القرارات الحكومية الأخيرة.. انفراجة معيشية أم موجة غلاء جديدة؟
حزبي
منذ 9 ساعات
مشاركة

 

 

أقرت الحكومة اليمنية، الثلاثاء، حزمة واسعة من القرارات الاقتصادية والمالية والإدارية، في محاولة لاحتواء التدهور المعيشي وتحريك مسار الإصلاح المؤسسي، بالتزامن مع تصاعد الضغوط الاقتصادية وتراجع القدرة الشرائية واتساع الاختلالات المرتبطة بالأجور والإيرادات والرقابة المالية.

 

وشملت القرارات صرف بدل غلاء معيشة لموظفي الدولة، وتنفيذ العلاوات السنوية المتأخرة، ومعالجة التسويات الوظيفية المتوقفة منذ سنوات، في خطوات تقول الحكومة إنها تستهدف تخفيف الأعباء المعيشية وتحسين أوضاع العاملين في الجهاز الإداري ومؤسسات الخدمة العامة.

 

وفي الجانب الاقتصادي، اتجهت الحكومة نحو تحرير سعر الدولار الجمركي وتوحيد الإجراءات الإيرادية، بالتوازي مع تشديد الرقابة على الأسواق والمنافذ ومكافحة التهريب، ضمن توجه رسمي لتعزيز الموارد العامة والحد من التشوهات التي أثرت على كفاءة التحصيل والإيرادات.

 

وعلى الرغم من الترحيب الحذر لاقتصادين، الا انهم أكدوا أنه في المقابل،  أن القرار، رغم معالجته لتشوه مالي قديم وزيادته المحتملة للإيرادات العامة، يحمل مخاطر تضخمية إذا لم يطبق بدقة.

 

معالجات اجتماعية

أقرت الحكومة صرف بدل غلاء معيشة بنسبة 20 بالمائة لكافة موظفي الدولة، إلى جانب تنفيذ العلاوات السنوية المتأخرة للأعوام 2021 ـ 2024، ضمن حزمة إجراءات قالت إنها تستهدف تخفيف الأعباء المعيشية وتحسين القدرة الشرائية للعاملين في الجهاز الإداري ومؤسسات الخدمة العامة.

 

ويرى المحلل الاقتصادي وحيد الفودعي أن هذه القرارات تحمل جانبًا اجتماعيًّا مهمًّا، لأنها تعالج جزءًا من تآكل دخول موظفي الدولة، وتعيد بعض الحقوق الوظيفية المتراكمة منذ سنوات، مثل العلاوات والتسويات، بما يمنح الموظفين تحسنًا نسبيًّا في مستوى الدخل الاسمي بعد سنوات من التراجع.

 

ويشير الفودعي، في تصريحٍ لـ"الصحوة نت"، إلى أن هذه المعالجات، رغم أهميتها الاجتماعية، لن تكون كافية وحدها لاستعادة القدرة الشرائية بصورة فعلية، ما لم تترافق مع إجراءات موازية لضبط الأسعار وتحقيق استقرار نسبي في سعر الصرف، في ظل استمرار التذبذب النقدي واتساع الفجوة بين الأجور وتكاليف المعيشة.

 

ويؤكد أن الأثر الاقتصادي لهذه القرارات سيظل مرتبطًا بطريقة التمويل التي ستعتمدها الحكومة، موضحًا أن تمويل بدل غلاء المعيشة والعلاوات من موارد حقيقية، وتحسين التحصيل، وضبط النفقات، سيخفف من الضغوط الواقعة على العملة الوطنية ويحد من التداعيات التضخمية المحتملة.

 

ويحذر الفودعي من أن اللجوء إلى التوسع النقدي أو تغطية النفقات عبر عجز غير ممول بموارد حقيقية، قد يؤدي إلى زيادة الطلب على السلع والعملات الأجنبية، وهو ما قد يفاقم الضغوط على سعر الصرف والأسعار، ويحول المعالجات المعيشية إلى موجة تضخم جديدة تلتهم أي زيادات دخل معلنة.

 

التسويات والترقيات

 

ضمن حزمة القرارات الاقتصادية والإدارية، أقرت الحكومة معالجة أوضاع التسويات الوظيفية المتوقفة منذ أكثر من 13 عامًا، واستكمال الإجراءات التنفيذية الخاصة بها، بما في ذلك تنفيذ الأثر المالي للترقيات العلمية للكوادر الأكاديمية وأعضاء هيئة التدريس في الجامعات الحكومية.

