صيف الحديدة.. جحيم يحرق السكان وموسم هروب قيادات الحوثي
حزبي
منذ ساعتين
مشاركة

 

مع كل صيف يحل على مدينة الحديدة الساحلية، يتكرر المشهد ذاته بصورة  مأساوية، إذ يواجه السكان الحر والرطوبة وانهيار الخدمات، بينما تبدأ قيادات ومشرفو مليشيا الحوثي مغادرة المدينة نحو مناطق أكثر اعتدالًا، تاركين خلفهم مدينة تختنق بحرارتها وإهمالها.

 

وبينما يبحث أبناء الحديدة عن الحد الأدنى من الخدمات التي تخفف قسوة الصيف، يثير النزوح الموسمي لمشرفي المليشيا نحو المدينة شتاءً، ومغادرتها صيفًا، موجة سخط واسعة، باعتباره انعكاسًا صارخًا لعقلية تتعامل مع المحافظة كغنيمة موسمية لا كمدينة منكوبة تحتاج إلى الإنقاذ.

 

وفي الوقت الذي تتصاعد فيه معاناة الأهالي مع موجات الحر القاسية، تتحول الكهرباء أيضًا إلى عبء إضافي يثقل كاهل السكان، مع ساعات انقطاع طويلة، وجبايات متكررة، وحملات فصل جماعية، وسط اتهامات للمليشيا بتحويل المؤسسات الخدمية إلى أدوات استنزاف وجمع أموال.

 

منتجع شتوي للمشرفين

 

في واحدة من أكثر الصور التي تلخص طبيعة العلاقة بين المليشيا والحديدة، يبدأ مشرفو وقيادات الحوثي بمغادرة المدينة مع اشتداد حرارة الصيف، بعد أشهر قضوها فيها خلال فصل الشتاء، حيث تتحول المحافظة الساحلية إلى وجهة موسمية لقيادات الجماعة القادمة من المناطق الباردة.

 

وخلال موسم الشتاء من كل عام، تشهد الحديدة تدفقًا واسعًا لمشرفي المليشيا القادمين من صنعاء وصعدة وذمار وعمران، بحثًا عن الطقس الدافئ والأجواء المعتدلة، في مشهد يراه السكان انعكاسًا واضحًا لنظرة الجماعة إلى المدينة باعتبارها مساحة للراحة والاستجمام لا أكثر.

 

ويقول سكان إن الفنادق والشقق السكنية تمتلئ خلال تلك الفترة بقيادات ومسلحي الجماعة، إلى درجة يصبح معها العثور على غرفة للإيجار أمرًا بالغ الصعوبة، فيما تشهد الأسواق موجات ارتفاع في الأسعار، خصوصًا أسعار اللحوم والأسماك والقات والخدمات المرتبطة بإنفاق المشرفين وبذخهم.

 

وتعكس هذه الهجرة الموسمية، بحسب ناشطين، طبيعة الإدارة الحوثية للمحافظة، القائمة على الاستفادة من مواردها وموقعها دون أي إحساس بالمسؤولية تجاه سكانها، الذين يواجهون كل صيف واقعًا قاسيًا من الاختناق الحراري وتردي الخدمات وتفاقم الأعباء المعيشية.

 

عقلية الفيد والاستنزاف

 

تتعامل مليشيا الحوثي مع محافظة الحديدة بمنطق الغنيمة، عبر استنزاف مواردها وإيراداتها بصورة مستمرة، مقابل غياب شبه كامل لأي مشاريع خدمية حقيقية، في وقت تتدهور فيه الكهرباء والمياه والبنية الأساسية إلى مستويات غير مسبوقة من الانهيار.

 

وتحوّلت المؤسسات الإيرادية في المحافظة، بحسب موظفين ومواطنين، إلى مراكز نفوذ لشبكات فساد مرتبطة بقيادات حوثية نافذة في صنعاء وصعدة، تدير موارد الحديدة بعقلية الجباية، بينما يعاني العاملون داخل تلك المؤسسات من انقطاع الرواتب وغياب أبسط الحقوق الوظيفية والمعيشية.

 

ويقول سكان إن الإيرادات التي تجنيها المليشيا من الموانئ والضرائب والجمارك والرسوم المختلفة لا تنعكس على واقع الخدمات أو تحسين أوضاع المدينة، بل تذهب لصالح شبكات المصالح والإنفاق على المشرفين واللجان، في وقت تتسع فيه معاناة السكان بصورة يومية.

 

وتتصاعد حالة السخط الشعبي في المدينة ضد مليشيا الحوثي عامًا بعد آخر، مع استمرار الوعود الحوثية بتحسين الخدمات دون أي نتائج ملموسة، بينما تتسع الفجوة بين حجم الموارد التي تُجبى من المحافظة، ومستوى التدهور الذي يعيشه السكان في مختلف القطاعات الأساسية.

 

معاناة تتجدد كل عام

 

ما إن تبدأ درجات الحرارة بالارتفاع في مدينة الحديدة، حتى يدخل السكان في مواجهة يومية مع طقس خانق ورطوبة قاسية، تتجاوز معها درجات الحرارة مستويات مرهقة، بينما تبدو المدينة، المكتظة بالسكان، عاجزة عن توفير الحد الأدنى من مقومات الحياة التي تخفف وطأة الصيف اللاهب.

