عربي
تتداول أوساط سياسية وإعلامية في لندن معلومات عن قرب إعلان الحكومة البريطانية عن تشريع يهدف إلى التقارب مع الاتحاد الأوروبي، في ظل الأزمة التي تمر بها "العلاقة الخاصة" بين لندن وواشنطن بسبب الحرب على إيران أخيراً. وقد سبق ذلك خطوات تقارب مهمة قام بها رئيس الوزراء البريطاني، كير ستارمر، منذ وصوله لرئاسة الحكومة في يوليو/تموز عام 2024، حيث أوفى بتعهد خلال حملته الانتخابية بإعادة رسم العلاقة مع الاتحاد الأوروبي، واكتسب ذلك زخماً في ظل الانتقادات العلنية للرئيس الأميركي، دونالد ترامب، وسيل الإهانات الذي يوجهه إلى الحليف التاريخي لأميركا. ووفق ما تسرب إعلامياً، فإن حكومة ستارمر تعد مشروع قانون تحت عنوان "إعادة الضبط"، يمنح الوزراء صلاحيات لمواءمة معايير بريطانيا مع قواعد السوق الموحدة للاتحاد الأوروبي مع تطورها، وهو أمر يسمى "المواءمة النشطة". ونقلت وسائل إعلام عن مسؤول حكومي، طلب عدم الكشف عن هويته، أن الملك تشارلز الثالث سيعلن عن التشريع في 13 مايو/ أيار الحالي عندما يقرّ خطط ستارمر التشريعية للأشهر المقبلة.
الحرب على إيران
وتعهّد رئيس الوزراء البريطاني كير ستارمر، أمس الاثنين، بإحداث تحول جذري في السياسة الخارجية لبلاده، مؤكداً أن حكومته تضع إعادة بناء العلاقة مع الاتحاد الأوروبي في صدارة أولوياتها. وقال حول ذلك: "حان الوقت لإعادة بريطانيا إلى مكانها الطبيعي في قلب أوروبا". وأكد ستارمر، أن بلاده "لن تنخرط في حرب مع إيران"، مشدداً على أن الأولوية الحالية تتركز على الاستقرار الداخلي وإعادة ترتيب الأوضاع السياسية والاقتصادية داخل البلاد، إلى جانب إعادة صياغة علاقاتها الخارجية. وقال حول ذلك: "بريطانيا كانت ستجد نفسها عالقة في مواجهة مباشرة مع إيران لو أخذ برأي أحزاب أخرى سعت إلى جرّ البلاد نحو حرب لا تخدم مصالحها. لن أسمح بحدوث ذلك أبداً".
ستارمر صرح أخيراً بعد بدء الحرب على إيران بأنه "يعتقد أن الشراكة بين بريطانيا والاتحاد الأوروبي ضرورية للاستعداد للتحديات التي نواجهها اليوم". لكنه دعا مرات عدة إلى علاقة اقتصادية وأمنية أعمق مع أوروبا منذ فوز حزبه العمالي في انتخابات عام 2024، وإطاحته بحزب المحافظين الذي نظّم استفتاء "بريكست" لخروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي عام 2016. وعلى هذا الأساس كثّف ستارمر تحركه على الطريق الأوروبي خلال العامين الماضيين، وشهد شهر مايو /أيار من العام الماضي عقد قمة غير مسبوقة منذ خروج بريطانيا رسمياً من الاتحاد الأوروبي قبل خمس سنوات، تكللت بالتوقيع على "شراكة استراتيجية جديدة" لتعزيز العلاقات ولا سيما في مجال الدفاع والأمن، وتخفيف بعض العوائق التجارية، وتمديد اتفاق حول صيد الأسماك. واعتبر رئيس الوزراء البريطاني أن الاتفاق "يمثل بداية عصر جديد في علاقتنا… نحن نتفق على شراكة استراتيجية جديدة تناسب متطلبات زمننا". من جهتها، قالت رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون ديرلاين "هذا يوم مهم لأننا نطوي صفحة ونفتح فصلاً جديداً. هذا أمر بالغ الأهمية في ظل تصاعد التوترات الجيوسياسية (الحرب على إيران)، لأننا نتشارك في الرؤية والقيم نفسها".
