عربي
في واحدة من أعنف الأزمات التي تواجه قطاع السفر منذ سنوات، تحولت الحرب الأميركية الإسرائيلية ضد إيران إلى زلزال اقتصادي يضرب شركات الطيران العالمية، بعدما قفزت أسعار وقود الطائرات من مستويات تراوحت بين 85 و90 دولاراً للبرميل إلى ما بين 150 و200 دولار، في ارتفاع صادم قلب حسابات الشركات وأجبرها على اتخاذ إجراءات طارئة شملت رفع أسعار التذاكر، وتقليص الرحلات، وإلغاء خطوط جوية، وخفض التوقعات المالية، وحتى تسريح موظفين وطلب مساعدات حكومية.
ويشكل الوقود نحو ربع النفقات التشغيلية لشركات الطيران، ما جعل الارتفاع الحاد في الأسعار تهديداً مباشراً لهوامش الأرباح وربحية القطاع بأكمله، خصوصاً مع استمرار اضطراب أسواق الطاقة العالمية وتصاعد المخاوف من اتساع رقعة الحرب في الشرق الأوسط. وبينما يحاول المسافرون حول العالم استيعاب موجة الزيادات الجديدة على أسعار التذاكر والرسوم الإضافية، تتسابق شركات الطيران إلى تبني خطط تقشفية وإجراءات استثنائية للبقاء في مواجهة ما يوصف بأنه "أسوأ صدمة وقود منذ سنوات".
خفض التوقعات وإعادة رسم خطط شركات الطيران
في هذا السياق، أعلنت شركة إيرفرانس - كيه إل إم (Air France-KLM) أن فاتورة الوقود الخاصة بها سترتفع بنحو 2.4 مليار دولار هذا العام، ما دفعها إلى خفض توقعات نمو السعة التشغيلية لعام 2025 إلى ما بين 2 و4% بدلاً من 3 إلى 5% سابقاً. كما رفعت أسعار الرحلات الطويلة بمقدار 50 يورو لكل رحلة ذهاب وإياب، فيما ألغت شركتها الهولندية "كي إل إم" 160 رحلة أوروبية بسبب ارتفاع تكاليف الوقود.
أما أميركان إيرلاينز (American Airlines) فقد خفضت توقعات أرباحها لعام 2026، متوقعة زيادة فاتورة الوقود بأكثر من 4 مليارات دولار خلال العام الجاري. ولم تكتف الشركة بذلك، بل رفعت رسوم الأمتعة وخفضت بعض مزايا الدرجة الاقتصادية في محاولة لتعويض الخسائر. كذلك، حذرت يونايتد إيرلاينز (United Airlines) من أن أسعار التذاكر قد تحتاج إلى الارتفاع بنسبة تتراوح بين 15 و20% لتعويض قفزة الوقود، مشيرة إلى أنها لن تتمكن من استرداد كامل التكاليف الإضافية من الركاب في المدى القريب.
وفي أوروبا، أعلنت لوفتهانزا (Lufthansa) أنها ستواجه ضربة بقيمة 1.7 مليار يورو نتيجة ارتفاع أسعار الوقود في 2026، بينما قررت شركتها التابعة "إيتا إيروايز" رفع أسعار التذاكر بين 5 و10%. كما كشفت المجموعة عن إزالة 20 ألف رحلة قصيرة من جدولها حتى أكتوبر، بما يعادل توفير نحو 40 ألف طن من وقود الطائرات. أما آي إيه جي (IAG) المالكة لـ"بريتيش إيرويز"، فقد حذرت من أن أرباحها السنوية ستكون أقل من المتوقع بسبب ارتفاع تكاليف الوقود واضطرابات الإمدادات.
موجة رسوم إضافية تضرب المسافرين
واختار عدد من شركات الطيران تحميل المسافرين جزءاً كبيراً من الأزمة عبر فرض رسوم وقود إضافية. فقد رفعت شركات الطيران الصينية الكبرى، وهي إير تشاينا (Air China) وتشاينا ساذرن إيرلاينز (China Southern Airlines) وتشاينا إيسترن إيرلاينز (China Eastern Airlines)، الرسوم الإضافية على الرحلات الداخلية إلى 60 يواناً للرحلات القصيرة و120 يواناً للرحلات الأطول.
