شجرة الرُّصف والعلاج المعجزة.. كيف تُضلل الادعاءات مرضى السرطان في اليمن؟
تدقيق حقائق
منذ 5 ساعات
مشاركة

المصدر: AFP

في السادس والعشرين من تموز/يوليو 2025، نشر حساب يحمل اسم “فائز العامري” على منصة فيسبوك، مقطعاً مصوراً يتحدث فيه أن شجرة “الصف أو الرُّصف”، التي يقف بجانبها، كانت سبباً لعلاج زوجته من مرض سرطان الرئة، وذلك من خلال استخدامها مرتين فقط خلال أسبوعين.

يتناول التقرير الادعاءات حول قدرة شجرة الرُّصف على القضاء نهائياً على مرض السرطان، في ظل الترويج لها في اليمن كبديل علاجي وحل نهائي للمرض، ويتطرق للحقائق العلمية بمدى فاعلية الأشجار والنباتات في علاج الأورام السرطانية عند استخدامها بشكلها الخام.


تداول الادعاء

يتحدث العامري في الفيديو -الذي حصد أكثر من ثلاثة ملايين ومئة ألف مشاهدة، وأكثر من 41 ألف إعجاب، وثلاثة آلاف وتسعمئة تعليق، و15 ألف و590 مشاركة حتى تاريخ 20 أيار/مايو 2026- أن زوجته عندما شُخّصت بمرض سرطان الرئة، وأجمع الأطباء على ذلك في أكثر من مستشفى، بدأت بتلقي العلاج الكيميائي، لكنّ استفادتها كانت محدودة. يضيف بالفيديو: “كانت تنقص الهرمونات 50 أو 100 وأحياناً لا تنقص شيء”، حتى نصحه أحد الأطباء بالسفر مع زوجته إلى مصر للعلاج قبل انتشار المرض للدماغ. 


لقطة شاشة للفيديو المتداول (مؤرشف)


وتابع العامري أن بعض الأسر نصحته باستعمال شجرة الرصف، الظاهرة في الفيديو (وعند مقارنتها مع صور للنبتة يتبين أنها بالفعل نبتة الرصف) التي يزعم أنها تشفي من المرض.

نشر العامري الفيديو لـ”تعميم الفائدة”، وبدأ يروي قصة زوجته في المجالس التي يرتادها، موضحاً أنها بعد استخدام شجرة الرصف وتجفيفها وطحنها، انخفض انتشار المرض، حسب قوله، من 2400 إلى 400 (دون تحديد طبيعة هذا الرقم)، بعد أسبوع من الجرعة الأولى. فيما في الأسبوع التالي وبعد الجرعة الثانية، انخفض بشكل كبير وبعد عمل الفحص، وجد أن السرطان انتهى تماماً وفق التحاليل، ولم يزر بعدها أي طبيب أو مستشفى، كما يدعي.

تواصلنا مع العامري عبر حسابه الفيسبوك لمدنا بالفحوصات التي كان يدعيها، وأكد أن 90 في المئة من الأشخاص الذين تواصلوا معه بشأن الفيديو، قالوا إنهم استفادوا بشأن علاج الشجرة للسرطان. وذكر أن الأوراق والفحوصات ليست معه حالياً، لأن الأمر قد مضى عليه فترة طويلة، ومن غير الممكن أن يحتفظ بها، مضيفاً أنه قد يمدنا بها إن توفرت لديه.

أكد العامري بأنه ما زال ينصح بنبتة الرصف كعلاج للسرطان، بناء على تجربة عائلته معها، لكنّه أكد أهمية المتابعة مع الأطباء لقياس التحسن، وفي حال لم يكن هناك تحسن بعد فترة، ليسلك المريض طرقاً أخرى.

نشرت الفيديو تباعاً عدة حسابات يمنية، عبر منصتي فيسبوك ويوتيوب، تحت عناوين مختلفة منها (اليمن تفاجئ العالم بعلاج للسرطاننبات مهجور يشفي من السرطانهام عشبة تستخدم لعلاج السرطان).



