مقدمة
في الثامن عشر من أكتوبر عام 2023، وبعد أحد عشر يوماً من اندلاع الحرب في غزة، أطلق الحوثيون صواريخ باليستية وطائرات مسيرة باتجاه إسرائيل، معلنين بذلك دخولهم رسمياً فيما باتوا يسمونه “معركة الإسناد”. لم تكن تلك الضربات الأولى مجرد تصعيد عسكري؛ بل إيذاناً بتحول جيوسياسي عميق في وظيفة مضيق باب المندب ومنطقة البحر الأحمر بأسرها، ونتيجة لذلك، انزاح هذا الممر المائي الدولي عن سياقه التقليدي كشريان تجاري حيوي يربط الشرق بالغرب عبر قناة السويس، ليتحول إلى مسرح لتصفية الحسابات الإقليمية، ومجالاً لتكريس الردع الجيو-اقتصادي من قِبل فاعلين من غير الدول، مهدداً بذلك استقرار التدفقات الملاحية والعولمة الاقتصادية.
وشهدت الأعوام الممتدة بين 2023 و2026 تحولاً نوعياً في طبيعة المهددات الأمنية، حيث تطورت جماعة الحوثي من تنظيم محلي إلى قوة بحرية غير نظامية ذات نمط هجين، قادرة على استهداف القطع البحرية التجارية والعسكرية على مسافات تتجاوز ألفي كيلومتر، هذا التحول الهيكلي، الذي جاء نتاج استثمار إيراني ممنهج ضمن “استراتيجية وحدة الساحات” أو الدفاع الأمامي، صمد أمام الضربات الجوية الأمريكية والإسرائيلية المضادة، وأفضى إلى تداعيات اقتصادية بالغة الأثر؛ حيث تشير المؤشرات بحلول أوائل عام 2026 إلى انخفاض حاد ومستدام في حركة عبور قناة السويس بنحو 60%، مما يكرس هذا الاضطراب بوصفه واقعًا بنيويًا دائمًا لا عارضًا مؤقتًا.
تتأسس هذه القراءة الاستراتيجية -المحكومة بمرونة التحديث والتحيين حتى يونيو 2026- على مقاربة منهجية مزدوجة تدمج بين نظريتي “الصراع غير المتماثل” و”الردع الجيواقتصادي” لتفكيك موازين القوى وتحليل توظيف المضائق كأدوات ضغط سياسي. ولتحقيق هذا الغرض، تنتظم هذه الورقة في خمسة محاور رئيسية: تبدأ بتشريح الأهمية الجيوستراتيجية المتجددة للمضيق، ثم تقييم محددات سلوك الأطراف الفاعلة (إيران، والولايات المتحدة، وإسرائيل)، وصولاً إلى رصد وتحليل ديناميكيات المشهد الراهن في عام 2026، واختتاماً باستشراف المسارات والسيناريوهات المستقبلية للأزمة.
أولاً: الأهمية الاستراتيجية والاقتصادية (2026)
بحلول منتصف 2026 تجاوزت أزمة البحر الأحمر تصنيفها كاضطراب عابر في سلاسل الإمداد لتستقر كـتحول هيكلي أعاد صياغة هندسة الملاحة الدولية وفق “وضع طبيعي جديد”؛ إذ وثّقت مؤشرات مؤتمر الأمم المتحدة للتجارة (UNCTAD) انكماشاً مستداماً في حركة المرور عبر مضيق باب المندب وقناة السويس بنسبة تراوحت بين 55% و60% مقارنة بمعدلات ما قبل أكتوبر 2023. وقد أسفر هذا الانزياح الجيواقتصادي عن تحويل قسري لمسار ما يربو على 4000 سفينة حاويات سنوياً نحو طريق رأس الرجاء الصالح -مما أضاف عبئاً زمنياً يتراوح بين 10 و 14 يوماً للرحلة الواحدة– بالتوازي مع تفاقم ظاهرة “التضخم اللوجستي” التي أبقت مؤشر “دروي” للشحن العالمي مرتفعاً بنسبة 180% فوق متوسطاته التاريخية، مدفوعاً بضغوط استهلاك الوقود الإضافي وتصاعد أقساط التأمين ضد مخاطر الحرب لتلامس عتبة 1% من قيمة السفينة في العبور الواحد.