وفي الهند، أعلنت إنديغو (IndiGo) فرض رسوم وقود جديدة تشمل 900 روبية للرحلات إلى الشرق الأوسط و2300 روبية للرحلات إلى أوروبا، بينما فرضت أكاسا إير (Akasa Air) رسوماً إضافية تراوحت بين 199 و1300 روبية على الرحلات الداخلية والدولية. كما رفعت باكستان إنترناشونال إيرلاينز (Pakistan International Airlines) أسعار الرحلات الداخلية بمقدار 20 دولاراً والدولية بما يصل إلى 100 دولار بسبب زيادة رسوم الوقود.
وفي آسيا أيضاً، رفعت هونغ كونغ إيرلاينز (Hong Kong Airlines) رسوم الوقود بنسبة وصلت إلى 35% على بعض الوجهات، بينما فرض مشروع "صن إكسبرس" المشترك بين لوفتهانزا وتيركيش إيرلاينز (Turkish Airlines) رسوماً إضافية مؤقتة بقيمة 10 يوروهات على الرحلات بين تركيا وأوروبا.
إلغاء رحلات وتقليص السعة التشغيلية
ودفعت الأزمة شركات كثيرة إلى تقليص الرحلات لتقليل استهلاك الوقود وخفض الخسائر. وفي هذا الاتجاه، أعلنت إس إيه إس (SAS) إلغاء ألف رحلة خلال إبريل/ نيسان، بسبب ارتفاع أسعار النفط ووقود الطائرات، فيما قررت ثاي إير إيجا (Thai AirAsia) خفض السعة المقعدية بنسبة 30% بين مايو/ أيار ويونيو/ حزيران. وفي الهند، أعلنت إير إنديا (Air India) خفض الرحلات الدولية مؤقتاً بين يونيو وأغسطس/ آب، مع تقارير عن بحث الشركة إجازات إجبارية للموظفين غير الفنيين وتقليص السعة بأكثر من 20%.
كما كشفت فيتنام إيرلاينز (Vietnam Airlines) عن خطط لإلغاء 23 رحلة أسبوعياً على الخطوط الداخلية، بينما خفضت إير ترانسات (Air Transat) السعة التشغيلية بنسبة 6% حتى أكتوبر/ تشرين الأول. أما دلتا إيرلاينز (Delta Air Lines) فقد قلصت خطط التوسع بالكامل للربع الحالي وخفضت السعة التشغيلية بنحو 3.5 نقاط مئوية، في حين خفضت جيتبلو إيرويز (JetBlue Airways) التوظيف والسعة التشغيلية ورفعت الأسعار لمواجهة الأزمة.
شركات طيران تتجه إلى التقشف والطوارئ
وذهبت بعض الشركات إلى إجراءات أكثر حدة مع استمرار الضغوط المالية. فقد أعلنت كوريان إير (Korean Air) دخول "وضع الإدارة الطارئة" اعتباراً من إبريل، بينما تخطط تواي إير (T'way Air) لإجازات غير مدفوعة لبعض أفراد طواقم الضيافة. وفي الولايات المتحدة، لجأت ألاسكا إير (Alaska Air) إلى طرح ديون بقيمة 500 مليون دولار لتعزيز السيولة، بينما طلبت مجموعة من شركات الطيران منخفضة التكلفة بقيادة فرونتير إيرلاينز (Frontier Airlines) خطة دعم حكومية بقيمة 2.5 مليار دولار.
لكن الضحية الأبرز كانت سبيريت إيرلاينز (Spirit Airlines) التي انهارت وأوقفت عملياتها بشكل مفاجئ تحت ضغط الأزمة المالية وارتفاع تكاليف الوقود المرتبطة بالحرب الإيرانية.
الذكاء التشغيلي والتحوّط لا يكفيان
ورغم اعتماد بعض الشركات على أدوات التحوط المالي أو إعادة هيكلة الشبكات الجوية، فإن معظمها يعترف بأن الأزمة الحالية تفوق قدرات الاحتواء التقليدية. فشركة إيه إن إيه (ANA) اليابانية قالت إن ارتفاع الوقود سيرفع التكاليف بنحو 140 مليار ين هذا العام، لكنها تأمل خفض التأثير إلى 60 مليار ين عبر التحوط ورفع الأسعار وتقليص النفقات. أما ويز إير (Wizz Air) فقد حاولت مواجهة الأزمة عبر زيادة السعة على بعض الخطوط الجديدة وتقديم عروض ترويجية، في حين قالت تاب إير برتغال (TAP Air Portugal) إن رفع الأسعار سيساعد جزئياً فقط في تعويض خسائر الوقود.

أخبار ذات صلة.
نيجيريا تحاكم عسكريين بتهمة التخطيط لانقلاب
الشرق الأوسط
منذ 15 دقيقة