هل يمكن لليمن أن يساعد دول الخليج في تجنب مضيق هرمز؟
أهلي
منذ 3 ساعات
مشاركة

يمن مونيتور/ وحدة الترجمة (خاص)/ من محمد الباشا (معهد دول الخليج العربي في واشنطن)

كشفت الحرب الأمريكية الإسرائيلية مع إيران وتعطل حركة الملاحة عبر مضيق هرمز عن واحدة من أعمق نقاط الضعف الاستراتيجية لدول الخليج. فعلى مدى عقود، اعتمدت المملكة العربية السعودية ودول الخليج الأخرى على مضيق هرمز باعتباره الشريان الرئيسي للتجارة العالمية وصادرات الطاقة. بيد أن الأحداث التي تلت بدء الولايات المتحدة وإسرائيل شن ضربات على إيران في 28 فبراير/ شباط أظهرت مدى السرعة التي يمكن أن يهدد بها صراع إقليمي أسواق النفط والغاز الدولية.

ووصفت وكالة الطاقة الدولية هذه الأزمة بأنها أكبر اضطراب في الإمدادات في تاريخ الطاقة الحديث، حيث انهارت تدفقات النفط عبر مضيق هرمز من نحو 20 مليون برميل يومياً إلى ما يزيد قليلاً عن مليوني برميل في غضون أسابيع من اندلاع الحرب. وقد أعاد هذا الأمر الاهتمام بهدف استراتيجي سعودي قديم، يتمثل في تأمين طرق تصدير بديلة تتجاوز مضيق هرمز، بما في ذلك إمكانية إنشاء ممر لأنابيب النفط عبر المحافظات الشرقية لليمن باتجاه بحر العرب.

ويبدو التوقيت الحالي للنظر في اليمن كطريق بديل مواتياً لأسباب تتجاوز حصار المضيق؛ ففي 14 مايو/ أيار، وقعت الأطراف في اليمن على أكبر اتفاق لتبادل الأسرى منذ بدء النزاع اليمني، حيث من المتوقع إطلاق سراح نحو 1600 معتقل، بمن فيهم أسرى سعوديون. وجاء هذا الاتفاق بعد أشهر من المفاوضات في عمان، وشكّل واحداً من أوضح إجراءات بناء الثقة منذ سنوات. وفي الوقت نفسه، مر أكثر من ستة أشهر على آخر هجوم حوثي على سفينة تجارية في البحر الأحمر، وأكثر من شهر على آخر هجوم بطائرة مسيرة أو صاروخ انطلق من اليمن واستهدف إسرائيل. وبدأت إجراءات خفض التصعيد تؤتي ثماراً سياسية وأمنية ملموسة، وإذا ما استمرت، فإن التعاون الاقتصادي وفي مجال الطاقة — أولاً وقبل كل شيء داخل اليمن نفسه، ولاحقاً بين اليمن ودول الخليج — قد يصبح المسار الرئيسي القادم لبناء الثقة في عملية السلام الإقليمية الأوسع.

وبالنسبة للمملكة العربية السعودية ودول مجلس التعاون الخليجي، يبدو هذا المنطق مقنعاً للغاية، لا سيما وأن البدائل الحالية لمضيق هرمز لا تزال محدودة. إذ لا يزال خط أنابيب شرق-غرب السعودي يعتمد على طريق باب المندب، وهو نفسه معرض لتهديدات الحوثيين إذا ما قرروا استئناف هجماتهم في البحر الأحمر. كما واجهت البنية التحتية للتصدير التابعة لدولة الإمارات العربية المتحدة حول ميناء الفجيرة، المطل على خليج عمان، تهديدات بطائرات مسيرة خلال فترة التصعيد الإقليمي مع إيران. أما الطرق الأخرى المقترحة عبر العراق والأردن وسلطنة عمان، فتظل مقيدة بالتكلفة، أو عدم الاستقرار، أو الجغرافيا.

