"بومبي تحت الغيوم": تجربة جميلة وشاعرية وآسرة
عربي
منذ ساعة
مشاركة
تُنبئ عبارة جان كوكتو الافتتاحية، "بركان فيزوف مصدر كلّ غيوم العالم"، بالصورة الأولى لـ"بومبي تحت الغيوم" (2025)، سابع أفلام المخرج الوثائقي جيانفرانكو روسي، وثالث ثلاثية تركّز على الحياة الإيطالية المعاصرة، بعد "ساكرو غرا" (2013) و"فوكواماري" (2016). صُوِّر الفيلم بالأبيض والأسود، مُبرزاً كلّ تباين وظلال الرمادي الممكنة، من الرماد البركاني إلى التماثيل الرومانية المُهملة في قبو أحد المتاحف. كما أنه رحلة إلى الماضي، إلى مدينة تجمّدت في الحمم البركانية قبل ألفي عام تقريباً، والمدينة تشبه نابولي الحديثة، المرتفعة عن سطح البحر، والمرتكزة على مدينة بومبي القديمة. كعادة مخرج "إل سيكاريو، الغرفة 164"، الذي حقّق له شهرة في المهرجانات السينمائية عام 2010، لا توجد أي تعليقات صوتية توضيحية، أو عناصر إخبارية ظاهرة. المونتاج شكّل نسيجاً مُعقّداً من صُور وأصوات، في محاولة تصوير الحياة بمدينة نابولي والمناطق المحيطة بها. عالمٌ يتعايش فيه الحاضر والماضي باستمرار، كما تؤكّد مقاطع من "رحلة إلى إيطاليا" (1954) لروبرتو روسيليني، الذي دمجه روسي بلقطاته الخاصة. يتمثل هذا في اكتشاف جثث ضحايا ثوران بركان فيزوف عام 79 ميلادي، الذي صوّره روسي أيضاً بكاميرته. أثناء ذلك، في متحف الفن القديم بالمدينة، يتأمّل موظفٌ مخضرم التماثيل المحبوسة في حجرة تحت الأرض، كأنها مطهرٌ رخامي، بانتظار لحظة ظهورها وعرضها للجمهور. في مركز الإطفاء، تُعيد المكالمات الهاتفية، التي أعقبت هزة أرضية قوية، إحياء المخاوف من ثوران آخر لهذا الجبل المخيف، أحد أخطر البراكين في العالم. في "بومبي تحت الغيوم"، الفائز بجائزة لجنة التحكيم الخاصة بالدورة الـ82 (27 أغسطس/آب ـ 6 سبتمبر/أيلول 2025) لمهرجان فينيسيا السينمائي، يقترح روسي تأرجحاً بندولياً، ذهاباً وإياباً، يربط الماضي بحاضر طبَعته الحروب والقسوة والتشاؤم والإنكار، في مواجهة عواقب تغيّر المناخ. من الأنفاق المتعرّجة، التي حفرها لصوص المقابر (يبدو الأمر كأنه حوار مع "لا كيميرا" لأليتشي رورفاتشر، 2023)، أو القطع الأثرية التي اكتشفها علماء الآثار، والتي تتراكم في الخزائن والمتاحف، إلى الحياة اليومية الراهنة في المكان: رجال إطفاء مستعدّون دائماً لتقديم المساعدة في المنطقة، مرضى عاملون في مركز يستقبل مكالمات الطوارئ (يشعر سكان عديدون بهزّات مستمرة، ويصابون بالذعر سريعاً)، عمّال سوريون في جوف السفن، صغاراً في اللقطة الواسعة (المتمثّلة بعمّال سوريين يتزحلقون على أكوام القمح، وهذا يبدو في اللقطة المقرّبة أشبه بمنحدرات فيزوف الزلقة، بفضل تصوير روسي مذهل بالأبيض والأسود)، ينظّفون السفينة حتى آخر حبة قمح، ويضمنون، بطريقتهم الخاصة، الإمدادات الغذائية لأوروبا، رغم أن أجزاء كبيرة من أوروبا أكثر من سعيدة ببقائهم مختبئين في السفينة، وغير مرئيين، يفرغون الحبوب الأوكرانية من سفينة شحن في الميناء، ويتحدثون عن حياتهم إلى معلّمة تقرأ وتُدرّس الأطفال.     "بومبي تحت الغيوم" مُتعدّد الأوجه ومتكامل. تجربة جميلة وشاعرية وآسرة، لا تُقدّمها إلا السينما. آسرٌ ومذهل بصرياً، ومتنوّع في اهتماماته ووجهات نظره، إذ يخصّص فقرات عدّة لأعمال التومبارولي، لصوص المقابر القديمة، الذين يعملون بلا كلل للحصول على الآثار، أكانت تماثيل أو مزهريّات أو لوحات جدارية، انتُزعت من جدران تعود إلى آلاف السنين. في المقابل، هناك علماء آثار يابانيون يكشفون، بصبر استثنائي، الأسرار الكامنة تحت سطح المنطقة، بعظامها وآثارها القديمة، التي تنتظر أن ترى النور مجدّداً. يساعد رجلٌ مسنّ، محاطٌ بالكتب، طلاباً في واجباتهم المدرسية، واستعداداتهم للامتحانات. يربط روسي بين قراءة كتاب، يصف حصاراً عسكرياً مطلع القرن الـ20، قبيل اندلاع الحرب العالمية الأولى، وقلق بحّار سوري مُضطرّ للعودة من نابولي إلى أوديسا لتحميل أطنان من الحبوب (إلى إيطاليا لا إلى سورية)، والمدينة تحاصرها غارات جوّية روسية. الحرب، كالثوران البركاني لجبل فيزوف، تبقى خامدة لفترة، لكنها تعود دائماً بنيرانها الجهنمية، ودخانها الكثيف. ليست مصادفة استخدام الفيلم مرافق دار سينما قديمة مهجورة، لعرض صُور من أفلام الماضي، كـ"رحلة إلى إيطاليا"، أو الفيلم الصامت الملحمي "الأيام الأخيرة لبومبي" (1913). دور السينما في طريقها إلى الزوال، ويصبح هذا المكان المهجور الآن، بكراسيه المكسورة وأسقفه المتسرّبة، ذكرى بعيدة، كالمدرّجات المدفونة على عمق أمتار تحت الأرض الحالية لنابولي. من دون اللجوء إلى تكلّف بصري أو أسلوب متقلّب، يُعدّ أحدث إبداعات روسي استكشافاً أركيولوجياً رائعاً لماضي منطقة وحاضرها، تتعايش فيها الأزمنة يوماً بعد يوم، بل ساعة بعد ساعة. صحيح أن القصّة تتشتّت قليلاً أحياناً، وأن المخرج يُغرم بصُوره التعبيرية بالأبيض والأسود، أكثر من اللازم. لكن، إذا تقبّل المرء هذه المبالغات، وانغمس في العالم المرئي والصوتي، ستكون النتيجة رائعة، ولا تُنسى.

أخبار ذات صلة.

( نوافذ يمنية) محرك بحث إخباري لا يتحمل أي مسؤولية قانونية عن المواد المنشورة فيه لأنها لا تعبر عن رأي الموقع..

جميع الحقوق محفوظة 2026 © نوافذ يمنية