عربي
حطَّ دونالد ترامب أول من أمس الأربعاء رحاله في الصين، في زيارة شديدة الحساسية تستمرّ يومَين، يناقش خلالها مع نظيره الصيني شي جين بينغ ملفّات معقّدة عن المعارك والخلافات الاقتصادية والجمركية والتكنولوجية، وحول المعادن الحيوية النادرة، وعن ترسانتَي البلدَين النوويَّتَين، وبشأن تايوان... إلى غير ذلك من قضايا تحكم علاقات العملاقَين الاقتصاديَّين العالميَّين. لكن ثمَّة قضية أخرى تلقي ظلالها الثقيلة على قمّة الزعيمَين واجتماعات الطرفَين، الأميركي والصيني: الحرب الأميركية – الإسرائيلية على إيران، التي دخلت شهرها الثالث. اللافت أنّ ترامب كان قد أرجأ زيارته الحالية، وكانت مقرّرةً في 31 مارس/ آذار الماضي، بسبب تعقيدات الحرب على إيران، وهو كان يمنّي نفسه بأنّ التأجيل سيتيح له الفرصة ليذهب إلى "الخصم الجيوسياسي" الأبرز للولايات المتحدة، ومنافسها على الزعامة العالمية، مُتوَّجاً بأكاليل الغار، وبالنصر على إيران، ليدحض فكرةً تروّجها الصين: أميركا قوّة عالمية في طور الأفول. لكن، ويا للمفارقة، ربّما كان ترامب في زيارته هذه قد رسّخ الفكرة نفسها وهو يتوسّل تدخّلاً صينياً للضغط على إيران لفتح مضيق هرمز.
تحوّلت أوكرانيا إلى ساحة استنزاف إنساني ومعنوي واقتصادي وعسكري لروسيا
المضيق الذي ما زالت واشنطن تعجز عن فتحه، رغم التهديدات العرمرمية التي يوجّهها إلى طهران. وكان المستشار الألماني فريدريش ميرز قد قال قبل بضعة أسابيع إنّ ترامب يبدو "مُهاناً" أمام قوة أصغر، بعدما دخل الصراع "من دون استراتيجية مقنعة حقّاً". الموقف الذي يجد ترامب نفسه فيه سبقه إليه الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، عندما أراد في 2022 أن يعيد تموضع روسيا قوّةً عالميةً من جديد عبر البوابة الأوكرانية، فوجد نفسه مُهاناً، كما ترامب اليوم، من دون أن نغفل أنّ روسيا أضحت معتمدةً، إلى حدّ كبير، على الدعم الاقتصادي والسياسي والتكنولوجي الصيني، وهو أمر لم تصل إليه الولايات المتحدة، ولكنّها هي أيضاً تجد نفسها اليوم بحاجة إلى الصين.
أعلن بوتين في 24 فبراير/ شباط 2022 إطلاق "عملية عسكرية خاصّة... هدفها حماية الناس الذين تعرّضوا للتنمّر والإبادة الجماعية من نظام كييف مدّة ثماني سنوات. ومن أجل ذلك، سنسعى لنزع سلاح أوكرانيا واجتثاث النازية منها، وكذلك تقديم المسؤولين عن الجرائم العديدة والدامية ضدّ المدنيين إلى العدالة، بمن في ذلك مواطنو الاتحاد الروسي". في خطابه ذاك، بثَّ بوتين كثيراً من مرارات روسيا مع الولايات المتحدة والغرب وحلف شمال الأطلسي (ناتو) الذي كان ماضياً في التوسّع على حساب روسيا منذ سقوط الاتحاد السوفييتي مطلع تسعينيّات القرن الماضي، واعتبر أنّ أوكرانيا جزءٌ من تلك المؤامرة، بالإضافة إلى اتهامها بارتكاب جرائمَ ضدّ مواطني إقليم دونباس الناطقين بالروسية في شرق أوكرانيا. حينها شدّد بوتين، قائلاً: "إنّ أفعالنا دفاع عن النفس ضدّ التهديدات الموجّهة إلينا، وضدّ كارثة أكبر ممّا يحدث اليوم". ثمَّ توجّه إلى أفراد القوات المسلّحة الأوكرانية بقوله: "لا تنفّذوا أوامر (السلطة) الإجرامية. أحثّكم على إلقاء السلاح فوراً والعودة إلى منازلكم. دعوني أوضّح: جميع أفراد الجيش الأوكراني الذين يلبّون هذا الطلب سيتمكّنون من مغادرة منطقة القتال بحرّية والعودة إلى عائلاتهم". كذلك لم ينسَ تحذير الغرب بشكل مبطَّن: "والآن بعض الكلمات المهمّة، المهمّة جدّاً، لأولئك الذين قد تغريهم فكرة التدخّل في الأحداث الجارية. من يحاول عرقلة عملنا، بل وأكثر من ذلك، من يحاول خلق تهديدات لبلدنا ولشعبنا، يجب أن يعلم أنّ ردّ روسيا سيكون فورياً، وسيقودكم إلى عواقب لم تختبروها قط في تاريخكم. نحن مستعدّون لأيّ تطوّر للأحداث. وقد اتُّخذت جميع القرارات اللازمة في هذا الصدد".