 

ممر طاقة سعودي يمني

وبناءً على ذلك، يظل الممر السعودي اليمني عبر حضرموت أو المهرة أحد البدائل القليلة القابلة للتطبيق استراتيجياً على المدى الطويل. ومع ذلك، فإن هذا المشروع لا يقتصر على كونه مجرد مشروع هندسي، بل سيتطلب اتفاقيات سياسية بين مراكز النفوذ في شمال اليمن وجنوبه، والمملكة العربية السعودية، وسلطنة عمان، ومجلس التعاون الخليجي، والأطراف القبلية في شرق اليمن، وفي نهاية المطاف الحوثيين أنفسهم.

ومنذ عام 2017، أدى النشاط السعودي في المهرة إلى تكثيف الشكوك بشأن طموحات الرياض في المحافظة الواقعة في أقصى شرق اليمن. وما بدأ كانتشار محدود تطور إلى وجود أمني سعودي واسع النطاق، مع إنشاء أكثر من 20 قاعدة وموقعاً عسكرياً بحلول عام 2019. وقامت القوات السعودية بتأمين المنافذ الحدودية، وتوسيع نفوذها حول ميناء نشطون، وتجنيد رجال القبائل المحليين في وحدات مدعومة من السعودية، فضلاً عن تمويل مشاريع بنية تحتية اعتقد العديد من السكان أنها مرتبطة بخط أنابيب مستقبلي يمتد نحو بحر العرب.

وغذت هذه التحركات المقاومة بين المجتمعات المحلية في المهرة، التي خشيت أن تتحول محافظتهم إلى منطقة نفوذ سعودي طويل الأجل بدلاً من مجرد منطقة أمنية مرتبطة بحرب اليمن. وتعمقت الشكوك في عام 2018 بعد أن أشارت وثائق مسربة إلى وجود دراسات جدوى لإنشاء ميناء مستقبلي لتصدير النفط، مما عزز التكهنات بأن الرياض تعيد إحياء مشروع خط الأنابيب الذي طال نقاشه عبر شرق اليمن في خفاء. كما تأثرت السياسة السعودية في المهرة بالتنافس الإقليمي مع سلطنة عمان، التي حافظت تاريخياً على علاقات قبلية وسياسية قوية مع مجتمعات المهرة.

ولكن اليوم، يبدو الوضع في المهرة أكثر استقراراً مما كان عليه خلال فترات التوتر في عامي 2018 و2019. إذ تعتمد المملكة العربية السعودية بشكل متزايد على قوات من أبناء المهرة جرى تجنيدهم محلياً، ولا سيما “قوات درع الوطن”، في حين تحسنت العلاقات بين الرياض ومسقط بشكل ملحوظ منذ أن شهد البلدان توترات مع الإمارات العربية المتحدة بسبب النفوذ والأجندات المتنافسة في اليمن.

ومنذ تسعينيات القرن الماضي، درست المملكة العربية السعودية إمكانية بناء خط أنابيب عبر اليمن لتجاوز مضيق هرمز. وزعمت تقارير بأن الرئيس اليمني الأسبق الراحل علي عبد الله صالح قاوم المطالب السعودية بالسيطرة السيادية على الأراضي اللازمة لتأمين هذا الممر ومراقبته، لتنهار المفاوضات في نهاية المطاف.

ورغم ذلك، لم يختفِ الاهتمام السعودي قط؛ فعلى مر السنين، أدت التوترات الإقليمية مع إيران والتهديدات المتكررة للشحن البحري إلى زيادة القيمة الاستراتيجية لطريق تصدير مباشر يمتد من الخليج إلى بحر العرب. ووفر شرق اليمن، وتحديداً حضرموت والمهرة، خياراً جذاباً من الناحية الجغرافية؛ فخلافاً للطرق التي تمر عبر غرب سلطنة عمان، يتميز شرق اليمن بتضاريس مفتوحة نسبياً تمتد نحو بحر العرب مع تحديات هندسية أقل وتكاليف بناء أدنى.

