قَدِمَ يحيى بن الحسين الرسي أول مرة إلى اليمن سنة 280 من الهجرة متطلعا لأن يجد لأطمـاعه في اليـمن مسـتقر حكم و مقاما.
غير أن اليمنيين جابهوه بالرفض و الطرد، و أُخرج من اليمن إخراجا، فعاد أدراجه خائبا يتلمظ غيظا، و يتجرع يئسا.
لكن نزاعا جرى بين قبيلتين (ولا تنازعوا فتفشلوا) فتح له الباب واسعا؛ لأن زعيم إحدى القبيلتين لجأ إليه مستنصرا به لينتقم به. و عقلية الانتقام هنا لا تبالي بمن تستعين، و لا تفكر بقدر السقوط الذي يزينه رد فعل أحمق و حقد أعمى.
لم يطل أمد التشفي للمستنصر إلا مدة ترتيب الرسي لخفايا أطماعه التي يريد ليضرب تينك القبيلتين ببعضهما في حرب ضروس مهلكة، لتتفشى هذه الفتن( الرسية) بين كثير من القبائل التي كان يناصر بعضها على بعض.
كان الخلاف و التنازع هو ما أتاح الفرصة للرسي،و كانت تلك الإتاحة الغبية الثمرة الطبيعية للتمزق و الفرقة، و التفكك و الانقسام.
حين كان هدف اليمنيين سويا مستقيما ؛ كانوا قادة في الفتوح الإسلامية شرقا و غربا، و كان لهم حضورهم في الشام و بلاد السند، و في الأندلس.
ثم تراجعت الأهـداف نحو الأنانية، و باتجاه الأطماع عندهم و عند غيرهم، فحلت قيم الأنانية، محل نكران الذات، و تربعت نزعات المناطقية محل مبـدأ التــــأٓخي، فإذا بنا في منـازعات و حروب بينية مناطقية بين ما عُـرف بمعسكري المُضــــــرية و اليمانية. صراع في الشام كان أحد أسباب سقوط الدولة الأموية، و حروب في السند أضعف العباسيين، و صدامات في الأندلس تسببت في فقدانها كاملة بعد استقرار بها لأكثر من ثمانية قرون، و السبب في كل ذلك الفرقة و التمزق و الأنانية التي رعتها زعامات فقدت مواصفات الزعامة،و قيادات ليس لها حظ من حنكة القادة.
لم يفشل النهوض الرسـالي الذي بدأه الأولون من الفاتحين ، و لا فشل المشـروع الحضــاري الذي أسسه و بناه الفاتحـون ، و إنما فشل أصـحاب الرؤى الأنانية، و أصـــــحاب المشــــاريع العشــــائرية ، و المناطقية التي كان ثمارها التمزق، و الضياع و الانهزام، والخروج من بلاد شتى ..!!
لم يبن التمزق يوما بلـدا، و لم تصنع الفُــرقة يوما حضـــارة، و لم تقدم المشاريع الجهوية و العشائرية إلا الخراب والانكسار و الضياع.
الأهـــداف الرسالية، و الحضارية، و الإستراتيجية لا تفشل، و إنما يفشــــل القائمون عليها بسوء إدارتهم، و أنهم ليسوا من أهلها، و يزيد الطين بلة ، و الســفه خيبة، أن تبرز مشــــاريع الخيبة و الانكسار، و مشاريع التمزيق و الفرقة بنَفَس مناطقي متقزم، أو بروح عشائرية متخلفة، أو بمذهبية طائفية خرافية و منحطة.
تمثل الوحـــــدة اليمنية مشــروعا استراتيجيا لكل ذي لب، و عقل، و أعظم منها لو قُدّر لوحدة عربية أن تتم. و بالتالي لا ينبغي أن نحمل الوحدة أخطاء من أداروا الوحـــــدة اليمنية، فالمشاريع الكبرى تظل أبدا هدف الكبار جميعا ليعملوا على التصويب و التصحيح لتجاوز أخطاء المخطئين، و لا يتحمل مشروع الأمل و النهوض و التقدم نتائج أعمال الفاشلين.
إن تفكيك الكل إلى أجزاء، إنما هو عمل الصغار، فوق انه عمل ساذج أبله،و في الوقت نفسه يدعو من هم أصـغر، و من هم أكثر سذاجة إلى تمزيق الأجزاء إلى فُتات.
أخبار ذات صلة.