- أهمية المضيق لإيران وإسرائيل في الوقت الحالي
من منظور طهران، لم يعد باب المندب مجرد ممر مائي، بل تحول إلى “رافعة استراتيجية” (Strategic Leverage) لموازنة الضغوط الغربية. حيث باتت القيادة الإيرانية توظف ما يُعرف بـ”الردع الجيواقتصادي”؛ حيث يتم تهديد المصالح الاقتصادية الحيوية للغرب وإسرائيل دون الدخول في حرب شاملة.
ويرى الإيرانيون أن القدرة على “إغلاق المضيق وظيفياً”- أي جعل العبور مكلفاً وغير آمن دون إغلاقه مادياً — تمنح طهران ورقة ضغط قوية في المفاوضات المتعلقة بالملف النووي والعقوبات الاقتصادية. ويعد هذا التوظيف السياسي للجغرافيا الاقتصادية يمثل تحدياً جوهرياً للقانون الدولي البحري الذي لم يُصمم للتعامل مع فاعلين يرفضون الالتزام بقواعد “المرور البريء”.
- الأثر على الاقتصاد الإسرائيلي
بالنسبة لإسرائيل، كانت التداعيات الاقتصادية لأزمة باب المندب في عام 2026 أكثر تركيزاً وعمقاً. فقد شهد ميناء إيلات، المنفذ البحري الجنوبي الوحيد، حالة من الشلل شبه التام؛ حيث انخفضت إيراداته السنوية من81 مليون دولار إلى مستويات تقترب من الصفر بحلول مطلع عام 2026.
وعلى الرغم من قدرة إسرائيل على تحويل مسارات الاستيراد نحو موانئ البحر المتوسط (حيفا وأسدود)، فإن ذلك أدى إلى زيادة تكاليف استيراد السيارات والسلع الاستهلاكية من شرق آسيا بنسبة تتراوح بين 15% و20% نتيجة طول المسار عبر رأس الرجاء الصالح. ووفقاً لمركز الأبحاث الإسرائيلي (INSS)، فإن هذه التكاليف الإضافية ساهمت في استمرار ارتفاع معدلات التضخم الداخلي، مما شكل ضغطاً سياسياً متزايداً على الحكومة الإسرائيلية للبحث عن حلول عسكرية أو سياسية لإنهاء التهديد الحوثي.
ثانياً: استراتيجيات المثلث المتصارع (إيران، أمريكا، إسرائيل)
لا يُمثّل مضيق باب المندب في العقل الاستراتيجي المعاصر مجرد ممر مائي يربط بين البحر الأحمر وخليج عدن، بل بات يُشكّل “المختبر الجيوسياسي” الأكثر تعقيداً لاختبار حدود القوة والردع في القرن الحادي والعشرين. ففوق هذه الرقعة الجغرافية الضيقة، تتقاطع استراتيجيات قوى متباينة في الأهداف والوسائل، لكنها تلتقي في اعتبار المضيق نقطة ارتكاز حيوية لأمنها القومي وتوازناتها الإقليمية.
- إيران: من “الدفاع المتقدم” إلى “حق النقض الجيواقتصادي”
لا يمكن فهم الدور الإيراني في باب المندب بمعزل عن التطور التاريخي للعقيدة الأمنية الإيرانية التي شهدت تحولاً جوهرياً منذ ثمانينيات القرن الماضي. فقد أدركت إيران منذ وقت مبكر أن مواجهة التفوق العسكري لخصومها بالأسلوب ذاته ضرب من المستحيل لذلك انتهجت عقيدة “الدفاع المتقدم” لنقل الحرب خارج حدودها. وطرأ تطور نوعي لهذه العقيدة بعد أكتوبر 2023 فقد تحول الحوثيون من عنصر دعم لوجستي وسياسي في شبكة “محور المقاومة” إلى رأس حربة مؤثر في الاقتصاد العالمي. وهو بالضبط ما تعنيه إيران بـــ “وحدة الساحات” في محور المقاومة.