 

عقبات

ومع ذلك، ورغم المنطق الاستراتيجي الكامن وراء ممر الطاقة السعودي اليمني، فإن المشروع يواجه عقبات هائلة. وأكثر هذه العقبات إلحاحاً هي الصراع السياسي والعسكري غير المستقر في اليمن؛ إذ لا يمكن لأي مشروع كبير للبنية التحتية للطاقة تكلفته عشرات المليارات من الدولارات أن يمضي قدماً بشكل واقعي دون تسوية سياسية مستقرة وضمانات أمنية تشمل الحوثيين.

وقد استهدف الحوثيون البنية التحتية للطاقة في الماضي؛ ففي أكتوبر/ تشرين الأول 2022، وبعد أسابيع من تحذيرات وجهها الحوثيون ضد صادرات النفط اليمنية، شنوا هجمات بطائرات مسيرة استهدفت ميناء النشيمة النفطي في شبوة وميناء الضبة النفطي في حضرموت. وفي 21 أكتوبر/ تشرين الأول 2022، غادرت ناقلة يونانية كانت تستعد لشحن ما يقرب من مليوني برميل من النفط الخام في ميناء الضبة دون تحميل الشحنة بعد أن ضربت طائرات مسيرة مكاناً بالقرب من المنشأة. وبعد أيام، أغلقت السلطات ميناء المكلا مؤقتاً عقب رصد طائرات مسيرة حوثية إضافية في الجوار. وفي نوفمبر/ تشرين الثاني 2022، أطلق الحوثيون صاروخاً على ميناء الضبة النفطي سقط بالقرب من مدخل المنشأة، مما رسخ وقف صادرات النفط الخام اليمني وسلط الضوء على مدى هشاشة البنية التحتية للطاقة في البلاد أمام تصاعد الصراع.

ويواصل الحوثيون تأطير قطاع الطاقة والموارد الطبيعية في اليمن كقضية سيادية، ويراقبون عن كثب أي تدخل أجنبي مرتبط بمشاريع النفط أو الغاز أو التعدين في المناطق الخاضعة لسيطرة الحكومة المعترف بها من قبل الأمم المتحدة. وتجددت التوترات بعد ظهور تقارير تفيد بأن المملكة العربية السعودية تعتزم توقيع مذكرة تفاهم مع الحكومة اليمنية للتعاون الفني والجيولوجي في مجال الموارد المعدنية بين هيئة المساحة الجيولوجية السعودية وهيئة المساحة الجيولوجية والثروات المعدنية اليمنية. وفي 9 مايو/ أيار، حذر رئيس البرلمان التابع للحوثيين، يحيى الراعي، المملكة العربية السعودية وحلفاءها من أي أنشطة تشمل الموارد الطبيعية لليمن، واصفاً إياها بأنها انتهاكات غير قانونية للسيادة اليمنية.

يخلق هذا الأمر التناقض الجوهري الذي يواجه أي ممر مستقبلي للطاقة بين الخليج واليمن؛ فمن الناحية الاقتصادية والاستراتيجية، يمكن للمشروع أن يعيد تشكيل شبه الجزيرة العربية، أما من الناحية السياسية والعسكرية، فلا يمكن أن يرى النور دون تسوية دائمة تشمل الحوثيين والفصائل اليمنية الأوسع نطاقاً.

 

فرص

ومع ذلك، فإن هذا الواقع نفسه قد يخلق فرصة أيضاً؛ إذ من المرجح أن يعتمد استقرار اليمن على المدى الطويل على ترابط اقتصادي أقوى، سواء داخل البلاد أو على مستوى المنطقة. وهناك نموذج قائم بالفعل يتمثل في شركة اليمن للغاز الطبيعي المسال (Yemen LNG)، حيث ترتبط حقول الغاز الطبيعي المسال في مأرب بشمال اليمن ببنية تحتية للتصدير في شبوة بالجنوب. ورغم سنوات الحرب والانقسام، خلق هذا المشروع مصالح اقتصادية مشتركة بين المناطق المتنافسة. ويظل الغاز الطبيعي المسال درة التاج للموارد الطبيعية في البلاد، ويتمتع بإمكانيات عوائد طويلة الأجل تفوق النفط الخام. ومن غير المرجح أن يحدث اقتتال حول الطاولة عندما يأكل الجميع من نفس الطبق.