حذّر صندوق النقد الدولي من أن بريطانيا ستكون الاقتصاد المتقدم الأكثر تضرراً من الحرب على إيران
وقد انعكس الاتفاق على نحو إيجابي على بريطانيا خلال أقل من عام، حيث استفادت لندن من صندوق دفاعي بقيمة 150 مليار يورو (176.5 مليار دولار)، اتفقت دول الاتحاد على إنشائه، وجرى رفع القيود المفروضة على الصادرات البريطانية إلى دول أوروبا، في مقابل تمديد بريطانيا حقوق الصيد للاتحاد الأوروبي في مياهها الإقليمية لمدة 12 عاماً إضافياً. وأشار مسؤولون بريطانيون إلى أن بريطانيا بدأت تجني فوائد حقيقية وملموسة في مجالات مثل الأمن والهجرة غير النظامية وأسعار الطاقة والمنتجات الزراعية والغذائية والتجارة، بالإضافة إلى خفض الفواتير وتوفير فرص العمل وحماية الحدود.
هناك عدة أسباب تدعو ستارمر لتسريع خطواته نحو أوروبا، الأول، تطبيق المشروع الذي وضعه خلال حملته الانتخابية لمصالحة بريطانيا مع أوروبا. والثاني، التباين السياسي والاقتصادي مع واشنطن، والذي تجلى بصورة واضحة حيال الحرب على إيران وتحدث ستارمر صراحة عن ذلك، ولخصه بقوله "بالتأكيد جعلت إيران مسألة إعادة الضبط أكثر أهمية للمستقبل". وأضاف "نحن بحاجة إلى بناء قدرة صمود اقتصادية في جميع أنحاء القارة". وهنا يكمن السبب الثالث، حيث حذّر صندوق النقد الدولي من أن بريطانيا ستكون الاقتصاد المتقدم الأكثر تضرراً من الحرب على إيران مستقبلاً. وقد جاء ذلك بعد تهديد ترامب في مقابلة عبر الهاتف مع قناة سكاي نيوز بإلغاء اتفاقية تجارية بين الولايات المتحدة وبريطانيا، حدت من تأثير التعرفات الجمركية الجديدة على بريطانيا.
ويرى خبراء اقتصاد بريطانيون أن كلفة التقارب مع أوروبا أقل من بناء استراتيجية تجارية مستقلة تقوم على الاعتماد الذاتي في الوقت الراهن، وهي أكثر صعوبة في ظل شح الخيارات الداخلية والخارجية بسبب الحرب على إيران أخيراً، وفي الوقت ذاته تبدو الفرص التجارية أمام بريطانيا كثيرة ومتعددة مع كل من فرنسا وألمانيا وهولندا. وهذا يكشف عن بطلان الحسابات التي قام عليها "بريكست" على أساس أن بريطانيا ستشهد انتعاشاً اقتصادياً بعيداً عن الاتحاد الأوروبي، ومن خلال بناء شراكات عالمي جديدة، ومنها مع بلدان الخليج العربي.
الاتحاد الأوروبي، كان يتحرك في السابق بقوة دافعة من ثلاث دول هي فرنسا وألمانيا وبريطانيا، تشكل قلب أوروبا ومركز ثقلها الجغرافي والتاريخي، وهي التي تحكمت بقرارات الحرب والسلم، وبالسياسة والاقتصاد، وعلى الدوام كانت لندن تضع قدماً داخل أوروبا وأخرى خارجها وتميل إلى الطرف الآخر من المحيط الأطلسي، نحو الولايات المتحدة، تاركة لكل من باريس وبرلين قيادة القاطرة الأوروبية، ولكنها لم تقطع حبالها معهما، حتى جاء "بريكست" على يد حزب المحافظين والقوى الشعبوية المناهضة للأجانب، فأدارت لندن ظهرها، وأوصدت أبوابها مع أوروبا في الفترة التي تولى فيها بوريس جونسون رئاسة الحكومة البريطانية في الفترة ما بين 2019 و2022، وشهدت خلالها العلاقات مع باريس أسوأ مراحلها. ولا يعني التقارب الجديد أن بريطانيا تنوي العودة إلى الاتحاد الأوروبي، ولا حتى إعادة النظر في "بريكست"، بل هي من قبيل محاولة الحكومة البريطانية الجديدة "لإعادة ضبط" العلاقات مع أوروبا، لا سيما بعد سنوات من التوتر بين لندن وباريس، حيث ساءت الأمور للغاية في ظل حزب المحافظين، وخصوصاً بوريس جونسون، الذي ازدرى الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون علناً، عندما صرح بأنه "شعر بأنه ليس لديه شريك موثوق به" في فرنسا.