بدورها، تفاعلت حسابات عديدة مع الفيديو، وعلقت أنه سيكون “أكبر معين” لمرضى السرطان، كما تظهر الأمثلة أدناه:



“حساب العامري” بعد تفاعل حسابات كثيرة مع المقطع، نشر مقطعاً آخر في اليوم التالي 27 تموز/يوليو 2025، متحدثاً وهو يقف إلى جانب شجرة الرصف، بأن رسائل بالآلاف وصلته للبحث عن الشجرة وطريقة استخدامها؛ ما يعكس المخاطر المحتملة لانتشار معلومات طبية غير موثوقة بين أفراد المجتمع.

نشر العامري مقطعا ثالثاً في تشرين الأول/أكتوبر 2025، ولايزال يشيد بدور الشجرة في علاج السرطان، منوهاً أنه يجب زيارة الطبيب بعد استخدامها لمعرفة نجاح فاعليتها أم لا.


شجرة الرصف أو اللصف

تُعد شجرة اللصف أو الرصف من أنواع نبات الكبر الغضروفي، واسمها العلمي Capparis cartilaginea، وتنمو في البيئة الصخرية والجافة في قارة آسيا وشمال وشرق إفريقيا، وتُستخدم في الطب البديل لعلاج الحالات الالتهابية مثل الروماتيزم والتهاب المفاصل، من قبل سكان المناطق التي تنمو فيها. وبالبحث عن البنية الكيميائية للشجرة، فإنها تحوي مادة الفلافونويدات ذات خصائص مضادة للأكسدة ومضادة للالتهاب، بحسب دراسة نشرت عام 2024 في مجلة Phytomedicine Plus، ولكن حتى اللحظة لا توجد دراسات مُحكَمة تثبت فعالية علاجية مباشرة ضد السرطان في نماذج حيوانية أو في الإنسان. 


لقطة شاشة من موقع وزارة الصحة في الإمارات عن نبتة الرصف أو اللصف



مرض السرطان “الفتّاك”، هل من علاج؟

على مدار سنوات، ظل السرطان أحد الأسباب الرئيسة للوفاة في جميع أنحاء العالم، وقد أزهق أرواح 9.7 مليون شخص في عام 2022؛ أو ما يعادل وفاة واحدة تقريباً من كل ست وفيات. 

ولأن المصابين بالمرض كثر، يلجأ البعض إلى الترويج للأشجار والأعشاب على أنها العلاج الأمثل، بدلاً من العلاج التقليدي المتمثل في (العلاج الكيميائي – الإشعاعي – العمليات الجراحية – العلاج المناعي – الموجه).


 


تُسوَّق العلاجات البديلة، كالأدوية العشبية، أحياناً على أنها وسيلة لعلاج السرطان. وكثيراً ما نتلقى استفسارات حول وجود أي دليل علمي يدعم هذه الادعاءات. إجابتنا واضحة: لا يوجد دليل علمي يثبت قدرة العلاجات البديلة على علاج السرطان، وقد يكون استخدامها بدلاً من العلاجات التقليدية أمراً خطيراً. مع ذلك، ندرك أن تشخيص الإصابة بالسرطان قد يكون أمراً مُرهقاً، وقد يلجأ البعض إلى العلاجات البديلة لتخفيف معاناتهم. 


من موقع World Wide Cancer Research

إلى جانب الادعاء بأن شجرة الرصف تعالج السرطان، لفت انتباهنا في الفيديو حديث العامري عن الأعراض التي قال إن أوراق الشجرة تسببها عند استخدامها، مشيراً إلى أنها تتشابه إلى حد كبير مع أعراض العلاج الكيميائي، وتحديداً عقار Methotrexate (ميثروتريكست). وأوضح أن هذه الأعراض شملت ظهور حبوب في اللثة، والتقيؤ، وتساقط الشعر.

