"الشيطان يرتدي برادا" مُجدّداً: تحوّلات عميقة بتسطيح مُدهش
عربي
منذ ساعة
مشاركة
يُظهر شباك تذاكر "الشيطان يرتدي برادا 2" (2026)، لديفيد فرانكل، اهتمام الأرقام الأميركية المعلنة بالإيرادات (ملايين الدولارات)، بينما يهتم شباك التذاكر الفرنسي بأعداد مُشاهديه، فيتبيّن أن في أسبوعه الفرنسي الأول، هناك 1،6 مليون تذكرة مُباعة. رقم تحلم بتحقيقه، ليس في أسبوع بل في أسابيع، أفلام أخرى أقلّ وهجاً وأكثر قيمة. سيقول البعض إنّ فرجة فيلم من هذا النوع تزيح، بلا ريب، هموم الحروب والهجرة والأزمات المعيشية. الفرجة كلمة مناسبة، تجتمع عناصرها هنا: فضولٌ لكونه جزءاً ثانياً، وبحث عن تسلية. في باريس، يلاحظ من يعتاد سينما المؤلف في الصالات الفرنسية، الصغيرة والكبيرة، وجوهاً غير مألوفة: شابات كثيرات وبعض الشبان، على حساب كبار السن (في خمسينيات أعمارهم وستينياتها)، روّاد السينما عادة بفرنسا. بداية الفيلم أميركية نموذجية. أسلوب سينمائي فجّ لكثرة تكراره. شارع مكتظّ، وبطلة تمشي مستعجلة، تصطدم بهذا وتتلافى ذاك، وتعبر بين سيارات مزدحمة تحتجّ بزماميرها. يترافق ذلك مع موسيقى تصويرية تنشد بثّ حيوية ومتعة وشدّ انتباه، كلّ سَيْر البطلة (أحياناً يكون بطلاً، لكن متابعة البطلة أكثر بهجة للعين، خاصة إن كانت جميلة وأنيقة، تتمايل وخصلات شعرها تتطاير). إنها أندريا "آندي" ساكس (آن هاثاواي)، التي كبرت 20 سنة. نضجت، ولا تبدو خرقاء، كما ببداية الجزء الأول (2006) لفرانكل نفسه، بل أكثر ثقة بالنفس. بالجزء الأول، آندي مساعدة واعدة لميراندا بريستلي (ميريل ستريب)، الخبيرة المتسلّطة التي تهز عالم الموضة في مجلة "رانوي"، قبل أن تنفصل عنها. في الثاني، باتت صحافية لامعة في مجلة أخرى. مع هذا، أُرفقت الجائزة التقديرية التي نالتها مع تسريح جماعي، لها ولفريقها، بعد استحواذ شركة أخرى على المجلة. عُيّنت مُجدّداً في "رانوي" (بداية مسيرتها المهنية) رئيسة قسم المقالات، بأمل استعادة صورة تضرّرت بشدة من كارثة علاقات عامة على الإنترنت. هكذا يُحدّد الفيلم ببدايته مَحاوره الجديدة: انهيار الصحافة، دور الإنترنت، رأس المال، شركات الإعلان. إن اختلفت محاور السيناريو، لإبداء تحوّلات العصر بين 2006 و2026، فلا تغيّر يذكر في أسلوب الإخراج. لا تطور يطرأ على التعامل مع الشخصيات والأحداث؛ الإيقاع نفسه، كما التعابير والمواقف والسطحية في طرح المواضيع. بينما صوّر الأول صعوبة تأقلم فرد عادي مع عالم النخبة، مُركزاً على رفاهية شروط العمل في صحافة الموضة وخياراتها، تجاوز الثاني ذلك إلى انهيار هذا العالم، وكيفية التكيّف مع الزوال. فالصحافة المطبوعة تتراجع، إن لم تختف؛ والمعلنون يفرضون شروطهم، بينما تصطدم سلطة ميراندا، رئيسة تحرير "رانوي"، بواقع أصحاب المليارات الجدد، غير المكترثين بالموضة والصحافة الورقية.     