ومنذ بدء الحرب الإيرانية الثانية (28 فبراير 2026) يهدد المسؤولون في طهران بإغلاق مضيق باب المندب بشكل كامل بالتزامن مع إغلاق مضيق هرمز في الخليج العربي. حذر علي أكبر ولايتي مستشار المرشد الأعلى للشؤون الدولية من أن محور المقاومة يمتلك القدرة على إغلاق مضيقي هرمز وباب المندب، واضعاً الإسرائيليين والأمريكيين أمام خيار حاسم بين “وقف العدوان أو مواجهة التحكم المنسق في كلا الممرين المائيين الحيويين”. وقال قائد فيلق القدس التابع للحرس الثوري الإيراني إسماعيل قاآني: “من مضيق هرمز إلى باب المندب، ومن الخليج الفارسي إلى البحر الأحمر، سيكون هناك حزام أمني جديد للمقاومة”.
الحوثيون من جانبهم أعلنوا الانخراط في حرب الشرق الأوسط في 28 مارس في خطوة من عدة مراحل بدأت في قصف إسرائيل وتصل إلى إغلاق مضيق باب المندب. وتكمن الخطورة الاستراتيجية القصوى في التزامن المحتمل لتعطيل مضيقي باب المندب وهرمز معاً. يرى خبراء الاقتصاد أن إغلاق باب المندب ينطوي على تهديد هيكلي للتجارة العالمية يفوق، من حيث الأثر المنهجي، سيناريو إغلاق مضيق هرمز وحده.
- الولايات المتحدة: مأزق الاستنزاف وحدود القوة العسكرية
منذ أواخر عام 2023، خاضت الولايات المتحدة تجربتين عسكريتين متمايزتين في البحر الأحمر، تكشف كلٌّ منهما عن فلسفة استراتيجية مختلفة وتُفضي إلى نتائج متباينة. الأولى عملية “حارس الازدهار” نهاية 2023 كانت تجسيداً لعقيدة “الردع من خلال الحضور”؛ إذ شكلت تحالفاً دولياً من 20 دولة لحماية مرور السفن، وقامت واشنطن بكل الجهد بدون أي حضور للدول المشاطئة للبحر الأحمر باستثناء البحرين مقر الأسطول الأمريكي. تمكنت العملية من اعتراض الصواريخ لكنها عجزت عن وقف الهجمات مما أفضى إلى معادلة استنزاف مكلفة: طائرة مسيرة بآلاف الدولارات يسقطها صاروخ اعتراضي بقيمة أربعة ملايين دولار.
العملية الثانية “رايدر الخشن” أطلقها ترامب في مارس 2025، وجاءت بعقيدة “الضربة الاستباقية المكثفة”. ورغم الدمار الذي احدثته إلا أنها لم تُفضِ إلى تفكيك القدرات الصاروخية الحوثية بشكل حاسم. وخرج الحوثيون بدرسين: الأول أنهم باتوا يعرفون تماماً مدى قدرتهم على تأثير في الملاحة الدولية، والثاني أنهم يعتقدون أنهم قادرون على الصمود أمام أي حملة قصف أمريكية”. وفي مايو 2025 أعلن ترامب التوصل لاتفاق “ضمني” مع الحوثيين لوقف الهجمات على السفن الأمريكية مقابل وقف الضربات، فيما وصفه المراقبون بـ”الاتفاق الضمني”. بيد أن الهجمات على السفن الإسرائيلية والمرتبطة بإسرائيل استمرت، مما كشف عن حدود هذا الاتفاق وعن التوتر الكامن بين الأولويات الأمريكية والإسرائيلية في المنطقة.
وفي مارس 2026 أعلن الحوثيون دخولهم الحرب مهددين بمهاجمة السفن إذا استخدمت البحر الأحمر في شن هجمات على إيران. ومع حلول يونيو 2026، تجددت حدة التصعيد في البحر الأحمر عقب إعلان الحوثيين فرض حظر شامل على حركة السفن المرتبطة بإسرائيل واستئناف الهجمات الصاروخية، مما وضع الإدارة الأمريكية أمام معطيات ميدانية أكثر تعقيداً، واضطرت حاملة الطائرات الأمريكية USS George H.W. Bush إلى تغيير مسارها، متخذةً طريقاً بديلاً وأطول يدور حول رأس الرجاء الصالح.