 

وتعكس هذه الخطوة، وفق مراقبين، حجم الاختلالات المتراكمة داخل مؤسسات الدولة خلال السنوات الماضية، خصوصًا مع توقف التسويات والعلاوات والترقيات الوظيفية، الأمر الذي تسبب بتعقيدات إدارية ومالية واسعة، وأوجد تفاوتات وظيفية انعكست بصورة مباشرة على أوضاع الموظفين والأكاديميين.

 

ويؤكد وحيد الفودعي أن القرارات الحكومية الحالية تعيد جزءًا من الحقوق الوظيفية المتراكمة منذ سنوات، وعلى رأسها العلاوات والتسويات، بما يمنح الموظفين والأكاديميين معالجة طال انتظارها، بعد سنوات من الجمود الإداري وتآكل الأجور نتيجة الانهيار الاقتصادي المستمر.

 

غير أن الفودعي يربط نجاح هذه المعالجات بقدرة الحكومة على توفير تمويل حقيقي ومستدام، موضحًا أن تنفيذ الالتزامات المالية المرتبطة بالتسويات والترقيات يحتاج إلى موارد مستقرة وإدارة مالية منضبطة، حتى لا تتحول المعالجات الإدارية إلى أعباء إضافية تضغط على السوق والعملة الوطنية.

 

ويرى متابعون أن معالجة ملف التسويات والترقيات تمثل اختبارًا لقدرة الحكومة على الانتقال من مرحلة القرارات المعلنة إلى التنفيذ الفعلي، خاصة مع اتساع المطالب الوظيفية وتراكم الالتزامات المالية، في ظل بيئة اقتصادية تعاني أصلًا من ضعف الإيرادات وتراجع الاستقرار النقدي والخدمي.

 

تحرير الدولار الجمركي

 

أقرت الحكومة تحرير سعر الدولار الجمركي ضمن توجه قالت إنه يستهدف توحيد الأوعية الإيرادية ومعالجة التشوهات السعرية وتعزيز كفاءة تحصيل الموارد العامة، مؤكدة أن القرار لن يشمل السلع الأساسية المعفاة من الرسوم الجمركية، وسيقتصر بصورة رئيسية على السلع الكمالية وغير الأساسية.

 

ويقول الناشط الاقتصادي هشام السامعي إن الدولار الجمركي هو مجرد رقم حسابي تستخدمه الجمارك لتقدير الرسوم، وليس دولارًا حقيقيًّا يؤثر بصورة مباشرة على سعر الصرف في السوق، موضحًا أن الهدف من القرار يتمثل في رفد خزينة الدولة بالموارد اللازمة لتأمين الرواتب والخدمات بدلًا من اللجوء إلى طباعة عملة جديدة.

 

ويشير السامعي إلى أن السلع الأساسية، مثل الدقيق والقمح والأرز والسكر وحليب الأطفال والزيت، معفية بالكامل من الرسوم الجمركية بموجب القانون، وبالتالي فإن تغيير سعر الدولار الجمركي لن ينعكس عليها بصورة مباشرة، ولن يؤدي ـ بحسب تعبيره ـ إلى زيادة أسعارها “بريال واحد”.

 

ويضيف أن أغلب السلع الأخرى تخضع أصلًا لرسوم جمركية منخفضة تتراوح بين 5 و10 بالمائة، وأن أي زيادة في هذه الرسوم لا تبرر رفع الأسعار بشكل عشوائي، لأن الجمارك تمثل جزءًا محدودًا من التكلفة الإجمالية للسلع المستوردة، وليس كامل قيمة البضائع القادمة من الخارج.

 

في المقابل، يحذر وحيد الفودعي من أن القرار، رغم معالجته لتشوه مالي قديم وزيادته المحتملة للإيرادات العامة، يحمل مخاطر تضخمية إذا لم يطبق بدقة، موضحًا أن الخطر لا يكمن فقط في الرسوم المباشرة، بل في إمكانية استغلال بعض التجار للقرار لفرض زيادات مبالغ فيها على أسعار السلع بحجة الجمارك.

 

الرقابة والضرائب

 

وجه مجلس الوزراء الوزارات والجهات المختصة والسلطات المحلية بتكثيف الإجراءات الرقابية لمنع أي استغلال لقرار تحرير الدولار الجمركي في فرض زيادات غير مبررة على السلع الأساسية، مع التشديد على توحيد إجراءات التطبيق في المنافذ كافة، وعدم السماح بأي استثناءات خارج الأطر القانونية المنظمة.

