من الدورات إلى التعبئة.. كيف حوّل الحوثي المدنيين والأطفال إلى وقود حرب تحت شعار نصرة فلسطين؟
حزبي
منذ ساعتين
مشاركة

أعاد إعلان ما يسمى بـ"قوات التعبئة العامة" التابعة لمليشيا الحوثي جاهزيتها الكاملة لتنفيذ توجيهات زعيم الجماعة عبدالملك الحوثي، وإسناد قواته العسكرية بالآلاف من المنتسبين، تسليط الضوء على مشروع التعبئة الواسع الذي نفذته المليشيا خلال العامين الماضيين تحت لافتة "نصرة فلسطين" و"طوفان الأقصى".

 

ورغم حديث المليشيا عن الآلاف من المتدربين ومئات الألوية التعبوية، تشير الوقائع إلى أن هذه الأرقام تضم شرائح واسعة من المدنيين والطلاب والموظفين والأكاديميين، ممن جرى استقطابهم أو دفعهم للمشاركة في الدورات الحوثية عبر وسائل متعددة، شملت الضغوط الوظيفية والاجتماعية والأمنية، إلى جانب حملات التعبئة الفكرية المستمرة.

 

وتثير هذه البرامج مخاوف متزايدة بشأن توظيف القضية الفلسطينية كغطاء لتوسيع عمليات الحشد والتجنيد داخل اليمن، خصوصًا مع التحذيرات الحقوقية والأممية المتكررة من استمرار تجنيد الأطفال والزج بهم في أنشطة عسكرية وتعبوية، في وقت تقدم فيه المليشيا مخرجات هذه الدورات باعتبارها قوة جاهزة للاستدعاء والمشاركة في أي مواجهة قادمة.

 

نموذج للباسيج الإيرانية

 

أعادت مليشيا الحوثي تقديم ما يسمى بـ"قوات التعبئة العامة" إلى واجهة المشهد من خلال بيان الجاهزية الأخير، إلا أن هذا التشكيل لم ينشأ بصورة مفاجئة، بل جاء تتويجًا لسنوات من أنشطة الحشد والتعبئة التي تطورت تدريجيًا من فعاليات مجتمعية وفكرية إلى إطار منظم يخدم أهداف الجماعة العسكرية.

 

وبحسب الباحث في الشؤون العسكرية عدنان الجبرني، فإن قوات التعبئة الحوثية تمثل نموذجًا مشابهًا لقوات "الباسيج" الإيرانية، وتعتمد على تنظيم المدنيين داخل الأحياء والقرى والعزل السكانية، وإخضاعهم لبرامج تعبئة فكرية وتدريبات أولية على استخدام الأسلحة الخفيفة دون أن تكون قوات عسكرية نظامية بالمعنى التقليدي.

 

وشهد يناير 2024 تحولًا مهمًا في هذا المسار، عندما أصدر عبدالملك الحوثي قرارًا بإعادة هيكلة هذا الملف تحت مسمى "مكتب التعبئة"، بعد أن بُني على أنقاض المجلس التنفيذي للجماعة، ليتحول إلى جهاز متخصص بإدارة عمليات الحشد والتأطير والتدريب في مختلف المحافظات الخاضعة لسيطرتها.

 

وخلافًا للصورة التي تحاول المليشيا تقديمها عن امتلاكها مئات الألوية الجاهزة للقتال، يرى مراقبون أن الجزء الأكبر من هذه التشكيلات يتكون من مدنيين جرى ضمهم إلى برامج التعبئة عبر المدارس والجامعات والأحياء والقبائل، وهو ما يفسر الأرقام الضخمة التي تتحدث عنها الجماعة في بياناتها وخطاباتها.

 

أطفال وطلاب ومدنيون

 

تتباهى مليشيا الحوثي بأن برامج التعبئة العامة ودورات "طوفان الأقصى" أفرزت عشرات الآلاف من المتدربين، غير أن هذه الأرقام لا تعكس، في حقيقتها، قوة قتالية جاهزة، إذ تضم شرائح واسعة من المدنيين والطلاب والموظفين والمعلمين والأكاديميين الذين أُدخلوا، بالترغيب والترهيب، إلى برامج التعبئة خلال العامين الماضيين.

 

ووسعت مليشيا الحوثي نطاق هذه الدورات لتشمل المدارس والجامعات والأحياء السكنية والقرى، فيما تحولت المشاركة في كثير من المناطق إلى أمر شبه إلزامي، عبر ضغوط مباشرة وغير مباشرة ارتبطت بالوظيفة والدراسة والعلاقات مع سلطات الأمر الواقع وشبكات المشرفين المحليين.

 

وتثير هذه الأنشطة مخاوف متزايدة بشأن تجنيد الأطفال، خصوصًا مع توثيق تقارير أممية استمرار استهداف القاصرين ببرامج التعبئة والتدريب. فقد كشف تقرير لفريق الخبراء التابع لمجلس الأمن الدولي المعني باليمن عن توثيق تجنيد 214 طفلًا خلال الفترة الممتدة من يونيو 2024 وحتى أغسطس 2025 عبر وسائل شملت الإكراه والضغط الاجتماعي والحرمان من بعض الحقوق والخدمات الأساسية.

 

وأوضح التقرير أن أطفالًا في سن العاشرة خضعوا لدورات أيديولوجية استمرت أربعين يومًا، فيما تلقى أطفال تتراوح أعمارهم بين 15 و18 عامًا تدريبات عسكرية امتدت 45 يومًا قبل الزج ببعضهم في جبهات القتال أو تكليفهم بمهام خطرة، مشيرًا إلى تخريج ثماني دفعات بلغ قوامها نحو 56 ألف طفل.

