في الذكرى السادسة والثلاثين للعيد الوطني للجمهورية اليمنية، يرتبط الحديث عن الوحدة هذا العام ـ كما في السنوات الماضية منذ اندلاع الحرب ـ بقضية استعادة الدولة، باعتبارها الإطار الوطني الوحيد القادر على حفظ الاستقرار وضمان حقوق المواطنين ومنع البلاد من الانزلاق نحو مزيد من التشظي والانقسامات.
فمنذ إعلان الوحدة اليمنية في الثاني والعشرين من مايو 1990، ارتبط هذا الحدث في الوعي الشعبي بفكرة بناء دولة حديثة تتجاوز الانقسامات، وتؤسس لمؤسسات قادرة على إدارة البلاد وتحقيق الشراكة والاستقرار.
ولم يكن اليمنيون ينظرون إلى الوحدة باعتبارها مجرد دمج جغرافي بين شطرين، بقدر ما رأوا فيها مشروعاً لبناء دولة مؤسسات وقانون، ودولة مواطنة يشعر فيها الناس بأنهم متساوون أمام النظام العام، وتحكمهم سلطة قادرة على إدارة التنوع الاجتماعي والسياسي ضمن إطار وطني جامع.
لكن بعد أكثر من ثلاثة عقود، تبدو الصورة أكثر تعقيداً؛ فالحرب التي تعصف بالبلاد منذ سنوات لم تضرب البنية الاقتصادية والاجتماعية فقط، بل أصابت فكرة الدولة نفسها في الصميم.
ومع انهيار كثير من المؤسسات وتعدد مراكز النفوذ والقوة، عاد اليمنيون لاكتشاف حقيقة قديمة: لا يمكن الحفاظ على وحدة بلد ممزق من دون وجود دولة حقيقية تدير هذا التنوع وتحمي المجتمع من الفوضى والانقسام.
ولهذا، لم يعد الحديث عن الوحدة اليمنية منفصلاً عن قضية استعادة مؤسسات الدولة، لأن الدولة لم تعد مجرد جهاز إداري أو سلطة سياسية، بل أصبحت بالنسبة للمواطن اليمني مرادفاً للأمان والاستقرار والخدمات والقدرة على العيش بحد أدنى من الكرامة.
حين تغيب الدولة
خلال سنوات الحرب، عاش اليمنيون تجربة قاسية مع غياب مؤسسات الدولة أو ضعفها، ففي كثير من المناطق، ظهرت مراكز نفوذ مسلحة، وتراجعت قدرة المؤسسات الرسمية على أداء وظائفها الأساسية، من دفع الرواتب وتوفير الخدمات، إلى حفظ الأمن وإدارة الاقتصاد.
هذا الفراغ لم يخلق فقط أزمات معيشية خانقة، بل ساهم أيضاً في تصاعد الهويات الصغيرة والمشاريع الضيقة؛ الطائفية والمناطقية والسلالية، لأن غياب الدولة الجامعة يفتح المجال دائماً أمام القوى المحلية لإعادة تعريف الولاءات والانتماءات وفق مصالحها الخاصة.
ولعل ما كشفته السنوات الأخيرة بوضوح أن اليمنيين، مهما اختلفت مواقفهم السياسية، اكتشفوا أن غياب الدولة لا يقود إلى الحرية أو الاستقرار كما كان يُروَّج أحياناً، بل إلى مزيد من الفوضى والانهيار الاقتصادي وتآكل الحياة اليومية.
عدن كنموذج للدولة
وفي هذا السياق، يبرز الحديث المتكرر عن أهمية انتظام عمل مؤسسات الدولة من العاصمة المؤقتة عدن، باعتبار ذلك جزءاً أساسياً من معركة استعادة الثقة بالدولة نفسها.
والحديث عن عدن اليوم يعني الحديث عن النموذج الذي يُفترض أن يعكس قدرة الدولة على العودة والعمل واستعادة حضورها في حياة الناس، ولهذا ترتبط أي محاولة لتعزيز الاستقرار الاقتصادي أو الأمني أو الإداري في عدن بصورة مباشرة بفكرة إعادة بناء الدولة اليمنية.
ولهذا السبب، تُعد قضية توحيد القرار الأمني والعسكري من أهم التحديات أمام استعادة الدولة، لأن وجود تشكيلات متعددة وولاءات متباينة يجعل فكرة الدولة نفسها مهددة.
الوحدة كقضية دولة
يعود النقاش اليوم بقوة عن أهمية "المعالجة الوطنية العادلة" للقضايا المختلفة، وفي مقدمتها القضية الجنوبية، باعتبار أن الاستقرار الحقيقي لا يمكن أن يتحقق عبر الإقصاء أو تجاهل المظالم أو فرض الهيمنة بالقوة، بل من خلال الشراكة وضمان الحقوق وبناء نظام يشعر فيه الجميع بأنهم جزء من الدولة لا ضحايا لها.
وفي ظل الحرب الحالية، باتت معركة استعادة الدولة قضية وطنية جامعة تتجاوز الحسابات السياسية الضيقة، لأنها ترتبط بمستقبل اليمن نفسه، ذلك أن استمرار تعدد السلطات لا يهدد فقط شكل النظام السياسي، بل يهدد فكرة المجتمع والدولة معاً.
بين الهوية والدولة
ومما لا شك فيه أن قضية استعادة الدولة لا تتعلق فقط بإعادة تشغيل المؤسسات، بل بإعادة ترميم الثقة الوطنية نفسها، ذلك أن الحرب لم تخلق انقسامات سياسية وعسكرية فحسب، بل تركت جروحاً اجتماعية واقتصادية ونفسية عميقة.
قد يختلف اليمنيون حول شكل النظام السياسي أو توزيع السلطة أو طبيعة الحلول القادمة، لكن الأغلبية تتفق على حاجة البلاد إلى دولة تحفظ الحد الأدنى من النظام والاستقرار وتمنع الانهيار الكامل.
وفي هذا السياق، تبرز أيضاً أهمية الدعم الإقليمي، خصوصاً من المملكة العربية السعودية، التي بات دورها جزءاً من جهود دعم الاستقرار ومنع انهيار مؤسسات الدولة، سواء عبر الدعم الاقتصادي أو السياسي أو الأمني.
معركة المستقبل
اليوم، لم تعد قضية استعادة الدولة في اليمن مجرد شعار سياسي، بل تحوّلت إلى معركة يومية يعيشها المواطن في تفاصيل حياته؛ في الكهرباء، والرواتب، والأمن، والتعليم، والخدمات، وحتى في شعوره بأن هناك سلطة قادرة على إدارة البلاد بالقانون لا بالفوضى.
ولهذا تبدو ذكرى الوحدة اليمنية، بالنسبة لكثير من اليمنيين، فرصة لإعادة التفكير في معنى الدولة نفسها، لا مجرد استحضار حدث تاريخي مضى عليه أكثر من ثلاثة عقود، فالوحدة التي لا تحميها مؤسسات قوية وعادلة تبقى عرضة للاهتزاز مع كل أزمة، بينما الدولة القادرة على إدارة التنوع وتحقيق الشراكة وسيادة القانون تظل الضمانة الحقيقية لبقاء المجتمعات متماسكة مهما اشتدت الصراعات.
وفي ظل ما سبق، في بلد أنهكته الحرب والانقسامات، يبقى السؤال الأهم: كيف نبني دولة يشعر اليمنيون جميعاً أنها تمثلهم وتحميهم وتستحق البقاء؟