المساءلة الجنائية في سورية.. وثيقة جديدة ترسم خريطة طريق للعدالة
عربي
منذ ساعة
مشاركة
في ظل التحديات الهائلة التي تواجهها سورية بعد أكثر من خمسة عقود من الحكم الاستبدادي، وأربعة عشر عاماً من الحرب والانتهاكات الواسعة، صدرت اليوم الأربعاء، وثيقة جديدة بعنوان "مسارات المساءلة الجنائية في سورية"، في محاولة لتقديم تصور عملي لمسارات العدالة الانتقالية والمحاسبة الجنائية في البلاد. وأعدّ الوثيقة عدد من الباحثين، بالتشاور مع 27 منظمة من منظمات المجتمع المدني السوري، أبرزها الشبكة السورية لحقوق الإنسان، والمركز السوري للإعلام وحرية التعبير، إضافة إلى البرنامج السوري للتطوير القانوني، ومنظمة "اليوم التالي". وتطرح الوثيقة ما تصفها بـ"خريطة طريق عملية لإنشاء آلية للعدالة الجنائية، تتسم بالمصداقية والشمولية، ضمن الإطار الأوسع لعملية التعافي الوطني". وتستند الوثيقة إلى عملية تشاورية استمرت ثمانية أشهر، شارك فيها خبراء قانونيون سوريون ودوليون، ومنظمات مجتمع مدني، وجمعيات تمثل الضحايا والناجين، إلى جانب ممثلين عن "الهيئة الوطنية للعدالة الانتقالية"، و"الهيئة الوطنية للمفقودين". وتنطلق الوثيقة من واقع معقد تعيشه سورية، يتمثل بإرث طويل من "الفظائع الجماعية والإفلات المتجذر من العقاب"، معتبرة أن المساءلة الجنائية تشكل ركيزة أساسية في أي عملية انتقال سياسي أو تعافٍ وطني، ليس فقط لمعالجة جرائم الماضي، بل أيضاً "لردع الانتهاكات المستقبلية، وإعادة بناء الثقة في المؤسسات، وترسيخ سيادة القانون". وفيما تؤكد الوثيقة أنها لا تفرض نموذجاً محدداً للعدالة الجنائية، فإنها تستعرض مجموعة من الخيارات الممكنة، مع تقييم مزايا وعيوب كل خيار في السياق السوري، بما يشمل آليات المساءلة المحلية، والمحاكم الوطنية العادية، والمحاكم الخاصة ذات الطابع الدولي، إضافة إلى المسارات القضائية الدولية. وتولي الوثيقة اهتماماً خاصاً لفكرة إنشاء محكمة محلية خاصة بالجرائم الدولية، تعمل ضمن النظام القضائي السوري، وفق ضمانات أعلى واستقلالية أكبر، مع إمكانية وجود مشاركة أو رقابة دولية، باعتبار هذا النموذج من أكثر الخيارات قابلية للتطبيق في الحالة السورية. وتشدد الوثيقة على أن العدالة الانتقالية لا تقتصر على المحاكمات وحدها، بل تشمل كذلك كشف الحقيقة، ومعرفة مصير المختفين قسراً، وتعويض الضحايا، وإصلاح المؤسسات، وضمان عدم تكرار الانتهاكات، وحفظ الذاكرة الوطنية. وتلفت إلى أن سورية تواجه تحديات كبيرة في هذا المسار، من بينها ضعف استقلالية القضاء، وغياب الإصلاحات القانونية والمؤسساتية، ونقص الخبرات في التعامل مع الجرائم الدولية، إضافة إلى استمرار وجود بعض المتورطين في الانتهاكات داخل مؤسسات الدولة أو المجتمعات المحلية، فضلاً عن فرار عدد من كبار المسؤولين المتهمين، إلى خارج البلاد. وتؤكد الوثيقة كذلك ضرورة شمول العدالة الجنائية للجرائم المرتكبة قبل عام 2011، بما فيها "مجزرة حماة" عام 1982، و"مجزرة سجن تدمر" عام 1980، معتبرة أن آثار تلك الجرائم لا تزال حاضرة في الذاكرة الجمعية السورية، ولم يُقدَّم لضحاياها أي سبل حقيقية للإنصاف طوال عقود. وفي تصريح لـ"العربي الجديد"، يقول مدير الشبكة السورية لحقوق الإنسان، فضل عبد الغني، المشارك في إعداد هذه الوثيقة، إن "العدالة الانتقالية في سورية لا يجب اختزالها في المحاكمات فقط"، مشدداً على ضرورة أن تشمل أيضاً "كشف الحقيقة، وملف المفقودين والمختفين قسراً، وجبر الضرر والتعويضات، وإصلاح القضاء والأجهزة الأمنية، وضمانات عدم التكرار، وحفظ الذاكرة". ويضيف عبد الغني أن حجم الانتهاكات المرتكبة في سورية "يتجاوز قدرة أي محكمة منفردة على استيعابه"، مشيراً إلى أن الضحايا "لا يحتاجون إلى أحكام جنائية فقط، بل إلى اعتراف رسمي، ومعرفة الحقيقة، واستعادة الحقوق". وحول نماذج المحاكمات المقترحة، يوضح أن الوثيقة تستعرض عدة خيارات، من بينها المحاكم المحلية العادية، والمحكمة المحلية الخاصة، والنموذج المختلط الذي يجمع بين عناصر وطنية ودولية، إضافة إلى المسارات الدولية مثل المحكمة الجنائية الدولية، لكنه يشير إلى أن الأخيرة "تواجه عوائق سياسية وعملية كبيرة". ويعتبر عبد الغني أن خيار المحكمة المحلية الخاصة يبدو الأكثر واقعية في السياق السوري، إذا صُمِّم بصورة سليمة، مؤكداً أهمية الاستفادة من التجارب الدولية المقارنة، مثل البوسنة والهرسك، وكولومبيا، وجمهورية أفريقيا الوسطى، مع مراعاة خصوصية الحالة السورية وعدم نقل التجارب بصورة حرفية. ويختم بالقول إن تحقيق العدالة في سورية يتطلب استراتيجية تدريجية وواضحة، محذراً من أن تتحول الأولويات القضائية إلى "انتقائية"، ومشدداً على ضرورة أن تكون معايير الملاحقة "معلنة وقانونية وقابلة للمراجعة، بحيث يشعر جميع الضحايا بأن معاناتهم معترف بها، حتى لو لم تصل كل القضايا إلى المحكمة فوراً".

أخبار ذات صلة.

( نوافذ يمنية) محرك بحث إخباري لا يتحمل أي مسؤولية قانونية عن المواد المنشورة فيه لأنها لا تعبر عن رأي الموقع..

جميع الحقوق محفوظة 2026 © نوافذ يمنية