يُجسّد الفيلم مرور الزمن على ميراندا، بصفتها سيدة الموضة المسيطرة على زمام الأمور بمقالاتها وذكائها وتصميماتها، وحضورها الذي لا غنى عنه في كل عروض الأزياء، حين كانت تُعامَل ملكةً. في الجزء الثاني، هي ملكة، لكن لمملكة متهالكة، مضطرة للخضوع لرأس المال ولأصحاب الدعايات من الماركات الكبرى. فاليوم، اهتزت الصحافة، ولم يعد لها جمهور قراء، والوضع الاقتصادي لقطاعات الصحافة والمجلات والأزياء ليس كما كان ببداية الألفية، بسبب ظهور الإنترنت ووسائل التواصل الاجتماعي، والمؤثّرين، ورؤوس أموال مع جيل جديد. تحولات عميقة أشار إليها السيناريو سريعاً بتسطيح مدهش، من دون محاولة استكشافها ولو قليلاً. لم يخاطر الفيلم بسرد أي قصة بعمق، فكانت ترد ملاحظات في أحاديث وإشارات كلامية وتلميحات من دون ربطها بحوار معمّق، أو حدث محدّد. كما اكتفى بعبور سطحي على شخصياته: آندي، التي كانت مقالاتها مؤثرة بقيمتها كما يبدو، لم تُعرف أي كلمة منها. تأثيرها يبدو فقط عبر تعليق محيطها عليها، كأن يقال "مقالتك رائعة، قوية". أما ما كتبت تحديداً، وكيف كانت تفكر وتعمل للتخلص من مآزق المجلة، فلا شيء. كانت النتائج تظهر، ولا شيء عن العمل عليها. كما بقيت شخصيات رئيسية على حالها، من دون تطوّر: إيميلي (إيميلي بلانت) السيئة مساعدة ميرندا في الجزء الأول، أصبحت مديرة شركة ديور في الثاني؛ نايجل (ستانلي توسي) الطيب. فالسيناريو ركّز أكثر على سلوك ميرندا، الذي بات لا يليق بالعصر، بحسب مفاهيم الصوابية. فلا أوصاف مجحفة بحق معاونيها، وعليهم ألاّ يعملوا مستخدمين لها، حين كانت ترمي معطفها وحقيبتها عليهم لتعليقهما. كما حفل الجزء الثاني بشتى الأعراق، فازداد حضور الأسود والآسيوي والهندي، مع تنوّعات مناطقية عدة، ونمطية في النظرة. فالصيني كالروبوت في كلامه ومشيته (مساعد آندي)، والهندي يهتم بالحسابات. هكذا حفلت طاولة الاجتماعات في المجلة بكل الألوان، حتى لا يغضب أحد. لهؤلاء دورهم الذي يجب الاعتراف به، ولو سينمائياً (ربما يتساءل خبيث: هل المقصود تمثيل الأعراق، أو التساؤل عن دور هؤلاء في ما يحصل من تدهور؟). كل شيء عَبَر في الفيلم سريعاً جداً. حتى الأزياء الجميلة التي ارتدتها البطلات الثلاث. في كل مشهد، سرعة اللقطات لا تسمح بتقدير جمالها، وهذا يؤسف عليه في فيلم عن الموضة، ركّز أكثر على أسماء الماركات التي، لا ريب، دفعت الكثير للإنتاج. في عالم ينهار، ستكون ميرندا الممثلة الأخيرة لجيل قديم أشد تمسكاً بأسلوب معين في التعامل والعمل الجاد، وهذا لا بدّ على حساب أشياء كثيرة. فالقيم تختفي، والمؤامرات تسود، وسيطرة رأس المال تتزايد، والفيلم يسرد هذا بسلاسة وبهرجة وسطحية مسلية، مع ممثلين غاية في حسن الأداء، لا سيما ستانلي توسي. لكن، بعد ساعة (من أصل 119 د.) يخطر سؤال: حسناً. طالت التسلية. ماذا بعد؟ لا شيء يملأ العقل والقلب. لا تأثر ولا تأثير. لا انفعال ولا تضامن. لا حدث يدفع إلى التأمل. وكل هذا العالم، الكريه والمليء بالنفاق والحفلات الباذخة، ربما يُسلي قليلاً، لكنه يثير الملل سريعاً.

أخبار ذات صلة.

( نوافذ يمنية) محرك بحث إخباري لا يتحمل أي مسؤولية قانونية عن المواد المنشورة فيه لأنها لا تعبر عن رأي الموقع..

جميع الحقوق محفوظة 2026 © نوافذ يمنية