- إسرائيل: حسابات التصعيد
تتميز الاستراتيجية الإسرائيلية في التعامل مع التهديد الحوثي بسمة جوهرية: الرفض المبدئي للتعايش مع تهديد يقيد حرية الحركة الاقتصادية والأمنية. وقد ترجمت إسرائيل هذا الرفض إلى ضربات مباشرة على العمق اليمني، متجاوزة بذلك الحسابات الأمريكية الأكثر تحفظاً. وشن الاحتلال عدة ضربات بين (2014-2025) استهدفت إلى جانب قدرات عسكرية للحوثيين، المنشآت المدنية اليمنية بما في ذلك محطات الكهرباء والموانئ ومنشآت النفط ومصانع الاسمنت ومطار صنعاء وعدد من الطائرات المدنية. لم توقف الهجمات الحوثيين بل أفضت في بعض الأحيان إلى تصعيد مضاد. وتجد إسرائيل نفسها في معضلة استراتيجية مزدوجة: فهي من جهة لا تستطيع القبول بتعطيل ميناء إيلات وتهديد مطار بن غوريون، ومن جهة أخرى لا تملك القدرة على تحقيق “انتصار حاسم” على قوة غير نظامية متشعبة في عمق جغرافي بعيد، دون دعم أمريكي مباشر وغير مشروط.
في السياق، أماطت أزمة البحر الأحمر اللثام عن فجوة استراتيجية وتوتر مكتوم بين واشنطن وتل أبيب جراء تباين أولوياتهما الميدانية؛ إذ خلّف الاتفاق الضمني الأمريكي مع الحوثيين امتعاضاً حاداً في تل أبيب التي اعتبرته “مكافأة للإرهاب” وتخلياً عن روح التحالف، وانتقدت واشنطن العمليات الإسرائيلية المستقلة -ولا سيما تدمير مطار صنعاء- واعتبرتها تقويضاً لمساعيها السياسية وتضييقاً لهامش مناورتها الإقليمية.
ثالثاً المتغيرات الراهنة — باب المندب في قلب العاصفة (2025-2026)
إذا كان عام 2023 قد شهد ولادة “أزمة باب المندب” بوصفها تهديداً للملاحة التجارية، وعام 2024 قد كشف عن عجز منظومات الردع التقليدية عن احتوائها، فإن عامَي 2025 و2026 قد حوّلا المضيق من ساحة لصراع بالوكالة إلى نقطة تقاطع لمتغيرات جيوسياسية متشابكة تُعيد رسم خريطة الشرق الأوسط بأسره.
- المتغيّر الأول: الحرب الإيرانية-الإسرائيلية-الأمريكية
أحدثت الحملة العسكرية الأمريكية الإسرائيلية المشتركة “عملية الغضب الملحمي” في 28 فبراير 2026 تحولاً جيوسياسياً جذرياً في المنطقة، والذي شمل اغتيال قادة الهرم السياسي والعسكري الإيراني. ورغم الرد الإيراني الانتقامي واسع النطاق الذي استهدف دول الخليج العربي واسرائيل وأسفر عن إغلاق مضيق هرمز الحيوي للاقتصاد العالمي في استراتيجيه “رفع الكلفة”، فإن هذا التداعي المفاجئ في مركز القرار بطهران وضع جماعة الحوثي في مضيق باب المندب أمام معضلة استراتيجية وجودية، تُفاضل بين خيار مواصلة العمليات العسكرية تضامناً مع حليف مضعف، أو الانكفاء التكتيكي لتفادي الضغوط الميدانية المتراكمة.
وتبعاً لذلك جرت عملية تحوّل نوعي لأزمة باب المندب من مرحلة يمثل فيها تهديداً للملاحة التجارية، إلى مرحلة تعتبر جزءاً من منظومة “الخنق المزدوج” التي تستهدف الاقتصاد العالمي من محورين متزامنين: هرمز من الشرق، وباب المندب من الغرب.
لكن وضع الحوثيين ليس كما كان في المرحلة الأولى من الحرب حيث تُظهر التقييمات الاستراتيجية لمطلع عام 2026 وضعاً حوثياً مزدوجاً يجمع بين التدهور العملياتي والصمود الاستراتيجي؛ حيث أسفرت الهجمات الأمريكية والإسرائيلية عام 2025 عن أضرار بالغة بالبنية التحتية العسكرية والاقتصادية؛ وأدى إلى تراجع عملياتي ملموس بتراكم تأثير تلك الهجمات والعقوبات الأمريكية والدولية المشددة على الحركة. وهو تفسير يرى الحوثيون أنه غير صحيح إذ يزعمون أن ورقة باب المندب مؤجلة خشية التصعيد الدولي ضد إيران والجماعة ، خاصة مع محاولة طهران استثمار الخلاف الأمريكي/الأوروبي حول الحرب لصالحها، إغلاق الممرين يعني اللعب على ورقة تصعيد كبيرة تجعل انخراط الأوروبيين والخليجيين في الحرب أمراً حتمياً.