ما حدث بعد هذا معروف. أرتال عسكرية روسية غازية، امتدّت على مسافة عشرات الأميال، تحوّلت إلى صيد سهل للقوات الأوكرانية التي حظيت بدعم غربي استخباراتي وعسكري هائل. كذلك فشلت محاولة إنزال جويٍّ روسيٍّ قرب كييف. وبدل أن تكون أوكرانيا بوابةَ عودة روسيا إلى المكانة العالمية التي احتّلتها زمن الاتحاد السوفييتي التي يطمح إليها بوتين بشدّة، وهو الذي يعتبر أنّ سقوط الاتحاد السوفييتي كان كارثةً جيوسياسية، تحوّلت أوكرانيا إلى ساحة استنزاف إنساني ومعنوي واقتصادي وعسكري لبلاده. بل إنّ شهر يونيو/ حزيران 2023 شهد تمرّداً عسكرياً من مجموعة فاغنر، بقيادة صديقه السابق يفغيني بريغوجين، كاد أن يطيح حكمه. وفي أغسطس/ آب 2024، تلقّت موسكو صفعةً أخرى بعد احتلال القوات الأوكرانية مئات الكيلومترات وعشرات البلدات في مقاطعة كورسك الروسية، وهو الأمر الذي اضطر روسيا إلى الاستعانة بقوات من كوريا الشمالية لتحرير معظم أراضيها المحتلّة. وهكذا انتهى الحال بروسيا اليوم قوّةً مستنزفةً ومعزولةً اقتصادياً ودبلوماسياً إلى حدّ كبير، وهي بعد أكثر من أربع سنوات من إطلاق "العملية العسكرية الخاصّة" لا تزال غارقةً في الوحل الأوكراني من دون أفق نصر واضح.
شنَّ ترامب كذلك عدواناً على إيران، بناءً على خطّة إسرائيلية أقنعه بها بنيامين نتنياهو في 11 فبراير الماضي، بحسب التفاصيل التي أوردها تقرير "نيويورك تايمز" (7 إبريل/ نيسان الماضي)، وهي الخطط التي حاول مسؤولون أميركيون كبار ثنيَ ترامب عن تبنّيها، عبر وصفها بأنّها "هزلية"، و"هراء"، و"مبالغات". لم يقبل ترامب نصائح مستشاريه الاستخباراتيين والسياسيين والعسكريين، وظنّ أنّه سيحقّق "المجد" الذي أعيا رؤساء أميركيين قبله 47 عاماً كما أخبره نتنياهو. كانت الخطّة الإسرائيلية تقول ببساطة إنّ قتل المرشد الأعلى علي خامنئي وكبار القيادات الإيرانية الأخرى سيضعف النظام، وإنّ هذا سيترافق مع إمكانيّة اندلاع احتجاجات داخليّة تؤدّي إلى تغيير الحكم، وخصوصاً إذا دعمتها عمليّات استخباريّة إسرائيليّة، وتحرّكات من مقاتلين أكراد إيرانيّين عبر الحدود من العراق لفتح جبهة برّيّة في الشمال الغربيّ، وهو ما يزيد الضغط على قوّات النظام ويُسرّع في انهياره. أيضاً، زعم الإسرائيليون أن قدرة إيران على ضرب المصالح الأميركية في المنطقة ستكون محدودةً، في حين أنّها لن تتمكّن من تعطيل مضيق هرمز.