يرى خبراء اقتصاد بريطانيون أن كلفة التقارب مع أوروبا أقل من كلفة بناء استراتيجية تجارية مستقلة
تكرر الأمر مع الحكومات التي تلت رحيل بوريس جونسون، بما فيها حكومة المحافظين التي قادها ريشي سوناك التي سعت عام 2022 لعلاقة على غرار "النموذج السويسري" مع الاتحاد الأوروبي، بهدف إزالة العديد من الحواجز الاقتصادية الناتجة من خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي، وحاولت تحسين العلاقات مع التكتل الأوروبي بعد سنوات من الخلاف الحاد. وعلى الرغم من النفي الرسمي، فإن حكومة المحافظين أرادت استعادة العلاقات مع الاتحاد الأوروبي، معترفةً بأن "بريكست" تسبب في كلفة اقتصادية لبريطانيا. وأبرمت حكومة المحافظين السابقة اتفاقاً رأت فيه الحكومة العمالية التي خلفتها أنه "لا يخدم مصالح أي طرف". واعتبر أكثر من مسؤول في حينه أن الحواجز التجارية بين بريطانيا والاتحاد الأوروبي ستتم إزالتها في السنوات المقبلة.
وفي الأحوال كافة جاء التحول في ظل تنامي المعارضة الشعبية لصيغة انسحاب بريطانيا من الاتحاد الأوروبي التي اتبعتها حكومات المحافظين المتعاقبة، منذ أن اختار الناخبون البريطانيون بهامش 52% مغادرة التكتل في استفتاء عام 2016. ووفق استطلاعات الرأي، فإن 57% من البريطانيين سيصوّتون للانضمام إلى للاتحاد الأوروبي، و43% سيصوّتون للبقاء خارجه. وهذا أمر لم يتغير منذ مرور عام على الانفصال عن أوروبا، وهو ما يأمل ستارمر استغلاله، وهو يدرك إنه عندما تتصدع العلاقة مع الولايات المتحدة، ينعكس ذلك في تراجع المعارضة لعلاقة أوثق مع الاتحاد الأوروبي بين عامة البريطانيين.
العلاقة مع أوروبا
وعندما كانت بريطانيا تتفاوض على الانفصال من الاتحاد الأوروبي، استبعدت الحكومات المحافظة، برئاسة تيريزا ماي وخلفها بوريس جونسون، البقاء داخل السوق الأوروبية الموحدة بلا حدود، أو اتحاد الجمارك المعفى من الرسوم الجمركية. وتم تجاهل السياسيين الذين كانوا يرغبون في علاقات أوثق أو تهميشهم. ونجمت عن اتفاق الانفصال، الذي توصل إليه الجانبان في عام 2020، عمليات تفتيش جمركية وعقبات حدودية أخرى للسلع وفحص جوازات السفر ومضايقات أخرى للمسافرين. لم يعد بإمكان البريطانيين العيش والعمل بحرية في أنحاء أوروبا، ولم يعد بإمكان مواطني الاتحاد الأوروبي الانتقال إلى بريطانيا متى رغبوا. شيئاً فشيئاً بدأت تسوء علاقات الطرفين، فتراجع التبادل التجاري إلى حدود كبيرة، وخسرت بريطانيا من جراء ذلك القسط الأوروبي من استثماراتها والتي كانت تشكل نسبة عالية، وبقيت تعتمد على استثمارات الشركات الأميركية التي بدأت هي الأخرى تخفف من أعمالها بسبب تحول لندن من عاصمة مالية دولية إلى محطة محلية.
طموح بريطانيا أن تتوصل لاتفاقات مع الاتحاد الأوروبي على غرار سويسرا العضو في "منطقة شينغن" المعفاة من الضوابط الحدودية، والشريك مع دول الاتحاد في مجالي البحث العلمي والتعاون الشرطي، وقطعت أشواطاً مهمة للانخراط في نظامه الصحي وسوق الكهرباء الخاصة به. ويرى خبراء أوروبيون أن سويسرا تتمتع بأفضل ما يمتلكه الطرفان، أي الوصول إلى أكبر سوق موحدة في العالم وحرية لعب ورقة السيادة وقتما شاءت.

أخبار ذات صلة.
الأسماك تغادر موائد الفقراء في ليبيا
العربي الجديد
منذ 31 دقيقة