أكاديميون وباحثون لـ”يمن مونيتور”: الحوثيون وجه الإمامة الجديد والمعركة اليوم صراع على الهوية الوطنية وشكل الدولة
أهلي
منذ 7 ساعات
مشاركة

يمن مونيتور / مأرب/ من عبدالله العطار

منذ سيطرة جماعة الحوثي على العاصمة اليمنية صنعاء، والاستيلاء على مؤسسات الدولة، في 21سبتمبر/أيلول 2014م تقدم نفسها سلطة دينية تقوم على “الحق الإلهي” واحتكار الحكم في سلالة معينة، وهي ذات الفكرة التي قام عليها حكم بيت حميدالدين وقيام ثورة 26 من سبتمبر 1962م، وانهاء الحكم الإمامي واقامة نظام جمهوري، لتعيد انتاج نفسها اليوم بذات الأفكار وتستخدم الترهيب والترغيب لاقناع المواطنين في نظاق سيطرتها.

ويرى أكاديميون وباحثون وحقوقيون تحدثوا لـ”يمن مونيتور”، أن ما يجري في اليمن اليوم ليس مجرد صراع سياسي أو عسكري، إنما صراع عميق على الهوية الوطنية وشكل الدولة ومستقبل المجتمع اليمني.

 

الاستعلاء فكرة الإمامة

تقول الأكاديمية والباحثة في التاريخ اليمني الدكتورة لمياء الكندي، إن سر بقاء الإمامة طوال أكثر من ألف عام في اليمن يعود إلى قدرتها على الحفاظ على نفسها “كفكرة” حتى في فترات غياب الدولة الإمامية،
موضحة أن المشروع الإمامي لم يكن يعتمد فقط على وجود الإمام الحاكم، بل على بقاء فكرة الاصطفاء والقدسية حاضرة داخل المجتمع، مشيرة إلى أن مليشيا الحوثي عملت خلال السنوات الأخيرة على إعادة إنتاج هذه الفكرة عبر التعليم والإعلام والدورات الفكرية والتعبئة المجتمعية.

وتضيف الكندي، أن اليمنيين رغم سنوات الحرب الطويلة لم يتمكنوا بعد من بناء وعي وطني جماعي متماسك، معتبرة أن أحد أبرز مكامن الضعف يتمثل في غياب الشعور الجمعي بالقضية الوطنية، مقابل مشروع كهنوتي يعمل  بعقلية ممتدة لعقود طويلة.

وتؤكد إن جماعة الحوثي لم تكتفِ بالسيطرة العسكرية، بل عملت على إعادة إنتاج السلالة والفكرة العنصرية داخل الأجيال الجديدة، عبر عمليات تجريف للهوية الوطنية والثقافة الجمهورية.

 

“الكهانة”.. توصيف يتجاوز مصطلح الإمامة

من جهته، يرفض الدكتور ذياب الدبأ(نائب رئيس مركز البحر الأحمر للدراسات) استخدام مصطلح “الإمامة” بوصفه توصيفا دقيقا لتلك الحقب، معتبرا أن ما عرف تاريخيا بالإمامة كان في الحقيقة عصور كهانة وظلام.

ويقول إن الجماعات الإمامية استخدمت المصطلحات الدينية “لتجميل صورة حكم قائم على القهر والجباية والاستعلاء السلالي”، مضيفا أن اليمن شهد عبر تاريخه موجات مقاومة متكررة ضد هذا المشروع، خصوصا في المناطق ذات الامتداد القبلي والهوية المحلية القوية.

ويستعرض الدبأ نماذج تاريخية لمقاومة اليمنيين للحكم الإمامي، مشيرا إلى أن كثيرا من المناطق اليمنية واجهت حملات عسكرية متكررة من الأئمة الذين كانوا  يدخلون المدن والقرى باعتبارها “غنائم حرب”، مستخدمين القتل والنهب والرهائن وسيلة لإخضاع السكان.

كما يسلط الدبأ الضوء على نظام “الرهائن” الذي اتبعه الأئمة تاريخيا، عبر أخذ أبناء المشايخ والوجهاء واحتجازهم لضمان الولاء السياسي، واصفا ذلك بأنه إجراء لم تعرفه القوانين أو الأعراف في أي مكان.

ويرى الدبأ أن ثورة 26 سبتمبر 1962م، مثلت لحظة تاريخية مفصلية أنهت الحكم الإمامي سياسيا، لكنها لم تنه البنية الفكرية التي ظلت تتحين الفرصة للعودة.

 

الحوثيون وإعادة إنتاج الإمامة

من جهة أخرى يقول الدكتور محمد القليصي إن جماعة الحوثي أعادت تقديم الإمامة “بنسخة حديثة”، مستفيدة من أدوات الدولة الحديثة والإعلام والتعبئة الطائفية… مضيفا أن الجماعة تعمل على تحويل المجتمع اليمني من مجتمع مدني مسالم إلى مجتمع مسلح ومعبأ أيديولوجيا، ليس بهدف حماية المجتمع، بل لحماية المشروع الكهنوتي.

ويرى القليصي أن الجماعة تسعى إلى تغيير الهوية الوطنية الجامعة وإحلال هوية طائفية وسلالية بديلة، من خلال المراكز الصيفية والدورات الثقافية والخطاب التعبوي.