 

وكلف المجلس وزارة الصناعة والتجارة، بالتنسيق مع الغرفة التجارية والجهات المعنية، بتنفيذ حملات رقابة ميدانية لضبط الأسعار ومنع الاحتكار والمغالاة، إلى جانب إعداد قوائم استرشادية للسلع الأساسية ونشرها بصورة دورية، بالتوازي مع تشديد الرقابة الأمنية على المنافذ والأسواق ومكافحة التهريب.

 

وفي السياق ذاته، ألزم المجلس مصلحة الضرائب باتخاذ الإجراءات اللازمة لتحصيل الضريبة العامة على المبيعات والقيمة المضافة على السلع الخاضعة للقانون، مع تعزيز إجراءات مكافحة التهرب الضريبي وتحسين كفاءة التحصيل، ضمن مساعٍ حكومية لتوسيع الإيرادات وتقليص الفاقد المالي والإداري.

 

كما وجهت الحكومة وزارتي الخدمة المدنية والمالية بإعداد خطة تنفيذية لمعالجة الازدواج الوظيفي وتنقية كشوف المرتبات، من خلال الاستمرار في فتح الحسابات البنكية لموظفي الدولة المدنيين والعسكريين والجهات غير المبوبة، في خطوة تستهدف تعزيز الانضباط المالي والحد من الاختلالات في بند الأجور.

 

وفي هذا الشأن، أكد وحيد الفودعي أن نجاح القرارات الحكومية يظل مرهونًا بثلاثة شروط رئيسية تتمثل في التمويل غير التضخمي، والرقابة الصارمة على الأسواق والمنافذ، والتنسيق الوثيق بين الحكومة والبنك المركزي، حتى لا تتحول المعالجات المعيشية والإيرادية إلى موجة جديدة من ارتفاع الأسعار والضغط على العملة الوطنية.

 

المناقصات والحوكمة

 

أقر مجلس الوزراء تشكيل اللجنة العليا للمناقصات، في إطار توجه حكومي معلن لتعزيز مبادئ الشفافية والنزاهة والرقابة على إجراءات التعاقدات الحكومية، ورفع مستوى الكفاءة والحوكمة في إدارة المناقصات والمشتريات العامة وفقًا للقوانين النافذة المنظمة للعمل المالي والإداري في مؤسسات الدولة.

 

وشدد المجلس على أهمية اضطلاع اللجنة بدورها في ضمان سلامة الإجراءات وترسيخ مبادئ المنافسة العادلة، ومنع أي تجاوزات أو اختلالات قد ترافق عمليات التعاقد والشراء الحكومي، بما يخدم توجهات الدولة في مكافحة الفساد وحماية المال العام وتحقيق الاستخدام الأمثل للموارد المتاحة.

 

وتأتي هذه الخطوة ضمن مسار أوسع تقول الحكومة إنه يستهدف تحريك مؤسسات الدولة ورفع كفاءة الإنفاق العام وتعزيز الانضباط الإداري، بالتوازي مع الإصلاحات المالية والإيرادية التي أقرتها الحكومة، في محاولة لإعادة بناء الثقة بأداء المؤسسات وتحسين إدارة الموارد في ظل الأزمة الاقتصادية القائمة.

 

ويرى متابعون أن إعادة تفعيل أدوات الرقابة والحوكمة تمثل أحد التحديات الرئيسية أمام الحكومة، خصوصًا مع تراكم ملفات الفساد وضعف الرقابة خلال السنوات الماضية، الأمر الذي يجعل نجاح اللجنة العليا للمناقصات مرتبطًا بمدى قدرتها على فرض معايير شفافة وفعالة في إدارة العقود العامة.

 

ويؤكد مراقبون أن فعالية الإصلاحات الحكومية لن تقاس بحجم القرارات المعلنة فقط، بل بقدرة مؤسسات الدولة على تنفيذها بصورة عملية ومستدامة، وتحويل مبادئ الشفافية والرقابة إلى إجراءات فعلية تحد من الهدر والفساد، وتدعم الاستقرار المالي والإداري على المدى الطويل.

 

أخبار ذات صلة.

( نوافذ يمنية) محرك بحث إخباري لا يتحمل أي مسؤولية قانونية عن المواد المنشورة فيه لأنها لا تعبر عن رأي الموقع..

جميع الحقوق محفوظة 2026 © نوافذ يمنية