في الساعات الأولى من صباح 28 مارس الماضي، أعلن ترامب بدء الضربات العسكرية ضدّ إيران، حدّد هدفها المُعلَن بـ"الدفاع عن الشعب الأميركي عبر القضاء على تهديدات وشيكة صادرة عن النظام الإيراني". وأكّد أنّ الولايات المتحدة لن تسمح لطهران بامتلاك أسلحة نووية، وأنّها ستدمّر قدراتها الصاروخية، وتفكّك "أذرع الإرهاب" التابعة لها في المنطقة التي تهدّد الولايات المتحدة وحلفاءها. ورغم أنّ هذه الأهداف الثلاثة بدت واضحةً في خطابه، فإنّ ترامب ألمح بصورة غير مباشرة إلى رغبته في تغيير النظام، حين دعا "الشعب الإيراني العظيم والفخور" إلى السيطرة على الحكومة، معتبراً أن هذه "قد تكون فرصتكم الوحيدة لأجيال". وعلى غرار بوتين، سرد ترامب سلسلةً من مرارات واشنطن مع طهران، مستدعياً التاريخ المتوتّر بين البلدَين منذ الثورة الإسلامية عام 1979، مقدّماً الهجمات الأميركية الحالية بوصفها امتداداً لصراع طويل وثأراً لعقود من المواجهة. واستشهد باحتجاز 52 أميركياً رهائن بعد اقتحام السفارة الأميركية في طهران عام 1979، وبمقتل 241 جندياً أميركياً في تفجير ثكناتهم في بيروت عام 1983 على يد حزب الله المدعوم من إيران، وبالهجوم على المدمّرة الأميركية "يو إس إس كول" عام 2000 في اليمن الذي قال ترامب إنّ إيران "ربّما" كانت متورّطةً فيه، على الرغم من أنّ الولايات المتحدة تنسب الهجوم منذ زمن بعيد إلى تنظيم القاعدة. وأشار إلى دعم طهران للهجمات التي استهدفت القوات الأميركية في العراق بعد الاحتلال، مقدّماً ذلك دليلاً إضافياً على أنّ إيران تشكّل تهديداً مستمرّاً للمصالح الأميركية.
ما حدث بعد ذلك معروف. شنّت واشنطن وتل أبيب هجوماً عسكرياً واسعاً ومدمّراً على إيران، استهدف طيفاً واسعاً من منشآتها السياسية والعسكرية والأمنية والنووية، بما في ذلك منصّات إطلاق الصواريخ وأنظمة الدفاع الجوي.
فشل روسيا في أوكرانيا والولايات المتحدة في إيران، فتح الباب أمام إعادة تشكيل موازين القوى العالمية
أدى الهجوم الأوّلي إلى اغتيال خامنئي وعدد من كبار مستشاريه والمسؤولين العسكريين والاستخباراتيين. إلا أنّه، بعكس مزاعم إسرائيل، لم يسقط النظام، ولم يضعف، بل ردّت إيران وحلفاؤها بسلسلة ضربات طاولت إسرائيل وقواعد ومصالح أميركية في المنطقة، إضافة إلى منشآت حيوية لإنتاج النفط والغاز في دول الخليج، ما أدّى إلى تعطّل بعضها وارتفاع أسعار الطاقة عالمياً، وأعلنت طهران إغلاق مضيق هرمز، الذي يمرّ عبره خُمس تجارة النفط العالمية. اللافت هنا أنّ ترامب "المُهان"، من حيث طمح بالمجد عبر البوابة الإيرانية، قادته الأقدار، من حيث لا يحتسب، إلى السير على خطى بوتين، حتى في توصيفه للحرب، إذ قال في مارس الماضي إنّه يتجنّب استخدام كلمة "حرب" لوصف الصراع مع إيران، ويفضّل مصطلح "عملية عسكرية لأسباب قانونية"، وذلك في تلميح إلى تجنّب الحاجة إلى الحصول على موافقة الكونغرس. ولم يمنع هذا بعض المسؤولين في البنتاغون، على سبيل الاستهزاء، أن يستخدموا وصف "عملية عسكرية خاصّة" في استدعاء لنموذج الفشل البوتيني، الذي يبدو أنّه يصلح لأن يوصف بالترامبي كذلك.
من المبكّر طبعاً الحكم على فشل روسيا في أوكرانيا، والولايات المتحدة في إيران، أو حتى ما إذا كان هذا الفشل (إن تحقّق كلّياً) بداية انهيار القوّتَين كليهما أو إحداهما، لكنّ المؤكّد أنّ فشلهما فتح المجال واسعاً أمام إعادة تشكيل موازين القوى العالمية. وهنا يبرز الصعود الصيني بالذات، اللهمّ أن تتورّط هي الأخرى في حرب في تايوان تحظى فيه الأخيرة بدعم أميركي وغربي، ومن بعض القوى الإقليمية الأخرى، كاليابان وكوريا الجنوبية وأستراليا لاستنزاف الصين. تلك هي معارك الاستنزاف التي على القوى العظمى أن تخشاها، خصوصاً عندما يبلغ غرور القوة مداه لديها.