 

ويرى مراقبون أن خطورة مشروع التعبئة الحوثي لا تكمن في الأرقام التي تعلنها المليشيا فحسب، بل في طبيعة الفئات التي يجري استهدافها، إذ تحولت المدارس والجامعات والأنشطة المجتمعية إلى مسارات لتوسيع التجنيد والحشد، بما يهدد بدفع مزيد من الأطفال والمدنيين إلى مسارات مرتبطة بالصراع المسلح.

 

تحت لافتة فلسطين

 

بدأت الدورات التي نظمتها مليشيا الحوثي عقب اندلاع الحرب في غزة أواخر عام 2023 تحت عناوين مرتبطة بـ"طوفان الأقصى" ونصرة الشعب الفلسطيني، حيث حشدت لها مختلف فئات المجتمع في المدن والأرياف، مستفيدة من التعاطف الشعبي الواسع الذي حظيت به القضية الفلسطينية في اليمن.

 

في مراحلها الأولى، ركزت هذه الدورات على الجوانب الفكرية والتعبوية، وقدمت محاضرات وأنشطة دعائية تروج لخطاب المليشيا ومواقفها الإقليمية، إلى جانب تمجيد قادة ما يعرف بمحور المقاومة، وعرض العمليات العسكرية التي تنفذها المليشيا في البحر الأحمر باعتبارها جزءًا من معركة دعم غزة.

 

لكن طبيعة هذه الأنشطة بدأت تتغير تدريجيًا خلال الأشهر اللاحقة، حيث انتقلت من التعبئة الفكرية إلى إدخال برامج تدريبية ذات طابع عسكري، شملت التعريف بالأسلحة الخفيفة وأساليب استخدامها، إلى جانب عروض ميدانية وتطبيقات عملية للمشاركين في عدد من المحافظات الخاضعة لسيطرة مليشيا الحوثي.

 

وفي ديسمبر 2023، أعلنت وسائل إعلام حوثية تنظيم عرض عسكري لمئات الطلاب المشاركين من خريجي الدورات المفتوحة في صنعاء، فيما تكررت لاحقًا عروض مشابهة في محافظات أخرى، في مؤشر على انتقال هذه الأنشطة من إطار الفعاليات التضامنية إلى مشروع تعبوي ذي أبعاد أمنية وعسكرية أكثر وضوحًا.

 

ومع مرور الوقت، أصبحت دورات "طوفان الأقصى" تمثل الرافد الرئيسي لمشروع التعبئة العامة الحوثي، إذ تحولت من منصة لحشد التضامن مع فلسطين إلى قناة منظمة لتدريب وتعبئة أعداد كبيرة من المدنيين، قبل أن تعلن المليشيا مؤخرًا أن مخرجات هذه الدورات باتت تشكل قوة جاهزة للإسناد العسكري عند الحاجة.

 

جاهزية الجيش الوطني

 

وحول التصعيد الحوثي الأخير، يرى الباحث في الشؤون العسكرية عدنان الجبرني أن لدى الحوثيين مصفوفة تصعيد يجري تفعيلها بصورة تدريجية، تبدأ بإطلاق المواقف والبيانات وقياس ردود الفعل، موضحًا أن المليشيا قد تستخدم هذه التحركات كورقة ضغط وابتزاز سياسي.

 

وبحسب الجبرني، فإن إعلان الحوثي الجاهزية لا يمكن فصله عن حالة الاستعداد التي تعمل المليشيا على إظهارها منذ أشهر، سواء عبر تكثيف الدورات العسكرية المفتوحة أو من خلال العروض المسلحة المتكررة لخريجي برامج التعبئة، والتي باتت تُقدم باعتبارها جزءًا من القوة الرديفة للقوات التابعة للمليشيا.

 

وفي المقابل، يشير الكاتب والصحفي أحمد الشلفي إلى أن المعادلات العسكرية والسياسية لم تعد كما كانت خلال جولات الحرب السابقة، لافتًا إلى أن الحكومة اليمنية تمتلك اليوم خبرات متراكمة وتنسيقًا أكبر وإعادة تنظيم للقوات بصورة تختلف عن السنوات الماضية.

 

ويؤكد الشلفي أن المشكلة التي واجهت الحكومة اليمنية لم تكن مرتبطة بنقص الموارد البشرية أو الإمكانات العسكرية، بقدر ما كانت مرتبطة بإدارة هذه القدرات وتوظيفها، مضيفًا أن أي مغامرة عسكرية واسعة قد تحمل للحوثيين مفاجآت غير محسوبة في ظل المتغيرات التي طرأت على المشهد اليمني والإقليمي.

 

وبحسب الشلفي، فإن لغة التهديد والتعبئة التي تصدر عن الحوثيين تبدو أقرب إلى أدوات الضغط السياسي وتحسين شروط التفاوض منها إلى مؤشرات حاسمة على قرار بالعودة إلى الحرب الشاملة، خصوصًا مع ارتفاع كلفة أي تصعيد جديد وتغير الظروف التي خاضت الجماعة في ظلها مواجهاتها السابقة.

أخبار ذات صلة.

( نوافذ يمنية) محرك بحث إخباري لا يتحمل أي مسؤولية قانونية عن المواد المنشورة فيه لأنها لا تعبر عن رأي الموقع..

جميع الحقوق محفوظة 2026 © نوافذ يمنية