وفي خطوة تعكس تمسك الجماعة بأوراق الضغط الاستراتيجية رغم الاستهداف المتكرر، أعلن الحوثيون في 8 يونيو 2026 فرض “حظر ملاحة كامل” على كافة السفن الإسرائيلية في البحر الأحمر، واعتبار تحركاتها أهدافاً عسكرية مشروعة. في وقت أعلن الإيرانيون أن أي تصعيد إسرائيلي ضد بلادهم سيؤدي إلى إغلاق مضيق باب المندب، باعتباره ورقة مؤجلة لمواجهة التصعيد الغربي ضد الجمهورية الإسلامية الإيرانية.
المتغير الثاني: مفاوضات إسلام أباد
يجري البناء على اتفاق في مفاوضات إسلام أباد بين إيران والولايات المتحدة، والتي تشارك فيها قطر، وأعلن عنه يوم 15 يونيو 2026، ومن شأن الاتفاق أن يوقف العمليات العسكرية في كل الجبهات بما في ذلك لبنان، ويرفع الحصار البحري عن إيران مقابل فتح مضيق هرمز.
يريد الحوثيون أن يتضمن أي اتفاق أوسع بين إيران والولايات المتحدة نصاً بوقف العقوبات الاقتصادية وتصنيفها جماعة إرهابية ضمن البنود المتعلقة بمحور المقاومة الذي تؤكد عليه إيران. لذلك كان واضحاً أن بيان هجمات 8 يونيو 2026 يربط بين الحصار المفروض على غزة ولبنان، والحصار الاقتصادي والسياسي المفروض على اليمن (صنعاء)، مبرراً العمليات العسكرية كوسيلة ضغط لكسر هذا الاختناق المحلي؛ وهي محاولة لإيجاد مبرر محلي للدخول في الحرب دعماً لحزب الله وإيران باعتباره يمثل ضغطاً في الاتفاق الأشمل الذي سيضم “محور المقاومة”.
رابعاً: السيناريوهات المتوقعة
السيناريو الأول: التصعيد الإقليمي الشامل وتعميق الخنق الجيواقتصادي
يفترض هذا السيناريو استمرار التوترات وتصاعدها لتشمل مواجهة إقليمية أوسع، تتجاوز حدود البحر الأحمر. في هذا المسار، تفشل الجهود الدبلوماسية في احتواء التصعيد، وتستمر الهجمات الحوثية على الملاحة الدولية، مدعومة بقدرات إيرانية متزايدة. يمكن أن يؤدي ذلك إلى ردود عسكرية أشد من قبل الولايات المتحدة وإسرائيل، وربما توسع نطاق الصراع ليشمل ضربات متبادلة على أهداف استراتيجية في المنطقة. المؤشرات التي قد تدفع نحو هذا السيناريو تشمل استمرار الحرب الإيرانية وتصاعدها، وقيام إيران بتطبيق نموذج “الخنق الجيواقتصادي” في مضيق هرمز بشكل كامل، مما يدفع الحوثيين إلى استلهام هذا النموذج وتطبيقه بشكل أكثر عدوانية في باب المندب.
السيناريو الثاني: تهدئة محدودة مع استمرار التهديد الحوثي المستقل
يفترض هذا السيناريو أن اتفاق وقف إطلاق النار بين الولايات المتحدة وإيران ينجح في خفض مستوى المواجهة المباشرة بين القوتين، مما يقلل من مخاطر حرب إقليمية واسعة. ومع ذلك، لا يترجم هذا الاتفاق بالضرورة إلى تحييد كامل للتهديد الحوثي في البحر الأحمر. قد يدفع الحوثيون نحو هجمات بحرية أكثر انتقائية، مدفوعة بدوافع مستقلة تتعلق بالصراع في غزة، أو بمصالحهم الداخلية في اليمن، أو حتى بمحاولة تأكيد استقلاليتهم عن الأجندة الإيرانية المباشرة بعد الاتفاق. المؤشرات التي قد تدعم هذا السيناريو عدم رفع العقوبات عن الجماعة ، وعدم التوصل إلى حل سياسي شامل للصراع اليمني، مما يمنح الحوثيين هامشاً للمناورة.
