة التي وعدت الناس يوماً ببناء الدولة ما تزال تتحدث بعقلية المعسكر.
وأن المشروع الذي جاء ليحكم ما يزال يتصرف كأنه في طريقه إلى الحكم.
وأن السنوات الطويلة لم تُنتج لغة جديدة تتحدث عن التنمية والإدارة والاقتصاد والخدمات بقدر ما كررت مفردات التعبئة والنفير والجهوزية والحشود.
منذ اثني عشر عاماً تقريباً، يسمع اليمنيون الخطاب نفسه بأسماء مختلفة.
كل عام هناك مرحلة مفصلية.
وكل شهر هناك معركة مصيرية.
وكل خطاب يتحدث عن أخطار غير مسبوقة.
لكن الشيء الوحيد الذي لم يكن مفصلياً بما يكفي هو حياة الناس.
لا الرواتب حُسمت.
ولا الاقتصاد تعافى.
ولا الخدمات استقرت.
ولا الفقر تراجع.
ولا العدل تحقق.
ولا الجوع انسحب من البيوت.
وكأن كل شيء في البلاد يتحرك إلى الأمام إلا حياة المواطنين.
البيان يتحدث عن مئات الآلاف من المقاتلين، وعن مئات الألوية، وعن الجهوزية الكاملة.
لكن المواطن المنهك قد يسأل سؤالاً بسيطاً:
إذا كانت كل هذه الجهود وكل هذه الطاقات وكل هذه التعبئة موجودة منذ سنوات، فأين انعكاسها على حياة الناس؟
كيف يمكن لسلطة أن تنجح في حشد هذا العدد من البشر، ثم تعجز عن حشد الكهرباء إلى المنازل؟
كيف تستطيع تنظيم الجبهات ولا تستطيع تنظيم الأسواق؟
كيف تنجح في إنتاج خطاب تعبوي متجدد بينما تتعثر في إنتاج حلول معيشية متجددة؟
ليست المشكلة أن السلطة تتحدث عن القوة.
فالدول تحتاج إلى القوة.
لكن الدول الناجحة تجعل القوة حارساً للحياة.
أما حين تصبح الحياة كلها حارساً للقوة فهنا تبدأ المأساة.
في البيان لا نجد حديثاً عن الجوع.
ولا عن البطالة.
ولا عن انهيار القدرة الشرائية.
ولا عن الشباب الذين يغادرون البلاد بحثاً عن فرصة نجاة.
ولا عن الآباء الذين أصبحوا يخوضون معركة يومية أشد قسوة من أي معركة أخرى: معركة توفير لقمة العيش.
كأن هذه المشكلات لا تستحق التعبئة.
أو كأن الفقر ليس عدواً.
والبطالة ليست حصاراً.
والفساد ليس احتلالاً.
والجوع ليس معركة.
والعدل ليس اساسا للحكم
بعد أكثر من عقد، لم تعد المشكلة في كثرة البيانات.
المشكلة أن البيانات أصبحت بديلاً عن الإنجاز.
وصار المواطن يسمع عن الانتصارات أكثر مما يلمسها.
ويسمع عن الجهوزية أكثر مما يرى آثارها.
ويسمع عن المستقبل أكثر مما يعيش حاضره.
ولهذا لم يعد السؤال كم عدد الألوية؟
ولا كم عدد المقاتلين؟
ولا كم عدد ساحات التعبئة؟
السؤال الذي يفرض نفسه اليوم هو:
متى تبدأ التعبئة ضد الفقر؟
ومتى يبدأ النفير ضد الفساد؟
ومتى تصبح معركة بناء الإنسان أهم من معركة استعراض الأرقام؟
فبعد كل هذه السنوات، ما زال اليمني يسمع جعجعة الطواحين نفسها...
لكن كيس الدقيق في بيته ما يزال فارغاً.
أخبار ذات صلة.