 

ومع الساعات الأولى للنهار، تتحول الأزقة والمنازل إلى مساحات ملتهبة، ويشكو السكان من حالات إنهاك متزايدة، وظهور طفح جلدي وحبوب حرارة بين الأطفال وكبار السن، إضافة إلى موجات حُمّى وإغماءات متكررة، في ظل غياب الرعاية الصحية المناسبة وتدهور الخدمات الأساسية.

 

ويقول سكان محليون إن معاناة الحديدة لا ترتبط فقط بارتفاع درجات الحرارة، بل بانعدام الوسائل التي تساعد الناس على التكيف معها، خصوصًا مع الانقطاعات الطويلة للكهرباء وارتفاع تكاليف المعيشة، ما يجعل الصيف بالنسبة لكثير من الأسر موسمًا مفتوحًا للمعاناة والاستنزاف اليومي.

 

وفي مقابل هذه الظروف القاسية، تتصاعد حالة الغضب الشعبي من تجاهل مليشيا الحوثي لمعاناة المدينة الساحلية، رغم الإيرادات الضخمة التي تجنيها من موانئها ومؤسساتها، وسط اتهامات للجماعة بالتعامل مع الحديدة كمصدر للجباية فقط، دون أي اهتمام حقيقي بالخدمات أو احتياجات السكان.

 

الكهرباء.. أزمة مستمرة

 

تتصدر أزمة الكهرباء واجهة معاناة سكان الحديدة مع دخول فصل الصيف، بعدما تحولت الخدمة إلى واحدة من أكثر الأزمات إنهاكًا للسكان، في ظل ساعات تشغيل محدودة لا تتجاوز خمس أو ست ساعات يوميًا، مقابل انقطاع يمتد لأكثر من سبع عشرة ساعة متواصلة.

 

ووفق تقارير صحفية، فإن ما تبقى من القدرة التوليدية لمحطة كهرباء الحديدة لا يتجاوز نحو ثمانية ميجا فقط، وسط أعطال متكررة وتهديد دائم بالتوقف الكامل، نتيجة عدم توفير كميات الديزل اللازمة للتشغيل من قبل المؤسسة العامة للكهرباء الخاضعة لسيطرة مليشيا الحوثي في صنعاء.

 

ورغم هذا الانهيار الحاد في الخدمة، تواصل المؤسسة تنفيذ حملات تحصيل مكثفة بحق المواطنين، مع إلزام السكان بسداد الفواتير بصورة متكررة كل خمسة عشر يومًا، فيما يؤدي أي تأخير بسيط في الدفع إلى فصل التيار مباشرة عن المنازل والحارات السكنية.

 

ويتهم سكان في الحديدة مؤسسة الكهرباء بتحويل حاجة الناس الملحّة للخدمة خلال الصيف إلى وسيلة للابتزاز والجباية، عبر فرض رسوم إضافية تحت مسميات متعددة، بينها ضرائب وصناديق دعم، في وقت تتراجع فيه الخدمة إلى مستويات غير مسبوقة من التدهور والانقطاع.

 

وفي مقابل عجز المؤسسة عن توفير الكهرباء بصورة مستقرة، تتحدث مصادر محلية عن إنفاق ملايين الريالات على لجان إشراف ومتابعة تُوفد من صنعاء إلى الحديدة، تشمل مخصصات مالية وسكنية ومصاريف تشغيلية، ما يعمّق حالة السخط الشعبي تجاه إدارة القطاع الخدمي في المحافظة.

 

سخط شعبي متصاعد

 

تتزايد حالة السخط الشعبي في الحديدة مع كل صيف، في ظل شعور واسع لدى السكان بأن المحافظة تُترك عمدًا لمواجهة مصيرها القاسي، بينما تنشغل قيادات المليشيا بالجباية وتبادل الوعود، دون أي خطوات حقيقية لمعالجة الأزمات المتفاقمة التي تثقل حياة الناس يوميًا.

 

ويؤكد مواطنون أن المدينة تحتاج حضور مؤسسات الدولة في ذروة الصيف، حين تبلغ الحرارة والرطوبة مستويات خانقة، وتتضاعف معاناة المرضى وكبار السن والأطفال، لا خلال مواسم الشتاء التي تتحول فيها الحديدة إلى محطة مؤقتة للمسؤولين والمشرفين الباحثين عن الطقس المعتدل.

 

وفي السياق، أثار منشور للشيخ علي ناصر قرشة، أحد المتحوثين، تفاعلًا واسعًا بعد انتقاده ظاهرة النزول الموسمي لمشرفي الحوثي إلى الحديدة خلال الشتاء، مقابل تجاهل معاناة السكان خلال أشهر الصيف الحار وما يرافقها من انهيار للخدمات الأساسية.

 

ويرى أبناء المدينة أن استمرار هذا الواقع يعكس حجم الفجوة بين المليشيا والمجتمع المحلي، خصوصًا مع تفاقم الأزمات المعيشية والخدمية، مقابل اتساع نفوذ شبكات المصالح والفساد، التي تتعامل مع الحديدة كمصدر للإيرادات والنفوذ أكثر من كونها مدينة مأهولة بالسكان.

أخبار ذات صلة.

( نوافذ يمنية) محرك بحث إخباري لا يتحمل أي مسؤولية قانونية عن المواد المنشورة فيه لأنها لا تعبر عن رأي الموقع..

جميع الحقوق محفوظة 2026 © نوافذ يمنية