كما يشير إلى أن كثيرا من اليمنيين انخرطوا في القتال ضد الحوثيين باسم الجمهورية لا باسم مناطقهم، معتبرا أن المعركة الحالية تجاوزت الإطار الجغرافي أو المناطقي، وأصبحت معركة مرتبطة بمستقبل الدولة اليمنية نفسها.

 

إعادة إنتاج الإمامة بخطاب معاصر وأدوات جديدة

يقول الأكاديمي في جامعة تعز الدكتور ماجد الجعفري، إن الإمامة في اليمن لم تكن مجرد نظام حكم عابر ارتبط بفترة تاريخية محددة، بل مثلت مشروعاً قائماً على احتكار السلطة والثروة والحق السياسي تحت غطاء ديني وسلالي، مشيراً إلى أن ما تشهده البلاد اليوم مع جماعة الحوثي هو “إعادة إنتاج حديثة للفكرة الإمامية القديمة ولكن بأدوات معاصرة وخطاب يتكيف مع المتغيرات”.

وأضاف الجعفري أن المشروع الإمامي عبر التاريخ اعتمد على تكريس مفهوم الاصطفاء وحرمان غالبية اليمنيين من حقهم الطبيعي في المشاركة السياسية، وهو ما انعكس – بحسب قوله – في سياسات الجماعة الحوثية التي سعت إلى إعادة تشكيل المجتمع والمناهج التعليمية والخطاب الديني بما يخدم فكرة الولاية والطاعة المطلقة. وأوضح أن خطورة عودة الإمامة لا تكمن فقط في الجانب السياسي، بل في تأثيرها العميق على الهوية الوطنية والنسيج الاجتماعي ومستقبل الدولة اليمنية الحديثة.

وأكد الجعفري أن اليمنيين خاضوا عبر تاريخهم الطويل نضالات متكررة ضد الحكم الإمامي وصولاً إلى ثورة 26 سبتمبر، باعتبارها ثورة تحررية أنهت عصور العزلة والاستبداد، لافتاً إلى أن أي محاولة لإحياء تلك الأفكار بصيغ جديدة ستظل مرفوضة شعبياً لأنها تتعارض مع قيم الجمهورية والمواطنة المتساوية.

كما شدد على أن مواجهة الفكر الإمامي لا تكون عسكرياً فقط، وإنما أيضاً عبر تعزيز الوعي المجتمعي، ودعم التعليم والإعلام، وترسيخ مفهوم الدولة القائمة على القانون والشراكة الوطنية.

 

انتهاكات واسعة وإخضاع المجتمع

ارتبط الحكم الإمامي بأسالب القمع، وتمارس جماعة الحوثي نفس الانتهاكات بحق المواطنين في مناطق سيطرتها ويؤكد مدير عام مكتب حقوق الإنسان بمحافظة ريمة أسامة القحوي، أن الجماعة مارست انتهاكات واسعة بحق المجتمع اليمني، شملت الاعتقالات والإخفاء القسري والتجنيد الإجباري للأطفال وفرض الجبايات واستهداف المعارضين والخطباء والعلماء.

ويقول إن الجماعة سعت إلى إخضاع المجتمع بالقوة وإسكات الأصوات الرافضة لمشروعها، عبر مزيج من القمع الأمني والتعبئة الفكرية والطائفية.
ويشير إلى حوادث عنف مجتمعي وأسري ارتبطت بتأثير الخطاب التعبوي والدورات الفكرية التي تنظمها الجماعة، معتبرا أن أخطر ما في الأمر هو تفكيك البنية الاجتماعية والقيمية داخل المجتمع اليمني.

كما يرى أن الجماعة لا تستهدف الخصوم السياسيين فقط، بل تعمل على إعادة تشكيل المجتمع وفق رؤيتها العقائدية، بما في ذلك التعليم والخطاب الديني والإعلام والحياة العامة.

 

معركة الوعي والهوية

ورغم الطابع العسكري للصراع في اليمن، يرى المتحدثون أن المواجهة الأهم تبقى معركة الوعي والهوية.
فتقول الكندي إن الحوثيين “يؤسسون لمئة عام قادمة”، عبر الاستثمار في التعليم والثقافة والإعلام، بينما لا تزال القوى المناهضة لهم عاجزة عن بناء مشروع وطني ثقافي موحد.

ويجمع الكثير على أن مستقبل اليمن لن يحسم بالسلاح فقط، بل بقدرة اليمنيين على استعادة مفهوم الدولة الوطنية القائمة على المواطنة المتساوية، بعيدا عن الاصطفاء السلالي والحق الإلهي.

لذلك وبينما تستمر الحرب منذ أكثر من عقد، يبدو أن اليمن لا يواجه مجرد جماعة مسلحة، بل صراعا طويلا بين فكرتين: فكرة الدولة الجمهورية، وفكرة الإمامة التي يقول المتحدثون إنها عادت بثوب جديد، لكنها تحمل الجوهر القديم ذاته.

The post أكاديميون وباحثون لـ”يمن مونيتور”: الحوثيون وجه الإمامة الجديد والمعركة اليوم صراع على الهوية الوطنية وشكل الدولة appeared first on يمن مونيتور.

أخبار ذات صلة.

( نوافذ يمنية) محرك بحث إخباري لا يتحمل أي مسؤولية قانونية عن المواد المنشورة فيه لأنها لا تعبر عن رأي الموقع..

جميع الحقوق محفوظة 2026 © نوافذ يمنية