السيناريو الثالث: اتفاق هش وتصعيد بالوكالة في مناطق أخرى
يرسم هذا السيناريو صورة لاتفاق وقف إطلاق نار بين الولايات المتحدة وإيران يكون هشاً أو “إطار تفاهم” تتبعها جولات طويلة من المفاوضات، دون أن يعالج “إطار التفاهم” جذور التنافس الإقليمي أو استراتيجية “وحدة الساحات” الإيرانية. قد تستغل إيران هذا الاتفاق لتعزيز نفوذها عبر وكلائها في المنطقة، مما يؤدي إلى تصعيد في صراعات بالوكالة في مسارح أخرى غير البحر الأحمر، أو استمرار الضغط على الملاحة الدولية من خلال الحوثيين ولكن بطرق غير مباشرة أو أقل وضوحاً. المؤشرات التي تدعم هذا السيناريو تشمل استمرار الدعم الإيراني للفاعلين غير الحكوميين، وعدم وجود آليات فعالة للتحقق من التزام جميع الأطراف بالتهدئة، وتصاعد التوترات في مناطق أخرى مثل العراق أو لبنان. في هذا المسار، قد يشهد البحر الأحمر فترات من الهدوء النسبي تتبعها موجات من التصعيد المفاجئ، مما يبقي على حالة عدم اليقين والمخاطر المرتفعة للملاحة.
السيناريو الرابع: اختراق دبلوماسي شامل واستقرار إقليمي
يفترض هذا السيناريو أن اتفاق وقف إطلاق النار بين الولايات المتحدة وإيران يمثل جزءاً من اختراق دبلوماسي أوسع يؤدي إلى تسوية شاملة للعديد من القضايا الإقليمية، بما في ذلك الصراع في اليمن والحرب على غزة. يؤدي هذا الاختراق إلى وقف تهديدات الحوثيين على الملاحة الدولية، إما من خلال اتفاق سلام يمني يدمج الحوثيين في عملية سياسية، أو من خلال ضغط إيراني مباشر وفعال كجزء من التفاهمات الأوسع مع الولايات المتحدة.
المصادر
Sainz Caparroso, S. and Rodríguez, Á. (2026) ‘Analysis of Maritime Geopolitics in Early 2026: The Red Sea Factor’, Zenodo, March. Available at: https://zenodo.org/records/18457391 [Accessed 9 June 2026].
UNCTAD (2026) The State of Global Shipping: Mid-2026 Assessment. Geneva: United Nations Conference on Trade and Development, May. Available at: https://unctad.org/publication/shipping-assessment-2026 [Accessed 9 June 2026
Sea-Intelligence (2026) Structural Shifts in East-West Trade Routes. Copenhagen: Sea-Intelligence ApS, April.
Drewry (2026) World Container Index – June 2026 Report. London: Drewry Shipping Consultants Ltd. Available at: https://www.drewry.co.uk/world-container-index [Accessed 9 June 2026].
دنيای اقتصاد (2026) ‘بازدارندگی ژئواکونومیک در دریای سرخ’ [الردع الجيواقتصادي في البحر الأحمر]، دنيای اقتصاد، 12 مايو. متاح على: https://donya-e-eqtesad.com/fa/tiny/news-136542. تم الوصول إليه في 9/6/2026.
ديپلماسى ايرانى (2026) ‘باب المندب و اهرم فشار جديد تهران’ [باب المندب ورافعة الضغط الجديدة لطهران]، ديپلماسى ايرانى، 20 أبريل. متاح علىhttp://www.irdiplomacy.ir/fa/news/136421. تم الوصول إليه في 9/6/2026. ا
Middle East Monitor (2026) ‘Houthi attacks slash Eilat port revenue to near zero, Israeli newspaper reports’, Middle East Monitor, 13 January. Available at:
https://www.middleeastmonitor.com/20260113-houthi-attacks-slash-eilat-port-revenue-to-near-zero-israeli-newspaper-reports/ [Accessed 9 June 2026].
Calcalist (2026) ‘The Cost of Circumvention: How Red Sea Attacks Reshaped Israeli Imports’, Calcalist, 5 February.