عند البحث نجد أن (Methotrexate) هو دواء يستخدم بشكل أساسي لعلاج بعض أنواع السرطان عن طريق إبطاء نمو الخلايا السرطانية، ولديه مجموعة أعراض منها ما ورد على لسان العامري، كالقيء وتساقط الشعر وظهور تقرحات في الفم، كما أنه لا يستخدم إلا بإشراف طبيب مختص، ولم يتسنَّ لنا التحقق من ظهور هذه الأعراض عند تناول الرصف، بيد أن نبتة اللصف أو الرصف لا تحتوي ضمن تركيبها الكيميائي، وفق الدراسات، عقار الميثروتريكست أو مركبات قريبة من بنيته.


علاج السرطان لا يُعمم

لا تعالج أنواع السرطان المختلفة بالعلاج نفسه أو الطريقة نفسها، بعكس ما ينشر ويتداول بأن شجرة الرصف علاج للسرطان بشكل عام.

يقول استشاري الأورام في مركز الأمل لعلاج الأورام بمحافظة تعز اليمنية، الطبيب أمين المزاحم، إن علاج السرطان لا يمكن تعميمه، لأنه يختلف باختلاف نوع الورم وأسبابه المتعددة ومكانه في الجسم، والفئة العمرية، فما يناسب علاج سرطان الثدي -على سبيل المثال- لا يناسب بالضرورة علاج سرطان المعدة أو غيره من الأورام السرطانية.

وأشار المزاحم إلى أن العلاجات المستخدمة؛ سواء العلاج الكيميائي أو الموجه، تقوم على آلية علميّة دقيقة، فيعتمد كل نوع منها على استهداف مستقبلات محددة على سطح الخلايا السرطانية، وقد يحتاج المرض الواحد إلى أكثر من علاج.

الجدير ذكره أن هناك مخاطر عند تناول الأشجار أو الأعشاب دون أدلة علمية ودراسات، قد تهدد صحة وحياة المواطنين، خصوصاً عند الإفراط في تناولها وفقاً لاستعمالات شخصية فردية وتعميمها على أنها علاج. 

في هذا السياق، حذر المزاحم، من استخدام بعض الأشجار بالتزامن مع العلاجات، لأنها قد تتفاعل معها، ما قد يؤثر في حالة المريض وتتسبب في حدوث مضاعفات. علاوة على ذلك، تتفاعل الأعشاب مع أدوية العلاج الكيميائي عبر آليات مختلفة؛ فبعضها قد يتداخل مع عملية التمثيل الغذائي للأدوية، ما يقلل من فاعليتها. وفي المقابل، قد تؤدي أعشاب أخرى إلى تفاقم الآثار الجانبية للعلاج الكيميائي، مثل زيادة خطر الإصابة بالنزيف وفشل الكبد والكلى.


الأدلة العلمية تدحض الادعاءات

لم نجد معلومات عن شجرة الرصف تحديداً في أي من الدراسات العلمية، أو من قبل الأطباء المختصين أو مراكز الأبحاث، ما يثبت أنها تعد علاجاً نهائياً أو جزئياً للسرطان، أو أنها قد تسهم في إيقاف نمو الخلايا السرطانية.

يؤكد المعهد الوطني للسرطان في الولايات المتحدة، عدم وجود أي دراسات تثبت إمكانية أن يسهم أي نظام غذائي خاص، أو نوع معين من الطعام، أو الفيتامينات، أو المعادن، أو المكملات الغذائية، أو الأعشاب، أو أي مزيج منها، في إبطاء مرض السرطان أو علاجه أو منع عودته، وهو ما يفند ادعاءات العامري حول شجرة الرصف. وبحسب المعهد، قد تسبب بعض هذه المنتجات أو الأعشاب مشكلات أخرى من خلال التأثير في فاعلية علاج السرطان الذي يتلقاه المريض.