ويمكن لصناع السياسات المعنيين بالملف اليمني في الخليج أن يستخلصوا الدروس أيضاً من تجربتي أوروبا والسودان؛ فقد أدى دمج الاتحاد الأوروبي لدول شرق أوروبا إلى تعزيز القوة الاقتصادية للاتحاد مع مساعدة الدول الأعضاء الجديدة على التطور من خلال الاستثمار في البنية التحتية، والوصول إلى الأسواق التجارية، والتكامل الاقتصادي. وفي الوقت نفسه، توضح العلاقة بين السودان وجنوب السودان الفوائد والمخاطر المترتبة على الترابط الاقتصادي؛ فقبل اندلاع الحرب الأهلية في السودان عام 2023، كانت الخرطوم تجني ما يقدر بنحو 146 مليون دولار شهرياً من رسوم العبور والمعالجة والرسوم السيادية المرتبطة بصادرات النفط الخام لجنوب السودان والتي تُنقل عبر خطوط أنابيب تعبر الأراضي السودانية إلى بورتسودان على البحر الأحمر. وخلق هذا الترتيب حوافز قوية للتعاون، لكنه أظهر أيضاً مدى السرعة التي يمكن بها لعدم الاستقرار السياسي والصراع أن يقوضا البنية التحتية الاستراتيجية للطاقة والأنظمة الاقتصادية العابرة للحدود.

 

شبكة البنية التحتية بين الخليج واليمن

ويمكن لشبكة بنية تحتية أوسع نطاقاً بين الخليج واليمن أن توسع هذا النموذج بشكل أكبر من خلال خطوط الأنابيب، والموانئ، والكهرباء، والسكك الحديدية، والمناطق الصناعية، والممرات التجارية التي تربط الخليج مباشرة ببحر العرب وشرق أفريقيا وغرب آسيا. ومن شأن هذه الشبكة أن تحول اليمن تدريجياً من ساحة معركة إلى دولة عبور استراتيجية تربط صادرات الطاقة الخليجية بالمحيط الهندي. ولن يقتصر هذا الأمر على توليد دخل لليمن من خلال رسوم عبور الأنابيب والدخول فحسب، بل سيسهم أيضاً في خلق فرص عمل، والمساعدة في تقليل معدلات البطالة المرتفعة، والحد المحتمل من فرص التجنيد لصالح المنظمات المتطرفة العنيفة التي تستهدف الشباب المستضعفين.

وقد تشير شراكة جديدة مع المملكة العربية السعودية إلى مزيد من استثمارات رؤوس الأموال في البنية التحتية للطاقة في اليمن؛ ففي أوائل مايو/ أيار، أعلن وزير الكهرباء اليمني عن إحياء خطط لمشروع الربط الكهربائي مع المملكة العربية السعودية ليشمل شبوة وحضرموت والمهرة. وفي حال الموافقة عليه، سيوفر المشروع إمدادات كهربائية مستقرة ومستمرة للمحافظات الشرقية الثلاث، بقدرة نقل متوقعة تصل إلى 1000 ميغاوات.

وقد يعتمد مستقبل ممر الطاقة هذا في نهاية المطاف على ما إذا كانت القوى الإقليمية ستختار النظر إلى اليمن كمجرد مشكلة أمنية أو كجزء من نظام اقتصادي أكبر يربط بين الخليج وبحر العرب وشرق أفريقيا وغرب آسيا. وإذا ما ظهرت تسوية سياسية يوماً ما، فقد يصبح اليمن عقدة حيوية في البنية التحتية للطاقة والنقل في الخليج.

 

The post هل يمكن لليمن أن يساعد دول الخليج في تجنب مضيق هرمز؟ appeared first on يمن مونيتور.

أخبار ذات صلة.

( نوافذ يمنية) محرك بحث إخباري لا يتحمل أي مسؤولية قانونية عن المواد المنشورة فيه لأنها لا تعبر عن رأي الموقع..

جميع الحقوق محفوظة 2026 © نوافذ يمنية