Etkes, H. and Feldman, N. (2026) ‘The Strategic Cost of Maritime Disruption for Israel’, INSS Insight, No. 1854. Tel Aviv: Institute for National Security Studies
‘Stop the Folly or Face Consequences in Hormuz, Bab al-Mandeb’, Mehr News Agency, 8 June 2026,
https://en.mehrnews.com/news/245145/Stop-the-folly-or-face-consequences-in-Hormuz-Bab-al-Mandeb [accessed8 June 2026]
‘From Hormuz Strait to Red Sea Resistance’s New Security Belt’, Mehr News Agency, 8 June 2026, https://en.mehrnews.com/news/245180/From-Hormuz-Strait-to-Red-Sea-resistance-s-new-security-belt [accessed 8 June 2026]
Blanchard, C.M. (2026 ) Yemen: Conflict Overview and U.S. Policy. Washington, DC: Congressional Research Service, April. Available at: https://crsreports.congress.gov/product/pdf/R/R46981 [Accessed 9 June 2026].
Trump, D. (2025 ) Statement on Operation Rough Rider, The White House, 15 March. Available at: https://www.whitehouse.gov/statements/2025/03/rough-rider [Accessed 9 June 2026].
Johnsen, G. (2025 ) ‘Operation Rough Rider: An Assessment’, CTC Sentinel, 18(6), June. Available at: https://ctc.westpoint.edu/operation-rough-rider-an-
/ [Accessed 9 June 2026].
Whalley, N. (2025 ) ‘US Leaves Yemen Worse Than It Found It’, Sana’a Center for Strategic Studies, 9 May. Available at: https://sanaacenter.org/publications/perspectives-and-analyses/24753 [Accessed 9 June 2026].
‘US Carrier Strike Group Reroutes Around Africa to Avoid Houthi Anti-Ship Missiles’, USNI News, 18 April 2026, https://news.usni.org/ [accessed 10 June 2026]. Citrinowicz, D. and Abdi, H. (2026 ) ‘The Houthi Threat to Israel and Somaliland — Characteristics and Policy Recommendations’, INSS Insight, No. 2134, 29 April. Tel Aviv: Institute for National Security Studies. Available at: https://www.inss.org.il/publication/houthi-threat-israel-somaliland/ [Accessed 9 June 2026].
International Crisis Group (2026 ) Bab al-Mandab, Yemen, Trigger List: Iran-US-Israel. Brussels: ICG, April. Available at: https://www.crisisgroup.org/trigger-list/iran-usisrael-trigger-list/flashpoints/bab-al-mandab-yemen [Accessed 9 June 2026].
Guzansky, Yoel, ‘The Red Sea Rift: Growing Divergence between US and Israeli Strategies toward the Houthi Threat’, Institute for National Security Studies (INSS) Insight, No. 214, 18 June 2025,
Guzansky, Yoel, ‘The Red Sea Rift: Growing Divergence between US and Israeli Strategies toward the Houthi Threat’, Institute for National Security Studies (INSS) Insight, No. 214, 18 June 2025, https://www.inss.org.il/wp-content/uploads/2025/12/Memo-248_Digital.pdf [accessed 9 June 2026]. Middle East Institute (2025) ‘US Policy in the Middle East: Third Quarter 2025 Report Card’, MEI, 27 October. Available at: https://mei.edu/report/us-policy-middle-east-third-quarter-2025-report-card/ [Accessed 9 June 2026].
Abu Alasrar, F. (2026) ‘What the Red Sea Conflict Between the U.S. and the Houthis Taught Iran’, Stimson Center, 15 May. Available at: https://www.stimson.org/2026/what-the-red-sea-conflict-between-the-u-s-and-the-houthis-taught-iran/ [Accessed 10 June 2026].
Chatham House (2025) ‘Despite the Gaza ceasefire, the Israel–Houthi conflict may resume’, Chatham House, 24 October. Available at: https://www.chathamhouse.org/publications/the-world-today/2025-09/despite-gaza-ceasefire-israel-houthi-conflict-may-resume [Accessed 10 June 2026].
Yemen Conflict Observatory (2026) ‘Houthis declare full navigation ban on Israeli vessels’, Yemen Conflict Observatory, 8 June. Available at: https://yemenconflictobservatory.org/2026/06/08 [Accessed 10 June 2026].
ظهرت المقالة باب المندب في معادلة الصراع الإيراني الأمريكي الإسرائيل وسيناريوهات ما بعد الاتفاق أولاً على المخا للدراسات الاستراتيجية.