لقطة شاشة من موقع المعهد الوطني للسرطان في الولايات المتحدة


في المقابل، لا يشجع المعهد الأمريكي لأبحاث السرطان على تناول نباتات أو أطعمة بشكل مباشر كعلاج، لكنه يشير إلى أن بعض النباتات الشائعة، مثل البقدونس والزنجبيل والكركم، تحتوي على مركبات تخضع للدراسة حالياً لمدى قدرتها على المساعدة في الوقاية من السرطان ومع ذلك، لا تزال هناك حاجة لمزيد من الأبحاث. 


متى تنتهي إشاعات “الخلطات السحرية” لعلاج السرطان؟

لم تكن المقاطع التي نشرها حساب العامري على فيسبوك، هي الأولى التي تروّج لفاعلية شجرة الرصف لعلاج السرطان في اليمن، كما أنها ليست الأخيرة. 

رصدنا خلال البحث المعمّق في محركات البحث، عدداً من المقاطع والأخبار التي تروّج لهذه الشجرة بأنها علاج لمرض السرطان، خلال الفترة من تشرين الثاني/نوفمبر 2022 حتى نيسان/أبريل 2026 على منصتي يوتيوب وفيسبوك، ومواقع إخبارية متعددة.

وهذه عينة من الحسابات والمواقع الإخبارية التي روّجت لشجرة الرصف باليمن على أنها علاج لمرضى السرطان:



كانت الكلمات أو العبارات الأكثر تداولاً هي “العشبة المعجزة”، “مفاجأة العالم بعلاج السرطان”، “حيرت الأطباء”، “شجرة السرطان”، “صيدلية متكاملة”، “شجرة لكافة الالتهابات”، “تساعد على الحمل”، وغيرها.


لقطة شاشة لخبر في موقع أخبار العرب حول “العشبة المعجزة”


ذكرت دراسة نُشرت نتائجها في مجلة المعهد الوطني للسرطان (JNCI) بتاريخ 10 آب/ أغسطس 2017، أن مرضى السرطان الذين استخدموا علاجات بديلة، دون الخضوع للعلاج الكيميائي التقليدي، كانوا أكثر عرضة للوفاة.


علاجات غير آمنة ومضللة

وحول إمكانية الأعشاب أو النباتات لعلاج السرطان، توضح الجمعية الأميركية للسرطان أن ما يُروج له يستند إلى تجارب وآراء شخصية وليس إلى أبحاث علمية؛ إذ إن هذه المنتجات قد تكون غير آمنة، وتتضمن ادعاءات كاذبة أو مضللة.

من جهته، يؤكد المزاحم، أنه كلما زاد وعي المجتمع حول أهمية العلاج المبكر، كانت فرص النجاة أكبر، وكلما تأخر كان العلاج أصعب والمضاعفات أشد. وحول تأخر بعض المرضى في الذهاب للمراكز الطبية المتخصصة، يوضح أن هناك عدة أسباب أبرزها لجوء المرضى إلى الطب البديل والأعشاب التي يُروّج لها في اليمن مثل “شجرة الرصف” وغيرها.

لذا نجد أن المعلومات التي يُروج لها حول هذه الشجرة غير صحيحة، ولا توجد أي أدلة أو دراسات تثبت فعاليتها، أو حتى أمانها في الاستخدام؛ حتى الذين يروجون لهذه الشجرة يؤكدون أن لها آثاراً جانبية تشبه الآثار المترتبة عن الحقن الكيميائية، وهو ما يعزز أضرارها نظراً لاستخدامها دون إشراف طبي، في الوقت الذي تواصل فيه مراكز أبحاث عالمية تطوير أدوية آمنة للسرطان.


أنجز هذا التقرير بالتعاون بين أريج والمشاهد نت

أخبار ذات صلة.

( نوافذ يمنية) محرك بحث إخباري لا يتحمل أي مسؤولية قانونية عن المواد المنشورة فيه لأنها لا تعبر عن رأي الموقع..

جميع الحقوق محفوظة 2026 © نوافذ يمنية